تخطَّ إلى المحتوى

قمامة تطير من نافذة سيارة: كسل ثوانٍ قد يكلّف حياة

نافذة تنفتح، يد تمتد، كيس يسقط على الأسفلت وتمضي السيارة. مشهد يتكرر كل يوم في شوارعنا، من سيارات متواضعة وأخرى فارهة على السواء. قبل أن يكون مخالفة، هو رسالة ازدراء لكل من يمشي على الطريق، وفخّ قد ينزلق عليه عابر فيدفع الثمن من حياته. كده غلط.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
مخلفات وأكياس بلاستيكية متناثرة على الأسفلت عند حافة طريق، وسيارات مارّة في الخلفية.

المشهد لا يحتاج وصفاً طويلاً لأننا نراه كل يوم: سيارة تسير في الطريق، نافذة تنفتح، يد تمتد بكيس أو زجاجة أو بقايا طعام، ثم يسقط كل ذلك على الأسفلت وتمضي السيارة وكأن شيئاً لم يكن. الشارع من وجهة نظر صاحب اليد سلة مهملات كبيرة، وعمال النظافة خُلقوا لالتقاط ما يلقيه.

ولنقلها بوضوح منذ السطر الأول: فخامة السيارة لا تشفع. كم من مرة رأينا الكيس يُلقى من نافذة سيارة فارهة زجاجها معتم وثمنها يعادل شقة؟ الرقي ليس ماركة ولا موديل سنة؛ الرقي سلوك. ومن يلقي فضلاته من نافذة سيارته يعلن عن نفسه أبلغ إعلان، مهما كان ما يقوده.

الجريمة هنا أخلاقية قبل أن تكون قانونية. الشارع ملكية مشتركة لكل من يستخدمه: الماشي والراكب والبائع والطفل العائد من مدرسته. من يلقي مخلفاته فيه يقول عملياً لكل هؤلاء: راحتي أهم منكم جميعاً، ونظافة سيارتي من الداخل تستحق أن يتسخ طريقكم من أجلها. هذه إساءة واستفزاز وضرر، حتى لو لم يترتب على الفعل شيء آخر على الإطلاق.

لكن المصيبة أن الفعل قد يترتب عليه ما هو أفدح بكثير من القبح. تخيّل طالباً في طريقه إلى مدرسته صباحاً، يمشي على حافة الطريق لأن الرصيف مشغول، فتطأ قدمه قشرة فاكهة أو كيساً مبتلاً أُلقي قبل دقائق من نافذة سيارة عابرة. ينزلق، يفقد توازنه، يسقط في مسار السيارات. في ثانية واحدة يتحول كسل شخص لم يحتمل بقاء الكيس في سيارته حتى أقرب سلة إلى مأساة تفجع أسرة كاملة.

لسنا في حاجة إلى انتظار المأساة كي نحكم على الفعل. حتى في أفضل الأحوال، حين لا ينزلق أحد ولا يتضرر أحد، يبقى إلقاء الفضلات من السيارة سلوكاً غير أخلاقي وغير حضاري ومستفزاً لكل من يراه. القبح في الفعل ذاته، لا في نتيجته فقط.

والكيس الواحد لا يبقى وحده. أول كيس على جانب الطريق دعوة مفتوحة لثانٍ وثالث، حتى يتحول جانب الطريق إلى مقلب صغير تتطاير منه الأكياس في وجوه السائقين وتسدّ فتحات تصريف الأمطار وتستقر في النهاية في الترع والمصارف. العادة السيئة تبني بيئتها بنفسها: المكان المتسخ يغري بمزيد من الاتساخ.

وللقانون كلمة هنا أيضاً، وإن كنا نضعها في المقام الثاني عمداً. إلقاء المخلفات في الطريق العام مخالفة يعاقب عليها قانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967 وتعديلاته. النص موجود منذ عقود؛ الغائب هو التطبيق الحازم الذي يجعل من يهمّ بفتح النافذة يفكر مرتين.

وهناك حجة جاهزة نسمعها كثيراً: «وماذا يفعل عمال النظافة إذن؟». والرد بسيط: وجود من يكنس الشارع ليس ترخيصاً بتوسيخه، تماماً كما أن وجود أطباء ليس دعوة لإيذاء الناس. عامل النظافة يستحق أن نحترم عمله لا أن نضاعفه عبثاً، وأن نحفظ له كرامته لا أن نعامله كمكنسة تمشي خلف نوافذنا.

ما المطلوب من المواطن؟ شيء يكاد يكون مضحكاً في بساطته: كيس صغير داخل السيارة تُجمع فيه المخلفات حتى أقرب سلة. هذا كل شيء. ومن يرى الفعل فليقلها بأدب وحزم، ولو بنظرة: كده غلط. فالمخطئ الذي يعرف أن الناس تراه وتستنكر يتغير أسرع بكثير من المخطئ الذي يمرّ فعله بلا تعليق.

وما المطلوب من الدولة؟ سلال مهملات كافية وموزعة بعقل على الطرق والميادين، وتفعيل حقيقي للغرامات المنصوص عليها بحيث تصل المخالفة إلى صاحب السيارة كما تصله مخالفة السرعة، والاستفادة من كاميرات المراقبة المرورية القائمة في رصد هذا السلوك حيثما أمكن. القانون الذي لا يُطبق يتحول إلى نصيحة.

الطريق مرآة لمن يسير عليه. حين يطير الكيس من النافذة، لا يسقط على الأسفلت وحده؛ يسقط معه شيء من صورة المدينة وصورة أهلها. كده غلط، وسنظل نقولها حتى يصبح مشهد اليد الممتدة بالكيس من النافذة مشهداً من الماضي.

مواد ذات صلة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

كده غلط

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية

يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

كده غلط

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق

أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة