كده غلط: كيس يُقذف من نافذة سيارة... مخالفة قد تكلف صاحبها مئة ألف جنيه
في افتتاح سلسلة «كده غلط»: كيس يُقذف من نافذة سيارة على الدائري خطرٌ على من خلفك، وإهانة لعامل النظافة، ومخالفة يعاقب عليها قانون المخلفات بغرامة تصل إلى مئة ألف جنيه.

على الطريق الدائري، في ساعة الذروة، تنزلق نافذة سيارة قليلاً، فتخرج منها يد تقذف كيساً أبيض ممتلئاً. يرتطم الكيس بالأسفلت وينفتح، فتتناثر عبوات وبقايا طعام أمام العجلات، ويراوغ سائق دراجة نارية بانحرافة مفاجئة. مشهد يتكرر على طرقنا كل يوم حتى كاد يفقد قدرته على إثارة الدهشة.
بهذا المشهد نفتتح سلسلة «كده غلط»، وقاعدتها واحدة: تسمية الخطأ باسمه من غير تجريح لأحد. القضية هنا سلوك لا أشخاص؛ فصاحب اليد التي قذفت الكيس قد يكون طبيباً أو موظفاً أو طالباً، والسيارة قد تكون فارهة أو متهالكة. الخطأ واحد، والضرر واحد.
قد يبدو الأمر «ذنباً صغيراً» لا يستحق الوقوف عنده، لكنه في الحقيقة ثلاث إساءات في فعل واحد. فالكيس المقذوف قد يرتطم بزجاج سيارة خلفك أو يدفع سائقاً إلى انحرافة قاتلة، وعامل النظافة سيضطر إلى عبور حارات مسرعة لالتقاط ما تناثر، وصورة البلد تتشكل في عيون زائريه من حال طرقه قبل أي شيء آخر.
لهذا نسميها جريمة أخلاقية مكتملة الأركان: اعتداء على سلامة أناس لا تعرفهم، وازدراء لعمل إنسان يكسب رزقه بمشقة، واستهانة بمساحة مشتركة يملكها الجميع. وما يجعلها أفدح أنها تُرتكب غالباً ببساطة، ومن دون شعور بالذنب أصلاً.
والقانون المصري لا يراها صغيرة. فقانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، الساري منذ أكتوبر 2020، يحظر في مادته 38 إلقاء المخلفات البلدية أو فرزها أو معالجتها إلا في الأماكن المخصصة لذلك.
أما العقوبة فتقررها المادة 71 من القانون ذاته: غرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على مئة ألف جنيه لكل من ألقى أو تخلص من مخلفات غير خطرة في غير الأماكن المخصصة، وفي حال العود تصبح العقوبة الحبس والغرامة معاً، مع مصادرة وسائل النقل المستخدمة في ارتكاب المخالفة.
وكانت الحكومة قد أدرجت في مشروع تعديلات قانون المرور غرامة من خمسة آلاف إلى خمسة عشر ألف جنيه لكل قائد مركبة يتسبب في تلويث الطريق بإلقاء فضلات، تتضاعف عند التكرار وقد تصل إلى سحب الرخصة عاماً كاملاً. غير أن الحكومة سحبت المشروع في فبراير 2026 لإعادة صياغته ضمن قانون متكامل، وفق ما أُعلن في الجلسة العامة لمجلس النواب، ليبقى قانون المخلفات هو الإطار النافذ حتى اليوم.
وبين نص القانون وواقع الطريق فجوة يعرفها كل من يقود سيارة في مصر: المخالفة تقع في ثوانٍ، وضبطها يحتاج تلبساً أو كاميرا. ولهذا لا تكفي الغرامات وحدها مهما تغلظت، ما لم يصاحبها إنفاذ منتظم وثقافة عامة ترى في الفعل عيباً قبل أن تراه مخالفة.
وأدبيات علم النفس الاجتماعي تسند هذا الاستنتاج. فدراسة شهيرة نشرتها دورية «ساينس» عام 2008 لباحثين من جامعة خرونينجن الهولندية خلصت إلى أن الفوضى تولّد الفوضى: حين رأى المارة جداراً مغطى بالجرافيتي في مكان يحظره، تضاعفت تقريباً نسبة من ألقوا أوراقاً على الأرض. القمامة المرئية رسالة صامتة مفادها أن «الجميع يفعلها».
والمعنى المقلوب صحيح أيضاً: الشارع النظيف يحمي نفسه، والقدوة أبلغ من اللافتة. سائق يحتفظ بمهملاته حتى أول صندوق قمامة يرسل إلى أبنائه ومن حوله رسالة أقوى من ألف تحذير.
التجربة السنغافورية جمعت بين الردع والإصلاح. فبموجب قانون الصحة العامة البيئية هناك تصل غرامة الإلقاء عند الإدانة الأولى إلى ألفي دولار سنغافوري، وترتفع إلى أربعة آلاف ثم عشرة آلاف عند التكرار، ويضاف إليها «أمر العمل التصحيحي» الذي يلزم المخالف بتنظيف الأماكن العامة بيده ساعات محددة. وقد أعلنت وكالة البيئة الوطنية السنغافورية عن حالات فعلية جمع فيها مخالفون متكررون بين الغرامة واثنتي عشرة ساعة من التنظيف العلني.
أما اليابان فاختارت التنشئة قبل العقوبة: التلاميذ ينظفون فصولهم وممرات مدارسهم يومياً نحو ربع ساعة باعتبار النظافة جزءاً من التعليم نفسه، والشوارع تكاد تخلو من صناديق القمامة العامة ومع ذلك تبقى نظيفة لأن كل شخص يحمل مخلفاته معه. وفي مونديال قطر 2022 شاهد العالم الجماهير اليابانية تنظف المدرجات بعد فوز منتخبها على ألمانيا.
«صوت المواطن» لن تكتفي بالوصف. ندعو قراءنا إلى توثيق هذه الظاهرة بكاميراتهم — من دون تعريض أنفسهم للخطر أو التشهير بالأفراد — عبر خدمة «عدسة المواطن» في نموذج «صوتك» على منصتنا، لنبني معاً ملفاً موثقاً يوضع أمام الجهات المعنية. والتغيير، قبل ذلك كله، يبدأ بقرار بسيط: كيس صغير للمهملات داخل سيارتك، ويد لا تفتح النافذة إلا للهواء.
مواد ذات صلة

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء
لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية
يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق
أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة