تخطَّ إلى المحتوى

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق

أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة

جرب أن تمشي في شارع رئيسي بأي مدينة مصرية من أوله إلى آخره فوق الرصيف، دون أن تنزل مرة واحدة إلى نهر الطريق. في أحياء كثيرة ستفشل قبل أن تكمل مئة متر: كشك سجائر ومياه غازية توسع حتى صار دكاناً، ثلاجات وأقفاص بضاعة، ومظلات وكراسي، حتى لم يبق للمارة إلا شريط ضيق أو لا شيء على الإطلاق، والنتيجة مشهد يومي نألفه حتى نسينا فداحته: بشر يمشون بين السيارات لأن ممرهم المخصص محتل.

ولنقلها كما هي: هذا ليس تفصيلاً جمالياً ولا مسألة «منظر حضاري» فحسب، بل مسألة أمان وحياة. حين ينزل المشاة إلى الطريق يصيرون في مواجهة مباشرة مع السيارات والدراجات النارية، وأضعفهم أكثرهم عرضة: الطفل في طريقه للمدرسة، والأم بعربة رضيعها، وكبير السن البطيء الخطى، وذوو الإعاقة الذين يستحيل عليهم أصلاً التنقل في مدينة بلا أرصفة سالكة. كل كشك يسد الرصيف يدفع هؤلاء دفعاً نحو الخطر.

وقبل القانون، هذه إساءة أخلاقية واضحة. الرصيف ملكية عامة خالصة، بني بمال الناس جميعاً ليمشوا عليه آمنين، ومن يحتله لنشاطه الخاص يقول عملياً لكل مار: مصلحتي أولى من أمانك، انزل أنت إلى الشارع وتحمل أنت الخطر. هذا هو الاستفزاز اليومي الذي يعنيه هذا القسم، الجرح الصغير المتكرر في كرامة المواطن وهو يتحسس طريقه بين السيارات في بلده.

وهنا نصل إلى النقطة التي يجب أن تقال بشجاعة: الترخيص لا يجعل الغلط صح. كشك رخصه الحي ثم توسع فابتلع الرصيف لا يقل ضرراً عن كشك عشوائي، بل قد يكون أشد سوءاً لأنه يحتل الممر العام بختم رسمي. الترخيص يبيح نشاطاً في حدود مرسومة، ولا يمكن أن يكون صك تمليك لممر المشاة. وحين تمنح جهة إدارية ترخيصاً يجعل السير على الرصيف مستحيلاً، فالجهة نفسها شريكة في الخطأ.

القانون المصري حسم المبدأ منذ عقود: قانون إشغال الطرق العامة رقم 140 لسنة 1956 ينظم أي إشغال للطريق العام ويجعله استثناء مرخصاً بضوابط، لا قاعدة مطلقة، فالأصل أن الطريق والرصيف حق مشترك للمارة. أي أن المرجعية القانونية موجودة، والمبدأ محسوم، والمفقود — كالعادة في ملفات هذا القسم — هو التطبيق المتسق الذي لا يفرق بين كشك صغير ومقهى كبير ومحل شهير مد بضاعته أمتاراً أمام واجهته.

ولنكن هنا أيضاً منصفين مع أصحاب الأكشاك: كثير منهم أرباب أسر يسعون على رزقهم، والكشك مشروعهم الوحيد، ولا يليق بحملة أخلاقية أن تتحول إلى حرب على أرزاق البسطاء. لكن الإنصاف لا يعني قبول الضرر، فالرزق الحلال لا يبنى على تعريض حياة المارة للخطر، والحل ليس إلغاء الأكشاك بل ضبطها: مساحة محددة تحترم، وممر مشاة لا يمس، وبدائل وأماكن منظمة حيث لا يتسع الرصيف.

تخيّل معنا الصورة المعكوسة، فهي ليست خيالاً في مدن كثيرة حول العالم وفي شوارع مصرية أعيد تخطيطها بالفعل: رصيف متصل سالك، الكشك في مكانه المرسوم لا يتجاوزه، والأم تدفع عربة طفلها من أول الشارع إلى آخره دون أن تنزل مرة إلى نهر الطريق. الفارق بين الصورتين ليس ميزانية خيالية، بل إرادة تنفيذ واحترام متبادل لحدود مرسومة.

المطلوب من صاحب الكشك: التزم حدود ترخيصك بالسنتيمتر، فالثلاجة الزائدة وقفص البضاعة الممدود ليسا شطارة بل اعتداء على ممر الناس. واسأل نفسك السؤال الذي نسأله لكل أبطال هذا القسم: هل ترضى أن تمشي أمك أو ابنتك وسط السيارات لأن رصيفها محتل؟

والمطلوب من الدولة والمحليات: مراجعة تراخيص الإشغالات بمعيار واحد صريح هو بقاء ممر مشاة متصل وكافٍ، وإزالة ما يسد الأرصفة بلا محاباة للكبير ولا قسوة تجرف رزق الصغير دون بديل، وتوفير أماكن منظمة بديلة حيث يلزم، وتضمين حق المشاة في أي تخطيط أو رصف جديد، فالرصيف الذي يبنى ثم يترك للاحتلال أهدر مرتين: مرة بالمال ومرة بالوظيفة.

الرصيف اختبار صغير لفكرة كبيرة: هل الشارع ملك للجميع أم لمن وضع يده أولاً؟ كل متر رصيف يستعاد للمشاة رسالة بأن حق الضعيف محفوظ ولو كان مجرد حق المرور. وكل كشك يبتلع الممر ويدفع الناس إلى نهر الطريق رسالة معاكسة نرفضها: كده غلط، والرصيف حق المواطن قبل أي مصلحة.

مواد ذات صلة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

كده غلط

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية

يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

مقهى بالدور الأرضي أسفل عمارة سكنية ليلاً، تظهر فيه الشيشة على الطاولات والدخان متصاعداً تحت الأضواء.
كده غلط

مقهى تحت غرفة نومك: الأدوار السفلية حين تتحول إلى شيشة وسهر حتى الفجر

دخان يتسلل من فتحات التهوية إلى شقق العمارة، وضجيج أصوات وقهقهات حتى مطلع الفجر، وطفل عنده امتحان في الصباح لا يعرف كيف ينام. تحويل البدرومات والأدوار السفلية للعمارات السكنية إلى مقاهي شيشة مفتوحة طوال الليل اعتداء يومي على صحة السكان وراحتهم. كده غلط، والسكن حق قبل أي نشاط تجاري.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة