تخطَّ إلى المحتوى

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

هيئة التحرير·نُشر في ٣ أكتوبر ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
Clemens Vasters / Wikimedia Commons (CC BY 2.0)

في السابعة صباحاً، حين يمر أولياء الأمور بأطفالهم أمام سور المدرسة في شارع سكني هادئ، يلاحظ أحدهم قطة صغيرة ممددة بلا حراك قرب طبق بلاستيكي فيه بقايا طعام. بعد أمتار قطة ثانية، ثم ثالثة. الأطفال يتوقفون، وأحدهم يمد يده نحو الطبق قبل أن تجذبه أمه بسرعة. الجيران يتهامسون: فلان تعب من مواء القطط ليلاً، فقرر أن «يخلص» منها بطريقته. وفي الشارع الموازي، يقف رجل خلف عربة كارو محملة بأضعاف ما يحتمله حمار نحيل، ويهوي بالعصا على وجه الحيوان كلما تعثر. أحد لا يتدخل، لأن الجملة الجاهزة في أذهان الجميع واحدة: «ده مجرد حيوان».

هذه الجملة هي ما نتوقف عنده اليوم. لأن الفاعل في المشهدين ليس جهة ولا مؤسسة، بل جار بعينه وصاحب عربة بعينه، اختار كل منهما أن يعامل كائناً حياً كما لو كان حجراً في الطريق. والحقيقة التي يجهلها كثيرون أن القانون المصري لم يترك هذا الفعل بلا عقاب، بل نصّ عليه صراحة في قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، أي قبل ما يقرب من تسعين عاماً. الحماية القانونية للحيوان ليست بدعة حديثة، ولا ترفاً مستورداً، بل نصوص قائمة لها أرقام مواد واضحة.

لنبدأ بالمادة 355 من قانون العقوبات. تعاقب هذه المادة بالحبس مع الشغل كل من قتل عمداً بدون مقتضٍ حيواناً من دواب الركوب أو الجر أو الحمل، أو أي نوع من أنواع المواشي، أو أضر به ضرراً كبيراً. وتشمل المادة نفسها كل من سمّم حيواناً من هذه الحيوانات، أو سمّم أسماكاً موجودة في نهر أو ترعة أو غدير أو مستنقع أو حوض، بحسب ما تعدده المادة. وتضيف المادة أنه يجوز وضع الجاني تحت ملاحظة الشرطة مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سنتين. فالحمار الذي يُضرب على وجهه حتى يُصاب، والحصان الذي يُجرح عمداً، والبقرة التي تُسمّم نكاية في صاحبها، كلها داخلة في نطاق هذه المادة.

ثم تأتي المادة 356 لتشدد العقوبة إذا ارتُكبت الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة ليلاً، فتصبح العقوبة السجن المشدد أو السجن من ثلاث سنوات إلى سبع. والتفسير الشائع لهذا التشديد أن من يتسلل تحت جنح الظلام ليضع السم أو يقتل دابة يعمل بتدبير مسبق وبنية إخفاء الفعل، ولعل هذا ما رآه المشرّع أخطر من فعل يقع في وضح النهار.

أما المادة 357 فهي الأقرب إلى مشهد القطط أمام سور المدرسة. تعاقب هذه المادة بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة كل من قتل عمداً بدون مقتضٍ أو سمّم حيواناً من الحيوانات المستأنسة غير المذكورة في المادة 355، أو أضر به ضرراً كبيراً. والقطة والكلب من الحيوانات المستأنسة وفق ما تذهب إليه الشروح القانونية المتداولة، ومن ثم فإن وضع السم لها عمداً فعل مؤثَّم قانوناً. وننبه هنا إلى أن قيمة الغرامة الواردة في هذه المواد قديمة جداً ولم تعد تعكس زمننا، ولذلك فإن العقوبة السالبة للحرية هي الأساس الذي يجب أن يحضر في ذهن كل من تسوّل له نفسه.

ولعل القارئ يسأل: ما معنى «بدون مقتضٍ»؟ على الفهم المستقر للنص، القانون لا يجرّم ذبح المواشي للطعام، ولا يجرّم دفع خطر حقيقي، بل يجرّم القتل والإيذاء اللذين لا مبرر لهما سوى الضيق أو الانتقام أو الاستهانة. الفارق بين الجزار الذي يذبح وفق الأصول، والجار الذي يدس السم في طبق طعام، هو بالضبط الفارق بين فعل مشروع وجريمة. وعلى حد علمنا، كانت هناك مناقشات في السنوات الأخيرة حول مشروع قانون مستقل للرفق بالحيوان، لكن حتى تاريخ كتابة هذه السطور تبقى مواد قانون العقوبات هي النص النافذ في تجريم قتل الحيوان وإيذائه.

الضرر هنا لا يقف عند الحيوان. طبق السم بجوار سور مدرسة هو خطر مباشر على الأطفال الذين يلمسون كل شيء ويضعون أيديهم في أفواههم. وهو خطر على كلب أو قطة يملكها أحد الجيران وتخرج إلى الشارع لدقائق. وهو خطر على أي طائر أو كائن آخر يمر بالمكان. من وضع السم لم يقتل قططاً فحسب، بل زرع مادة قاتلة في فضاء عام يشترك فيه الجميع، وقد يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر بكثير مما تخيّل إذا أصيب طفل.

وضرب حيوان العمل ضرر من نوع آخر. الحمار الذي يُحمَّل ضعف طاقته ويُضرب على وجهه لن يعمل أفضل، بل سيعمل أسوأ وأقصر عمراً، وقد يسقط في الطريق ويعطّل المرور ويعرّض صاحبه نفسه للخسارة. الرفق هنا ليس عاطفة فحسب، بل حساب عملي: الدابة التي تُطعم وتُسقى وتُحمَّل بقدر طاقتها تعيش أطول وتنتج أكثر. وقد عرف الفلاح المصري هذه الحكمة قبل أن تُكتب في أي قانون.

وهناك ضرر ثالث أشد خفاءً: ما يتعلمه الأطفال حين يرون أن الإيذاء بلا عواقب. الطفل الذي يشاهد جاره يسمّم القطط، أو يرى صاحب العربة يضرب الحمار بلا رادع، يتعلم أن القوة تُمارَس على الأضعف، وأن الألم الذي لا يُسمَع صراخه لا يُحسَب. هذا درس لا نريده لأبنائنا، وهو ما يجعل «كده غلط» هنا ليست مجرد ملاحظة أخلاقية، بل مسألة تربية وأمان.

فما السلوك الصحيح؟ أولاً، إذا كانت قطط الشارع أو كلابه تسبب إزعاجاً حقيقياً، فالطريق هو الإبلاغ للجهات المختصة، لا أن يقتصّ المرء لنفسه ولا أن ينثر السم في الطريق. ثانياً، من يقتني حيواناً أو يعمل بحيوان جر أو حمل، عليه أن يطعمه ويسقيه ويحمّله بقدر طاقته ويعالجه إذا مرض، وأن يعرف أن الضرب المبرّح والإصابة المتعمدة فعل مؤثَّم لا مجرد قسوة. ثالثاً، المبيدات والسموم المنزلية، إذا لزمت، تُحفظ بعيداً عن متناول الأطفال والحيوانات ولا تُترك أبداً في مكان عام.

وإذا رأيت من يفعل ذلك، فلا يلزمك أن تتشاجر معه في الشارع. يمكنك أن تكلمه بهدوء، وأن تذكّره بأن هذا فعل يعاقب عليه القانون، وإذا استمر يمكنك أن تحرر محضراً في قسم الشرطة كأي واقعة أخرى. الشهود الذين رأوا الطبق يوضع، وصور الطبق أو الحيوان المصاب لا الأشخاص، كلها تساعد. والمهم أن يعرف الجميع أن الصمت ليس الخيار الوحيد.

ونحن ننشر هذا المقال عشية اليوم العالمي للحيوان الذي يحل في الرابع من أكتوبر. وهذا اليوم له قصة: بدأه الألماني هاينريش تسيمرمان في برلين عام 1925، وفي مايو 1931 اعتمد مؤتمر حماية الحيوان الدولي في فلورنسا بإيطاليا يوم الرابع من أكتوبر يوماً عالمياً للحيوان بالإجماع. أي أن العالم كان يتفق على هذه الفكرة في السنوات نفسها تقريباً التي كان المشرّع المصري يثبّت فيها هذه المواد في قانون العقوبات النافذ إلى اليوم. لسنا متأخرين عن أحد في النص؛ التأخر، إن وُجد، في التطبيق وفي الوعي.

عد الآن إلى الشارع نفسه في صباح آخر. الأطفال يمرون أمام سور المدرسة ولا يجدون طبقاً مسموماً ولا قطة ميتة، لأن الجار حين ضاق بالمواء اتصل بالجهة المختصة بدل أن يشتري السم. وصاحب العربة في الشارع الموازي أنزل نصف الحمولة وسار بجوار حماره بدل أن يضربه على وجهه. لم يتغير القانون بين الصباحين، ولم تنزل قوة خارقة على الحي. الذي تغير هو أن أحدهم عرف أن «مجرد حيوان» ليست عبارة قانونية، وأن الرفق ليس ضعفاً، وأن الشارع الذي نتقاسمه مع الكائنات الأضعف هو الشارع نفسه الذي يكبر فيه أطفالنا.

مشاركة

مواد ذات صلة

راكبان بلا خوذة على دراجة نارية يمران بطريق ريفي، وعلى جانبه أكوام قمامة مشتعلة يتصاعد منها الدخان
كده غلط

أربعة فوق موتوسيكل بلا خوذة: الرأس المكشوف أغلى ما يمكن أن تخسره الأسرة على الطريق

في الأسبوع الثاني من المدارس يتكرر المشهد نفسه: أب يقود الموتوسيكل، طفل أمامه وآخر خلفه والأم تمسك بالحقائب، ولا خوذة واحدة بينهم. تغطيات صحفية تنقل عن الجهاز المركزي للإحصاء قفزة في وفيات الدراجات النارية من 190 إلى 897 بين عامي 2020 و2024، بينما تثبت مراجعة كوكرين أن الخوذة وحدها تخفض خطر الوفاة 42%. القانون يعاقب على الرأس المكشوف منذ 1999 ورفع الغرامة عام 2008، فلماذا لا نلتزم؟

٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

شارع في إحدى المدن المصرية تصطف على جانبيه عمارات ملوّنة ومحال، وأعمدة إنارة على الرصيف تحت سماء صافية
كده غلط

«وصلة على الكابل» ليست شطارة: سرقة التيار الكهربائي جريمة يدفع ثمنها الحي كله

سلك عارٍ يتدلى من عمود الإنارة إلى شرفة، وتكييف يدور على حساب عدّاد لا يتحرك، وفيوز الكابينة يطير للمرة الثالثة فينطفئ بيت الجار الذي يدفع فاتورته. المادة 71 من قانون الكهرباء تسمّي هذا الفعل استيلاءً على التيار، وتعاقب عليه بالحبس والغرامة، وتعديل أشد ينتظر كلمة مجلس النواب. ماذا يخسر الشارع كله من وصلة واحدة؟ وما البديل الصحيح؟

١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

زحام على طريق دائري بالقاهرة تعلوه لافتات إعلانية، وسيارات ملاكي وميكروباصات تسير في المسارات
كده غلط

كاميرا فوق الجريح: تصوير ضحايا الحوادث ونشرهم ليس «توثيقاً» بل انتهاك يعاقب عليه القانون

حادث على الطريق، والحلقة الأولى حول المصاب ليست من المسعفين بل من الهواتف المرفوعة، ثم يصل الفيديو إلى مجموعات العائلة قبل أن يصل الخبر إلى أهله. «كده غلط» تسمّي السلوك باسمه، وتشرح لماذا يعطّل الإنقاذ وينزع الكرامة، وماذا يقول الدستور وقانون 175 لسنة 2018 وقانون الاتصالات وقانون الملكية الفكرية، ولماذا لا تنطبق المادة 309 مكرر على الطريق العام، وما الذي يفعله الإنسان الرشيد بدل رفع الكاميرا.

٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة