تخطَّ إلى المحتوى

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية

يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة

تعرف القصة قبل أن تكتمل: تدخل شارعاً جانبياً باحثاً عن مكان لسيارتك، فيظهر من العدم رجل يشير لك بثقة من يملك الأسفلت: «هنا يا باشا». لم تطلب خدمته، ولم يسألك إن كنت تريدها، لكنه من هذه اللحظة صار شريكاً إجبارياً في ركنتك، وعند العودة ستدفع ما يقرره هو، والويل لك إن ناقشت المبلغ أو تجاهلت اليد الممدودة.

لنفرق أولاً بوضوح، فالإنصاف عنوان هذا القسم: هناك سايس شريف يعرفه أهل كل منطقة، يشتغل بجد، يحرس السيارات فعلاً، يساعد في الركن الضيق، ويرضى بما يعطى له عن طيب خاطر، وهذا رزق حلال لا نطاوله بكلمة، وقد نظمه القانون وفتح له باب الشرعية. حديثنا عن صنف آخر تماماً: الذي وضع يده على شارع عام، وحوّل حق المرور والانتظار المكفول للجميع إلى سلعة يبيعها بالإكراه.

جوهر المسألة أخلاقي قبل أي شيء: هذا الشخص يبيعك ما لا يملك. الشارع ملكية عامة، ومكان الانتظار فيه حق مشاع أو خدمة تنظمها الدولة بمقابل معلوم، أما هو فلا يقدم في الحقيقة إلا شيئاً واحداً: رفع الأذى الذي هو نفسه مصدره. أنت لا تدفع له أجر خدمة، بل ثمن سلامة سيارتك منه هو تحديداً، وهذا هو التعريف الحرفي للإتاوة.

والاستفزاز هنا يتجاوز الجنيهات. إنه شعور المواطن بأنه مبتز في شارع بلده، أمام زوجته وأولاده، مخير بين أن يدفع صاغراً أو يدخل في مشادة لا يعرف مداها: خدش عميق بمسمار، مرآة مكسورة، إطار مفرغ من هوائه، أو في أسوأ الصور تهديد صريح بالأذى. كم من مرة رأينا سائقاً يبتلع غيظه ويدفع، لا اقتناعاً بل اتقاء شر، ثم يمضي وفي صدره غصة تتراكم فوق غصص.

الأخطر أن بعض هؤلاء ترقى من الفرد إلى الكيان: مجموعات تتقاسم الشوارع كأنها غنائم، تحجز الأماكن بالكراسي وجراكن المياه، وتؤجّر حق الوقوف بالساعة والشهر، وتطرد من الشارع من لا يدفع. عندها لم نعد أمام سلوك فردي خاطئ، بل أمام سلطة موازية صغيرة تفرض قانونها الخاص على مساحة عامة، وكل سلطة موازية تبدأ صغيرة.

والقانون المصري لم يترك هذه المساحة رمادية: القانون رقم 150 لسنة 2020 بتنظيم أعمال منظمي انتظار المركبات جعل المهنة عملاً مرخصاً بشروط وضوابط ومقابل منضبط، وجرّم مزاولتها بغير ترخيص. أي أن التمييز اليوم واضح قانوناً كما هو واضح أخلاقاً: منظم انتظار مرخص يعمل في إطار القواعد، وبين منتحل يفرض إتاوة تحت مسمى مهنة. ومن يستخدم التهديد أو يتلف سيارة معترض فقد دخل أصلاً في دائرة جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات.

ولن نغفل الجذر الاجتماعي: كثير ممن يمتهنون هذا العمل دفعهم إليه انسداد أبواب الرزق، ومنهم من يعول أسرة كاملة من هذه الجنيهات. هذا يستحق أن يعالج بجدية في سياسات التشغيل، لكنه لا يصلح مبرراً للترهيب، فالحاجة تشفع لمن يعمل بشرف، ولا تشفع لمن يبتز الناس، والقانون الذي نظم المهنة فتح باباً شرعياً لمن أراد أن يدخل منه.

المطلوب من المواطن: لا تكافئ الترهيب بالخضوع الدائم كأنه قدر. ادعم السايس الشريف المرخص وأعطه عن رضا، لكن وثّق الاعتداء إن وقع وأبلغ عنه، فكل واقعة تمر بلا إبلاغ ترسخ قناعة الجميع بأن الشارع لمن يفرض نفسه. ولا تشتر أنت الآخر «حجز الأماكن» بالتليفون من كيانات الاستيلاء، فمن يستأجر المسروق يمول السرقة.

والمطلوب من الدولة: تفعيل قانون تنظيم أعمال السايس بشقيه — تيسير الترخيص الجاد لمن يريد العمل الشريف، والحسم مع من يزاول بلا ترخيص أو يفرض الإتاوات، مع بديل منهجي يجفف المنبع: انتظار منظم بعلامات وتسعيرة معلنة ووسائل دفع واضحة في الشوارع المزدحمة، فحيث توجد قاعدة معلنة يضيق المجال أمام من يخترع قواعده.

قصة السايس البلطجي أكبر من ركنة سيارة: إنها سؤال من يحكم الشارع، القاعدة العامة أم ذراع أقوى واقف على الناصية؟ في كل مرة يدفع فيها مواطن إتاوة مبتسماً غصباً عنه، تتقدم إجابة خاطئة خطوة. كده غلط، والصح أن يركن المواطن سيارته في شارع بلده وهو مرفوع الرأس، لا يدفع إلا مقابلاً معلوماً لخدمة حقيقية اختارها بإرادته.

مواد ذات صلة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

كده غلط

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق

أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

مقهى بالدور الأرضي أسفل عمارة سكنية ليلاً، تظهر فيه الشيشة على الطاولات والدخان متصاعداً تحت الأضواء.
كده غلط

مقهى تحت غرفة نومك: الأدوار السفلية حين تتحول إلى شيشة وسهر حتى الفجر

دخان يتسلل من فتحات التهوية إلى شقق العمارة، وضجيج أصوات وقهقهات حتى مطلع الفجر، وطفل عنده امتحان في الصباح لا يعرف كيف ينام. تحويل البدرومات والأدوار السفلية للعمارات السكنية إلى مقاهي شيشة مفتوحة طوال الليل اعتداء يومي على صحة السكان وراحتهم. كده غلط، والسكن حق قبل أي نشاط تجاري.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة