كل قطرة تُحصى: لماذا أصبح ترشيد المياه قضية وجود لمصر؟
دولة صحراوية تعيش على نهر واحد، ونصيب الفرد فيها من المياه دون خط الفقر المائي العالمي: هذه ليست لغة تقارير بعيدة بل واقع مصر اليومي. لماذا صار ترشيد المياه قضية كل بيت ومزرعة ومصنع، وما الذي يمكن لكل منا أن يفعله؟

مصر في جوهرها الجغرافي صحراء يخترقها نهر. أكثر من خمسة وتسعين في المائة من مساحتها أرض قاحلة، ونحو سبعة وتسعين في المائة من مواردها المائية المتجددة تأتي من مصدر واحد هو نهر النيل، الذي ينبع معظم مائه من خارج الحدود ويقطع آلاف الكيلومترات قبل أن يصل. هذه الحقيقة البسيطة هي مفتاح فهم لماذا لم يعد الحديث عن ترشيد المياه في مصر ترفًا بيئيًا، بل قضية أمن قومي ووجود.
الأرقام الكبرى مستقرة وموثقة: حصة مصر من مياه النيل محددة منذ اتفاقية عام 1959 بخمسة وخمسين مليار متر مكعب ونصف المليار سنويًا، وهي الحصة ذاتها تقريبًا منذ أكثر من ستين عامًا، بينما تضاعف عدد السكان مرات حتى تجاوز مائة مليون نسمة. النتيجة الحسابية لا مهرب منها: تراجع نصيب الفرد من المياه إلى ما يقارب نصف خط الفقر المائي العالمي المحدد بألف متر مكعب سنويًا، وهو ما يضع مصر رسميًا في نطاق الندرة المائية.
وتزيد الضغوط تراكمًا عامًا بعد عام: نمو سكاني يضيف ملايين الأفواه كل بضع سنوات، وتغير مناخي يهدد برفع درجات الحرارة وزيادة البخر واضطراب الأمطار في منابع النيل، ومشروعات سدود عند دول المنابع زادت من إلحاح السؤال المائي في الوعي المصري العام. وكلها عوامل تجعل الفجوة بين الموارد الثابتة والاحتياجات المتصاعدة أعمق مع الوقت ما لم تُدر كل قطرة بحكمة.
ولفهم أين تذهب المياه، يكفي رقم واحد: الزراعة تستهلك النصيب الأكبر من موارد مصر المائية بما يقدر بنحو ثلاثة أرباعها أو يزيد. ولهذا فإن أي حديث جاد عن الترشيد يبدأ من الحقل لا من الحنفية؛ فأساليب الري بالغمر الموروثة منذ آلاف السنين تهدر كميات ضخمة بالبخر والتسرب، وتحويل جزء من هذا الهدر إلى وفر يعادل بناء موارد مائية جديدة كاملة.
وقد تحركت الدولة في هذا الاتجاه بمشروعات كبرى موثقة: برنامج قومي لتأهيل وتبطين الترع امتد لآلاف الكيلومترات للحد من فواقد التسرب وتحسين وصول المياه إلى نهايات الترع، وبرامج للتحول من الري بالغمر إلى الري الحديث بالتنقيط والرش في مساحات واسعة، وسياسات زراعية تقيد المساحات المنزرعة بالمحاصيل الشرهة للمياه وعلى رأسها الأرز، وتشجع أصنافًا وسلالات أقل استهلاكًا وأسرع نضجًا.
وإلى جانب الترشيد، اتجهت مصر بقوة إلى إعادة استخدام المياه؛ فأقامت محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي وإعادتها إلى دورة الإنتاج، من أبرزها محطة بحر البقر التي تُعد من أكبر محطات المعالجة في العالم وتخدم مشروعات استصلاح واسعة في سيناء، إلى جانب محطات كبرى أخرى تخدم مشروعات الدلتا الجديدة. فالقطرة التي كانت تُهدر في المصارف صارت تُعالج وتُستزرع بها الأرض مرة ثانية.
أما على السواحل، فتتوسع البلاد في تحلية مياه البحر لتزويد المدن الساحلية والمنتجعات باحتياجاتها من مياه الشرب، بما يحرر كميات من مياه النيل كانت تُنقل إلى هذه المناطق عبر مسافات طويلة. والتحلية مكلفة في طاقتها، لكنها في الحساب الاستراتيجي تحرير للنهر من أعباء يمكن لغيره حملها، واستثمار تتراجع كلفته عالميًا مع تقدم التقنيات.
فأين يقف المواطن من كل هذا؟ قد يبدو استهلاك البيوت صغيرًا أمام استهلاك الحقول، لكنه بمقياس ملايين الأسر نهر كامل. الحنفية المسربة نقطة فنقطة تهدر وحدها آلاف اللترات في العام، وخزان الطرد التالف مثلها، والاستحمام المفتوح بلا حساب وغسل السيارات بالخرطوم والأرصفة بالمياه العذبة عادات تستنزف ما لا نملك ترف إهداره. إصلاح التسريبات، وتركيب قطع موفرة على الصنابير، وإغلاق الحنفية أثناء الوضوء وغسل الأسنان: صغائر تصنع بمجموعها كبيرة.
وهناك وجه أعمق للترشيد قلما ننتبه إليه: المياه الخفية في طعامنا. فكل رغيف وكل طبق استهلك في إنتاجه مياهً حقيقية، وإهدار الطعام إهدار مضاعف للمياه التي أنتجته. تقليل ما يُلقى من الموائد إلى القمامة، وشراء ما نحتاج بقدره، سلوك مائي رشيد بقدر ما هو سلوك اقتصادي رشيد.
ويبقى الوعي هو الجسر بين السياسات والسلوك. فالمدرسة التي تعلم أطفالها أن القطرة ثروة، والمسجد والكنيسة اللذان يذكران بأن في التراث الديني نهيًا صريحًا عن الإسراف في الماء ولو من نهر جارٍ، والإعلام الذي يجعل من الترشيد ثقافة لا حملة موسمية: كل أولئك شركاء في معركة لا يكسبها قانون وحده ولا مشروع وحده.
قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت قبل خمسة وعشرين قرنًا إن مصر هبة النيل، وصدق. لكن هبة النهر لم تعد تُعطى بلا حساب؛ فالنهر الذي أنشأ الحضارة يطلب اليوم من أبنائها أن يديروه بعقل من أدركوا أن كل قطرة تُحصى. والترشيد في نهاية المطاف ليس حرمانًا من الماء، بل هو الضمانة الوحيدة لبقائه: لنا، ولأولادنا، ولمن سيقفون على هذه الضفاف بعد مائة عام.
مواد ذات صلة

هواء القاهرة قضية وطن: من «السحابة السوداء» إلى الأتوبيس الكهربائي.. معركة كل نفَس
كل خريف تعود «السحابة السوداء» لتخنق القاهرة الكبرى، لكن ما يقتل فعلاً هو ما لا نراه: جسيمات أدق من شعرة تتسلل إلى الرئة والدم. عشية اليوم العالمي بلا سيارات، نفتح ملف واحدة من أخطر المشكلات البيئية الصحية في القاهرة الكبرى: ما هي الأرقام، ما الذي يُفعل، وماذا يمكن أن تفعل أنت في يومك.
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

البحر يزحف على الدلتا: كيف تدافع مصر عن أخصب أرضها بحواجز من رمل وقصب؟
على الطريق الساحلي في البرلس تقف كثبان رملية مثبتة بأسوار من القصب، وخلفها فلاح يتذوق ماء بئره ويجده مالحاً. قضية صامتة تهدد ربع سكان مصر: بحر يرتفع وأرض تهبط. هذا المقال يشرح الخطر بأرقامه الموثقة، ويعرض مشروعاً بقيمة 105 ملايين دولار أقام 69 كيلومتراً من الحواجز اللينة، ويسأل: ما دور المواطن نفسه في حماية الشاطئ؟
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937
جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.
٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة