«تمساح النيل»: عبد اللطيف أبو هيف الذي عبر المانش وبحيرة ميشيجان وصار سبّاح القرن
في صيف 1963 سبح رجل إسكندراني ضخم الجثة ستين ميلًا في مياه بحيرة ميشيجان الباردة على مدى قرابة خمس وثلاثين ساعة، والأمريكيون يتابعونه من القوارب. هذه سيرة عبد اللطيف أبو هيف، بطل العالم ثلاث مرات و«سبّاح الماراثون للقرن» بشهادة قاعة الشهرة الدولية، الذي يعرف كثيرون اسم شارعه ولا يعرفون قصته.

تخيّل جدًّا يقف مع حفيده على كورنيش الإسكندرية في عصرية من عصريات سبتمبر، حين يبدأ البحر يهدأ بعد صخب الصيف، عند سور الحجر يراقبان الأولاد يقفزون من الصخور. يشير الجدّ إلى الأفق ويقول إن رجلًا من هذه المدينة سبح مرة مسافة لا يقطعها ميكروباص على الطريق الزراعي في أقل من ساعتين، والحفيد يضحك ولا يصدق. الاسم يمر عليه كل يوم على لافتة شارع أو باب نادٍ من غير أن يعرف صاحبه. هذا المقال محاولة لأن نعيد إلى ذلك الاسم وجهًا وقصة، لأنه من أعظم القصص الرياضية التي أنجبتها مصر، وأقلها حظًا من الحكي لجيل اليوم.
لنبدأ من المشهد الذي جعل الأمريكيين يحبسون أنفاسهم. في صيف 1963 كانت مياه بحيرة ميشيجان عند اثنتين وخمسين درجة فهرنهايت، أي نحو إحدى عشرة درجة مئوية. نزل إلى الماء رجل إسكندراني عريض المنكبين ثقيل الجسد، وسبح ستين ميلًا، أي قرابة ستة وتسعين كيلومترًا، على مدى أربع وثلاثين ساعة وخمس وأربعين دقيقة وفق سجلات قاعة الشهرة الدولية للسباحة. أكثر من يوم ونصف يوم متصلين في ماء يقتل غيره بالبرد، والقوارب تحيط به وتضيء له الطريق، حتى خرج على الشاطئ الآخر فائزًا.
الرجل هو عبد اللطيف أبو هيف، المولود في الإسكندرية في الثلاثين من يناير 1929، والمتوفى في أبريل 2008 عن تسعة وسبعين عامًا بعد صراع طويل مع المرض. لُقّب بـ«تمساح النيل»، وهو لقب التصق به في الصحافة الرياضية العالمية حتى صار عنوانًا لصفحته في قاعة الشهرة الدولية للسباحة. لم يكن سبّاح سرعة في حوض خمسين مترًا، بل سبّاح مسافات مفتوحة، في بحار وأنهار وبحيرات، حيث الخصم ليس الساعة وحدها بل البرد والموج والتيار والملل الطويل.
سيرته الشخصية غير عادية لرياضي مصري في منتصف القرن الماضي. درس في إنجلترا، وتذكر قاعة الشهرة أنه مر بإيتون، وهي معلومة لم نجد لها تأكيدًا مستقلًا خارج القاعة ومن نقل عنها. أما الثابت في المصادر المصرية فهو أنه التحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية بعد عبوره المانش عام 1951، حين كافأه الملك فاروق على العبور بإلحاقه بها، وتخرج فيها عام 1956، ثم خدم في الجيش المصري وبلغ رتبة عقيد، وكان يتحدث ست لغات. وتصفه القاعة جسديًا بأنه كان في حدود مائة وثمانية وسبعين سنتيمترًا، ويزن ما بين تسعين ومائة وعشرة كيلوجرامات، بطبقة دهن كبيرة كانت في مياه الشمال الباردة درعًا لا عيبًا.
عبر المانش ثلاث مرات وفق سجلات عبور المانش البريطانية. أولاها في الثامن والعشرين من يوليو 1951 وهو طالب في الثانية والعشرين، في خمس عشرة ساعة وثلاث وأربعين دقيقة. والثانية في الثاني من أغسطس 1953، حين بدأ سبّاحًا أول في فريق تتابع مصري ثم واصل وأكمل العبور منفردًا في زمن لم تعتمده جمعية عبور المانش رقمًا قياسيًا لأنه بدأ ضمن تتابع. وأشهرها في الخامس عشر من أغسطس 1955، حين فاز بسباق بتلن الدولي في إحدى عشرة ساعة وأربع وأربعين دقيقة، متقدمًا على الأمريكي توم بارك بفارق ثماني عشرة دقيقة. ومياه المانش باردة على مدار العام، وتياراته تدفع السبّاح بعيدًا عن الخط المستقيم فيقطع في الحقيقة مسافة أطول مما يقاس على الخريطة. ولم يبدأ أبو هيف الحضور المصري في هذا الممر المائي، بل ورثه: فالسجلات نفسها تذكر عبور إسحق حلمي المانش في أغسطس 1928، ثم أزمنة حسن عبد الرحيم ومرعي حسن حماد في صيفي 1950 و1951، لكن أبو هيف نقل ذلك الحضور من العبور الفردي إلى مسيرة احترافية كاملة.
وفي عام 1956 سبح في النيل اثنين وأربعين ميلًا في سبع عشرة ساعة ودقيقة واحدة وفق سجل قاعة الشهرة. النيل ليس بحرًا باردًا، لكن السباحة فيه لساعات طويلة تحت شمس مصر لها قسوتها الخاصة، والمسافة تعادل نحو ثمانية وستين كيلومترًا. تروي الذاكرة الشعبية للإسكندرية أن المدينة كانت تخرج لاستقباله في الشوارع عند عودته من السباقات الكبرى، وهي رواية نوردها كما تُروى، لأن ما نملكه من مصادر موثقة يكتفي بالقول إن شوارع ومبانيَ سُمّيت باسمه، ومنها شاطئ رئيسي في المدينة يحمل اسمه، وإن قاعة الشهرة تصفه حرفيًا بأنه «البطل القومي لمصر».
ما يميز أبو هيف عن كثير من أصحاب السباحة الواحدة الشهيرة هو الاستمرار. تقول قاعة الشهرة إنه شارك في أكثر من ثمانية وستين سباقًا دوليًا تتراوح مسافاتها بين ثلاثين وثمانين كيلومترًا، وإنه في الغالب كان يفوز بها، ولم يهبط عن المركز الثالث إلا في اثني عشر سباقًا فقط. تخيّل رياضيًا في أي لعبة يعتلي منصة التتويج في أكثر من خمسين من أصل ثمانية وستين منافسة عالمية، على مدى عقدين تقريبًا من النشاط، لتعرف حجم ما نتحدث عنه.
في تلك السنوات كانت سباحة الماراثون رياضة احترافية لها اتحاد عالمي تأسس عام 1963، وجوائز مالية، وموسم سباقات يجوب كندا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا. وقد تُوّج أبو هيف بطلًا للاتحاد العالمي لسباحة الماراثون للمحترفين ثلاث مرات، أعوام 1964 و1965 و1968. وفي فبراير 1965 شارك في النسخة الأولى من ماراثون إرنانداريّاس–بارانا على نهر بارانا بالأرجنتين، خمسة وخمسين ميلًا أي نحو ثمانية وثمانين كيلومترًا، وهو السباق الذي يُعد حتى اليوم أطول سباق سباحة ماراثونية في العالم؛ وتذكر الصحافة الأرجنتينية أنه وصل كتفًا بكتف مع الأرجنتيني هوراسيو إيغليسياس فتقاسما المركز الأول بزمن واحد يقارب عشر ساعات ونصف الساعة، لأن التيار في هذا النهر يدفع السبّاحين مع مجراه.
التكريم الرسمي جاء من أعلى الهيئات في هذه الرياضة. أُدخل اسمه في قاعة الشهرة الدولية لسباحة الماراثون، ثم في قاعة الشهرة الدولية للسباحة، واختير «سبّاح الماراثون للقرن» بتصويت القاعة الأخيرة. وننبه القارئ بأمانة إلى أن المصادر تتضارب، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، في سنوات هذه الألقاب، فبعضها يذكر مطلع التسعينيات وبعضها مطلع الألفية، ولذلك نكتفي هنا بذكر الألقاب دون سنواتها. الأهم من التاريخ أن جهة دولية محايدة، بعد استعراض قرن كامل من هذه الرياضة، وضعت اسم مصري على قمته.
لماذا إذن لا يعرفه شباب اليوم كما يعرفون أبطال الإسكواش وكرة اليد؟ جزء من الجواب في طبيعة الرياضة نفسها. ظلت جولة السباقات الاحترافية قائمة حتى الثمانينيات، ثم خلفت الاتحادَ القديم هيئاتٌ أخرى قبل أن تؤول الجولة إلى الاتحاد الدولي للسباحة في التسعينيات، لكنها بقيت طوال ذلك رياضة بلا بث تلفزيوني ولا حضور جماهيري خارج مدن السباقات، ولم تدخل سباحة الماراثون إلى البرنامج الأولمبي إلا في دورة بكين عام 2008 بمسافة عشرة كيلومترات، أي بعد شهور قليلة من وفاته. أبطال زمنه لم تُبث سباقاتهم على الهواء ولم تُحفظ في مقاطع فيديو يعاد تداولها، بل في صور بالأبيض والأسود وقصاصات صحف وأرشيفات جمعها هواة ومؤرخون للرياضة.
وجزء آخر من الجواب في أن مسافات كهذه يصعب على العقل تصوّرها. حين نقول إن سبّاحًا قطع ستين ميلًا في بحيرة باردة، لا يجد السامع ما يقيس عليه، لأنه لم يسبح في حياته أكثر من مسافة الشاطئ إلى الشمندورة. ولعل أقرب تشبيه للقارئ المصري أن يتخيل السباحة من الإسكندرية حتى ما بعد رشيد بمسافة طويلة، إلى ما يقارب البرلس، دون توقف، في ماء لا تحتمل يدك أن تبقى فيه دقائق.
على أن ما نملكه من سيرته يظل ناقصًا، ونفضل الاعتراف بذلك على ملء الفراغات. لا نعرف على وجه اليقين كيف كان يتدرب في الإسكندرية، ولا من كان يرافقه في القوارب، ولا ماذا قال لنفسه في الليلة الثانية من بحيرة ميشيجان. المصادر الأجنبية أوفر من العربية في توثيق أرقامه، وهذه مفارقة تستحق التأمل، فبطل قومي بشهادة قاعة الشهرة لا يجد في لغته إلا القليل مما يستحق. ولعل هذه السطور تكون دعوة لمن يملك أرشيفًا أو ذكرى موثقة أن يخرجها إلى النور.
يبقى أن أبو هيف كان أيضًا نموذجًا لنوع من الرياضيين قلّما نراه الآن: ضابط متعلم متعدد اللغات، اختار أقسى رياضة في العالم وأقلها أضواءً، وأنفق فيها قرابة عشرين عامًا من عمره في مياه بعيدة، وظل حتى آخر عمره ابن الإسكندرية. لم تكن هناك ميدالية أولمبية تنتظره لأن رياضته لم تدخل الأولمبياد بعد، ولا شاشات تنقل سباقاته إلى بيوت المصريين؛ كان ما يحصده هو الفوز ذاته وجوائز السباقات، واسم مصر على ضفاف لا يعرف أهلها عنها إلا الأهرامات.
فإذا مررت في الإسكندرية بشارع يحمل اسمه، أو سمعت اسمه في نادٍ أو حمام سباحة، فلتقف لحظة، ولتحكِ لمن معك ما قرأته هنا. وإذا كان معك طفل يتعلم السباحة ويشكو من برودة الماء في أول الموسم، فقل له إن رجلًا من هذه المدينة سبح خمسًا وثلاثين ساعة في ماء أبرد من هذا بكثير، وإن البحر الذي أمامكما هو البحر نفسه الذي تعلم فيه. لا تحتاج البطولات المنسية إلا إلى من يحكيها مرة أخرى، وقد تكون أنت من يحكيها هذه المرة.
مواد ذات صلة

من باخرة «حلوان» إلى دور الستة عشر: تسعون عامًا من رحلة مصر مع كأس العالم
أربع مشاركات فقط في تسعة عقود: رحلة بحرية إلى نابولي عام 1934، وصيف إيطاليا 1990، وخيبة روسيا 2018، ثم صيف 2026 حين عبرت مصر دور المجموعات لأول مرة في تاريخها. قراءة هادئة لما تغيّر في كل مرة، بعيدًا عن انفعال اللحظة، ومع تصحيح نتيجة 1934 التي تخطئ فيها مصادر أجنبية حتى اليوم.
٩ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

من نصير إلى الجندي: قرن من الميداليات المصرية في الأولمبياد والبارالمبياد
من ذهبية السيد نصير عام 1928 إلى لقب أحمد الجندي القياسي في باريس، ومن فاطمة عمر إلى شريف عثمان على منصة رفع الأثقال البارالمبية: قرن كامل من الميداليات المصرية الأولمبية والبارالمبية، صُنع معظمها بالقوة الخالصة.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

فراعنة كرة اليد: كيف صعدت مصر إلى نخبة العالم
كرة اليد لعبة أوروبية بامتياز — إلا في مصر. استضافت بطولتي عالم، وتحمل رصيدًا وافرًا من الألقاب الأفريقية، وتوّج ناشئوها بلقب عالمي، وحلّ منتخبها رابعًا في أولمبياد طوكيو. هكذا بنى الفراعنة خط إنتاج يبدأ من المدرسة وينتهي في النادي ليبقيهم بين الكبار.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة