تخطَّ إلى المحتوى

أكثر من مباراة: قرن من «القمة» بين الأهلي والزمالك كما تعيشه البيوت المصرية

منذ أول لقاء عام 1917 وحتى نهائي أفريقيا 2020، لم تكن مباراة الأهلي والزمالك مجرد تسعين دقيقة، بل موعدًا يقسم الغرفة الواحدة إلى أحمر وأبيض ثم يجمعها من جديد. قراءة هادئة في نشأة الناديين وأرقامهما وطقوس يوم القمة في البيوت المصرية.

هيئة التحرير·نُشر في ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
مدرجات ملعب مكتظة بالجماهير ليلاً والمباراة جارية على الأرضية الخضراء تحت أضواء الكشافات
Crosskimo / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

في بيتٍ بحي شعبي في القاهرة، أو في شقة بالإسكندرية، أو في دار واسعة بقرية في الصعيد، يتكرر المشهد نفسه منذ عقود: تُقدَّم صينية الشاي قبل موعدها، ويُرفع صوت التلفزيون درجتين فوق المعتاد، وتنقسم الغرفة الواحدة من تلقاء نفسها إلى نصفين. الأب يجلس في الركن الأحمر، والابن الأكبر في الركن الأبيض، والأم تراقب من باب المطبخ وتضحك من المسافة الفاصلة بين الاثنين. قبل صافرة البداية بدقائق يسود صمت غريب، ثم تبدأ المباراة، فيبدأ معها جدل لا ينتهي إلا بعد الصافرة الأخيرة بأيام.

هذه ليست مجرد مباراة كرة قدم، بل واحدة من أقدم المواجهات الرياضية في القارة الأفريقية وأشهرها، ولذلك يسمّيها المصريون ببساطة «القمة»، دون حاجة إلى ذكر اسمي الفريقين. فالجميع يعرف أن القمة تعني الأهلي والزمالك، وأن يوم القمة له طقوسه الخاصة في البيوت والمقاهي وأماكن العمل، وأن نتيجتها تحدد مزاج ملايين المصريين لأسبوع كامل على الأقل.

تبدأ الحكاية قبل أكثر من قرن. ففي الرابع والعشرين من أبريل عام 1907 تأسس النادي الأهلي بفكرة طرحها عمر لطفي بك، رئيس نادي طلبة المدارس العليا آنذاك، على لجنة ضمت عددًا من الشخصيات البارزة في الدولة والمجتمع، ليكون ناديًا لطلاب المدارس العليا في زمن كانت فيه الأندية الرياضية في مصر شبه حكر على الأجانب. ومن هذا المنطلق حمل النادي اسمه «الأهلي»، أي نادي أهل البلد. وبعد نحو قرن، اختاره الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «نادي القرن» في أفريقيا، وهو يلعب اليوم مبارياته الكبرى على استاد القاهرة الدولي الذي يتسع لنحو خمسة وسبعين ألف متفرج.

وبعد أقل من أربع سنوات، في الخامس من يناير عام 1911، وُلد النادي الثاني في القصة تحت اسم «نادي قصر النيل»، ثم عُرف بـ«النادي المختلط» لأنه كان يضم المصريين والأجانب معًا، وحمل لفترة اسم الملك فاروق الأول قبل أن يستقر على اسم «الزمالك» بعد ثورة يوليو 1952، نسبةً إلى حي الزمالك على جزيرة النيل في قلب القاهرة. ومع الزمن اكتسب النادي ألقابه الشهيرة: «الفارس الأبيض» و«مدرسة الفن والهندسة»، وهي ألقاب تحكي عن أسلوب لعب اشتهر به النادي أكثر مما تحكي عن أرقام.

وفي التاسع من فبراير عام 1917، وفق أكثر الروايات تداولًا، والحرب العالمية الأولى لم تضع أوزارها بعد، التقى الفريقان للمرة الأولى، وانتهت المباراة بفوز الأهلي بهدف دون رد. لم يكن أحد في ذلك اليوم يتخيل أن هذه المباراة ستتحول إلى موعد ثابت في حياة المصريين على مدى أكثر من مائة عام، وأن المواجهات بين الفريقين ستُعدّ بالمئات، بين رسمية وودية، في مختلف البطولات على مدى قرن كامل.

ولأن التاريخ الطويل لا يخلو من المفاجآت، فإن أكبر فوز في تاريخ القمة سُجّل باسم الزمالك، الذي انتصر بستة أهداف نظيفة مرتين، في عامي 1942 و1944. وعلى الجانب الآخر، يحمل الأهلي الرقم القياسي القاري باثني عشر لقبًا في دوري أبطال أفريقيا، وبمشاركته في اثنين وعشرين نهائيًا قاريًا وفق إحصاء نشره الاتحاد الأفريقي في يناير 2025. وكان أول تلك الألقاب عام 1982 أمام أسانتي كوتوكو الغاني، حين سجّل محمود الخطيب ثلاثة من أهداف الأهلي الأربعة في النهائي.

أما الزمالك، فقد رفع كأس دوري أبطال أفريقيا خمس مرات، في أعوام 1984 و1986 و1993 و1996 و2002، وهو رصيد يجعله من أكثر أندية القارة تتويجًا بالبطولة الأهم فيها، على حد علمنا حتى تاريخ كتابة هذه السطور. ولعل هذا التنافس الطويل على الساحة الأفريقية، وليس على الساحة المحلية وحدها، هو ما جعل القمة أكثر من مباراة دوري عادية؛ فهي مواجهة بين ناديين يعتبر كل منهما نفسه سفيرًا لمصر خارج حدودها.

وبلغ هذا التنافس القاري ذروته في السابع والعشرين من نوفمبر عام 2020، حين التقى الفريقان للمرة الأولى في نهائي قاري، على استاد القاهرة الدولي، في أول نهائي لدوري أبطال أفريقيا يجمع ناديين من بلد واحد، وفي مدرجات خالية من الجمهور بسبب جائحة كورونا. تقدّم الأهلي مبكرًا، وعادل الزمالك قبل نهاية الشوط الأول، ثم حسم الأهلي المباراة بهدف في الدقائق الأخيرة لتنتهي بهدفين مقابل هدف. وأيًّا كان انتماء القارئ، فإن تلك الليلة تظل شاهدًا على أن الكرة المصرية قادرة على أن تجعل القارة كلها تتابع، من خلف الشاشات، مباراة بين فريقين من مدينة واحدة.

ولهذه المباراة خصوصية تُدرَك من التفاصيل الصغيرة. فمن المعتاد أن يُستقدم حكام أجانب لإدارتها حرصًا على الحياد وتجنبًا لأي شبهة انحياز، وهو تقليد قلّما يُطبَّق في مباراة دوري محلية في أي مكان آخر. وسجّلت إحدى مبارياتهما حضورًا يُقدَّر بنحو مائة وعشرين ألف متفرج، وهو من أعلى ما شهدته الملاعب المصرية، وفق ما تذكره المصادر المتاحة. وقد وضعتها هيئة الإذاعة البريطانية ضمن أصعب خمس مباريات دربي في العالم، وتُدرجها تقارير رياضية دولية عادةً بين أشرس المواجهات المحلية على مستوى العالم.

غير أن الأرقام وحدها لا تفسر لماذا يجلس جدٌّ في الثمانين وحفيده في العاشرة أمام الشاشة نفسها بالحماس نفسه. التفسير في الاجتماع لا في الإحصاء: القمة موروث عائلي يُنقل من جيل إلى جيل مثل اللهجة واسم العائلة. يختار الطفل فريقه غالبًا قبل أن يعرف قواعد اللعبة، لأنه ورث اللون من أبيه أو عمّه أو جاره، وربما اختار اللون الآخر عمدًا ليكون له صوت مستقل في البيت. ومن هنا تنشأ تلك الغرف المنقسمة التي لا يفرقها الخلاف بقدر ما يجمعها الموعد.

وفي يوم القمة تتغير خريطة المدينة قليلًا: تمتلئ المقاهي بمن لا يجدون في بيوتهم شاشة كبيرة بما يكفي، وتُؤجَّل الأفراح والزيارات، ويتفق زملاء العمل على هدنة مؤقتة تنتهي فور الصافرة الأولى. وفي الصباح التالي تصبح النتيجة هي التحية الأولى في المصعد وعلى باب المدرسة وفي طابور الخبز، ويتحول الفوز إلى حق مشروع في «التريقة» الودودة لمدة أسبوع، والخسارة إلى صبر جميل في انتظار الجولة القادمة.

ولأن هذا الود هو أثمن ما في القمة، فإن الحفاظ عليه مسؤولية كل مشجع. فالحماس المشروع شيء، وتحويل الخلاف حول مباراة إلى قطيعة بين أخوين أو صديقين شيء آخر تمامًا. ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الطفل الذي يشاهد أول قمة في حياته هو أن أباه المنتمي إلى اللون المختلف احتضنه بعد الهدف، وأن الخسارة لا تلغي المحبة، وأن الفريقين معًا، بتاريخهما وألقابهما، رصيد مشترك للكرة المصرية لا يملكه طرف دون الآخر.

تنتهي المباراة، ويُخفَض صوت التلفزيون إلى مستواه المعتاد، وتُجمع أكواب الشاي الفارغة، ويعود الركن الأحمر والركن الأبيض غرفة واحدة كما كانا. الابن يذهب لينام مبتسمًا أو متجهمًا، والأب يطفئ النور وهو يفكر في المباراة التي ستأتي بعد شهور. وفي مكان ما بين الفوز والخسارة، تظل الحقيقة الأبقى: أن الذي جمعهما أمام الشاشة الليلة هو نفسه الذي سيجمعهما على مائدة الإفطار في الصباح، وأن القمة، مهما اشتدت، تبقى في النهاية حكاية بيت مصري واحد.

مشاركة

مواد ذات صلة

سبّاحان على حاجز أمواج حجري أمام بحر متموج، أحدهما يمد ذراعيه فوق رأسه استعداداً للنزول
صوت الجماهير

«تمساح النيل»: عبد اللطيف أبو هيف الذي عبر المانش وبحيرة ميشيجان وصار سبّاح القرن

في صيف 1963 سبح رجل إسكندراني ضخم الجثة ستين ميلًا في مياه بحيرة ميشيجان الباردة على مدى قرابة خمس وثلاثين ساعة، والأمريكيون يتابعونه من القوارب. هذه سيرة عبد اللطيف أبو هيف، بطل العالم ثلاث مرات و«سبّاح الماراثون للقرن» بشهادة قاعة الشهرة الدولية، الذي يعرف كثيرون اسم شارعه ولا يعرفون قصته.

١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

لاعبو منتخب مصر يصطفون بأطقمهم الحمراء قبل مباراة في كأس العالم 2018، وأمامهم أطفال مرافقون
صوت الجماهير

من باخرة «حلوان» إلى دور الستة عشر: تسعون عامًا من رحلة مصر مع كأس العالم

أربع مشاركات فقط في تسعة عقود: رحلة بحرية إلى نابولي عام 1934، وصيف إيطاليا 1990، وخيبة روسيا 2018، ثم صيف 2026 حين عبرت مصر دور المجموعات لأول مرة في تاريخها. قراءة هادئة لما تغيّر في كل مرة، بعيدًا عن انفعال اللحظة، ومع تصحيح نتيجة 1934 التي تخطئ فيها مصادر أجنبية حتى اليوم.

٩ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

الرباعة المصرية عبير عبد الرحمن ترفع الثقل في أولمبياد لندن 2012
صوت الجماهير

من نصير إلى الجندي: قرن من الميداليات المصرية في الأولمبياد والبارالمبياد

من ذهبية السيد نصير عام 1928 إلى لقب أحمد الجندي القياسي في باريس، ومن فاطمة عمر إلى شريف عثمان على منصة رفع الأثقال البارالمبية: قرن كامل من الميداليات المصرية الأولمبية والبارالمبية، صُنع معظمها بالقوة الخالصة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة