تخطَّ إلى المحتوى

مقهى تحت غرفة نومك: الأدوار السفلية حين تتحول إلى شيشة وسهر حتى الفجر

دخان يتسلل من فتحات التهوية إلى شقق العمارة، وضجيج أصوات وقهقهات حتى مطلع الفجر، وطفل عنده امتحان في الصباح لا يعرف كيف ينام. تحويل البدرومات والأدوار السفلية للعمارات السكنية إلى مقاهي شيشة مفتوحة طوال الليل اعتداء يومي على صحة السكان وراحتهم. كده غلط، والسكن حق قبل أي نشاط تجاري.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
مقهى بالدور الأرضي أسفل عمارة سكنية ليلاً، تظهر فيه الشيشة على الطاولات والدخان متصاعداً تحت الأضواء.

في عمارات كثيرة بمدننا يتكرر المشهد نفسه: بدروم أو دور أرضي كان مخصصاً جراجاً أو مخزناً أو سكناً، يستأجره أحدهم ويحوله بين يوم وليلة إلى مقهى: كراسي بلاستيك تزحف على الرصيف، شاشة ضخمة للمباريات، وعشرات الشيش التي لا ينقطع جمرها من العصر حتى ما بعد الفجر. ومن فوقه مباشرة، عائلات اكتشفت فجأة أن بيتها صار يقع فوق ساهرة شعبية دائمة لم يستشرها أحد.

لنبدأ من حيث يجب أن نبدأ دائماً في هذا القسم: هذا اعتداء أخلاقي قبل أن يكون مخالفة إدارية. البيت آخر حصون الإنسان، المكان الذي يفترض أن يغلق فيه بابه على تعبه وينام. فحين يتسلل دخان الشيشة والمعسل من فتحات التهوية والمناور إلى غرف النوم، وحين تخترق الضحكات وصخب المشجعين والطاولات جدران الشقق حتى الثالثة فجراً، فإن أصحاب المقهى لا يديرون نشاطاً تجارياً، بل يصادرون نوم عمارة بأكملها.

الضرر هنا ليس شعوراً عابراً بالضيق. الدخان السلبي المتسرب إلى الشقق يؤذي الجميع، وأشد ما يؤذي الأطفال ومرضى الصدر والحساسية وكبار السن، والطب في هذا حسم أمره منذ عقود. والحرمان المزمن من النوم ليس رفاهية مفقودة، بل ضرر صحي مباشر: تلميذ يذهب إلى مدرسته مرهقاً فيتراجع تحصيله، وموظف يقود سيارته صباحاً بنصف انتباه، وأم مريضة لا تجد ساعة سكون.

ثم هناك الرصيف والشارع. المقهى الذي يبدأ ببضعة كراسي أمام بابه سرعان ما يبتلع الرصيف كله، فيضطر المشاة إلى النزول للشارع، وتتحول مداخل العمارة إلى صالة انتظار، ويجد سكانها أنفسهم يشقون طريقهم إلى بيوتهم بين الطاولات والأدخنة، وكأنهم ضيوف ثقلاء على بيوتهم.

القانون المصري لا يقف متفرجاً هنا، بل المشكلة في التطبيق. قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 وقواعد الاشتراطات تحكم استخدام الوحدات وتغيير نشاطها، وتغيير استخدام وحدة سكنية أو بدروم إلى نشاط تجاري ليس حقاً مطلقاً للمالك بل إجراء له ضوابطه وموافقاته. وقانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 يشترط الترخيص ويحدد اشتراطات المزاولة، وقانون مكافحة أضرار التدخين رقم 52 لسنة 1981 وتعديلاته يحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 يضع حدوداً للضوضاء لا يجوز تجاوزها ليلاً. الأدوات القانونية موجودة، والغائب هو استخدامها.

وسنكون منصفين: لسنا ضد المقاهي، فهي جزء أصيل من الحياة الاجتماعية المصرية، ولسنا ضد شاب فتح مشروعاً يأكل منه عيشاً. نحن ضد شيء واحد محدد: أن يقام النشاط في مكان لا يصلح له، وبطريقة تجعل راحة السكان ثمناً لأرباحه. المقهى مكانه المناطق والشوارع التجارية وبالاشتراطات المقررة، لا بطن عمارة سكنية ينام فوقها أطفال.

والمسؤولية لا تقع على المستأجر وحده. المالك الذي أجّر البدروم وهو يعلم ما سيصير إليه شريك كامل في الضرر، باع راحة جيرانه الذين عاشروه سنوات مقابل زيادة في الإيجار. وجهات الترخيص التي تمنح أو تتغاضى عن نشاط في موقع غير مؤهل شريك ثالث لا يقل مسؤولية.

المطلوب من المواطن: صاحب المقهى مطالب بأن يسأل نفسه سؤالاً واحداً — هل يقبل أن يعيش هو وأولاده فوق مقهاه؟ فإن كانت الإجابة لا، فليعلم أنه يفعل بالناس ما لا يرضاه لنفسه. والمالك مطالب بألا يؤجر وحدات سكنية وبدرومات لأنشطة تؤذي السكان مهما أغراه العائد. والسكان المتضررون مطالبون بألا يستسلموا: الشكوى الجماعية الموثقة للحي وجهات الترخيص حق، والمطالبة الهادئة المنظمة أجدى من الشجار اليومي.

والمطلوب من الدولة: أن تكون الرقابة على تغيير استخدام الوحدات السكنية والبدرومات حقيقية لا موسمية، وأن يُربط ترخيص أي محل عام بمعاينة جادة لموقعه وأثره على السكان، وأن تُفعّل حدود الضوضاء الليلية ومواعيد الغلق فعلاً لا قولاً، وأن تكون شكاوى السكان طريقاً ميسوراً له نتيجة، لا رحلة عذاب بين المكاتب تنتهي بحفظ الأوراق.

في ميزان هذا القسم، القاعدة بسيطة: حق النوم والهواء النظيف مقدم على حق السهر والربح. من أراد أن يفتح مقهى فليفتحه حيث يجب وكما يجب، أما أن تتحول العمارات السكنية إلى ملاهٍ ليلية مفروضة على ساكنيها، فكده غلط — غلط في حق الطفل الذي يمتحن غداً، وفي حق المريض الذي يحتاج هدأة، وفي حق فكرة البيت نفسها.

مواد ذات صلة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

كده غلط

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية

يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

كده غلط

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق

أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة