عقب سيجارة مشتعل: جمرة صغيرة تكفي لكارثة
حركة إصبع واحدة: السيجارة تُقذف من النافذة أو تُرمى على الرصيف وهي ما زالت مشتعلة، ويمضي صاحبها. لكن الجمرة لا تعرف أنها «صغيرة». على عشب جاف، أو قرب كومة قمامة، أو بجوار تسريب وقود، تكفي شرارة واحدة لتبدأ كارثة. إهمال ثوانٍ قد يلتهم أرزاق أسر بأكملها. كده غلط.

هي حركة إصبع واحدة لا يفكر فيها صاحبها: نفَس أخير من السيجارة، ثم قذفة من نافذة السيارة أو رمية على الرصيف، والعقب ما زال مشتعلاً يتطاير منه الشرر. يمضي المدخن إلى حال سبيله، وتبقى الجمرة وحدها على الأرض تقرر مصير ما حولها.
والجمرة لا تعرف أنها «صغيرة». النار لا تحتاج إلا إلى ثلاثة أشياء تجدها في شوارعنا بسهولة: حرارة توفرها الجمرة، ومادة قابلة للاشتعال، وقليل من الهواء. عشب جاف على جانب طريق زراعي، كومة قمامة وورق وكرتون، مخلفات بلاستيكية، بقعة وقود مترسبة قرب محطة أو ورشة. عناصر تنتظر شرارة، والشرارة تصل بالبريد السريع من نافذة سيارة عابرة.
كم من حريق بدأ هكذا، بجمرة لم يكلف صاحبها نفسه إطفاءها؟ لا نحتاج إلى اختلاق وقائع بعينها، فتقارير الحماية المدنية في كل بلاد العالم تضع أعقاب السجائر المهملة بين الأسباب المتكررة لحرائق المزارع والمخازن والمنازل. النمط معروف وموثق: جمرة، ومادة جافة، وريح، ثم نار يعجز عنها من أشعلها لو أراد إطفاءها.
تخيّل المشهد في أبسط صوره: عقب مشتعل يُقذف من نافذة سيارة على طريق سريع، فيحمله الهواء إلى وجه سائق دراجة نارية خلفها، أو يستقر في حمولة قش على سيارة نقل. أو عقب يُرمى من شرفة فيهبط على مظلة قماشية لمحل في الدور الأرضي، أو على غسيل منشور، أو في بلكونة جيران فيها ما يشتعل. لا أحد من هؤلاء اختار أن يكون طرفاً في مقامرة أشعلها غيره.
وهنا جوهر التأثيم الأخلاقي الذي يعنينا قبل أي شيء: من يلقي جمرة مشتعلة في فضاء مشترك يقامر بأرواح الآخرين وأرزاقهم وممتلكاتهم من أجل توفير ثلاث ثوانٍ، هي الوقت اللازم لإطفاء السيجارة قبل التخلص منها. حتى لو لم يشتعل شيء قط، يبقى الفعل استهتاراً بالناس واستفزازاً لهم، ورسالة مفادها أن سلامتكم لا تساوي عندي حركة إصبع.
وحتى العقب المنطفئ ليس بريئاً تماماً؛ فهو مخلفات يعاقب على إلقائها في الطريق العام قانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 وتعديلاته، وهو من أكثر أنواع القمامة انتشاراً في شوارع العالم وأبطئها تحللاً. لكن العقب المشتعل تحديداً ينقل الفعل من خانة القذارة إلى خانة الخطر الداهم.
المفارقة أن الحل هنا من أرخص الحلول وأسهلها على الإطلاق. لا يحتاج المدخن إلا أن يطفئ سيجارته تماماً — بفركها على سطح صلب أو غمسها في قطرة ماء — قبل أن يلقيها في سلة. ومن يدخن في سيارته فسيارته فيها مطفأة صُنعت لهذا الغرض بالضبط، ومن يجلس في شرفته يكفيه طبق صغير. المطلوب ليس الإقلاع عن التدخين؛ المطلوب فقط ألا تتحول سيجارتك إلى قذيفة حارقة.
ما المطلوب من المواطن؟ أطفئ ثم ارمِ، دائماً وبلا استثناء، ولو بدت لك الجمرة على وشك الانطفاء وحدها. وعلّم أولادك المدخنين — إن عجزت عن إقناعهم بالإقلاع — أن هذه الحركة تحديداً خط أحمر. ومن يرى من يقذف جمرة من نافذته فليقلها: كده غلط.
وما المطلوب من الدولة والمحال العامة؟ صناديق ومطافئ معدنية عند مداخل المباني والمقاهي ومحطات المواصلات، بحيث لا يجد المدخن عذراً في غياب المكان المناسب. وحملات توعية تربط بشكل مباشر بين العقب المشتعل والحرائق، لأن كثيرين يفعلونها عن جهل حقيقي بالعواقب لا عن استهتار. ثم تطبيق الغرامات القائمة على من يصرّ.
جمرة السيجارة أصغر شيء يمكن أن تحمله يد، وقد تكون أول خيط في أكبر خسارة يعرفها شارع بأكمله. بين الاثنين ثلاث ثوانٍ من الانتباه لا أكثر. من يبخل بها على جيرانه وعابري الطريق، نقولها له بلا تردد: كده غلط.
مواد ذات صلة

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء
لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة
«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية
يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة
الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق
أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة