تخطَّ إلى المحتوى

وادي الحيتان.. حين كان الفيوم بحرًا: رحلة يوم واحد من القاهرة إلى قاع بحر عمره أربعون مليون سنة

على بعد نحو ثلاث ساعات من زحام القاهرة، تقف أسرة مصرية أمام هيكل حوت له أرجل خلفية، عمره أربعون مليون سنة، في صحراء كانت قاع بحر. لماذا اختارت اليونسكو وادي الحيتان أول موقع طبيعي مصري على قائمة التراث العالمي؟ وكيف تجمع في يوم واحد بين الحفريات وشلالات وادي الريان وفخار قرية تونس؟ دليل عملي لرحلة لا تحتاج إلى تأشيرة.

هيئة التحرير·نُشر في ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
وادي الحيتان.. حين كان الفيوم بحرًا: رحلة يوم واحد من القاهرة إلى أقدم شاطئ في العالم
Khaled Mokhtar / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

في الخامسة فجرًا، تنطلق سيارة عائلية من الطريق الدائري، وفي المقعد الخلفي طفلان يحملان زجاجات مياه وشطائر ملفوفة في رقائق الألومنيوم، وسؤالًا واحدًا يتكرر منذ ليلة أمس: «هو فعلًا كان فيه حيتان في الصحرا؟». الأب يبتسم ولا يجيب، لأنه هو نفسه لم يصدق حين قرأ العبارة أول مرة. بعد نحو ثلاث ساعات، حين يتحول الأسفلت إلى طريق رملي ثم إلى صمت واسع، ستقف الأسرة كلها أمام هيكل عظمي يقارب طول حافلة، وفي مؤخرته شيء لا تراه في أي حوت تعرفه: رِجلان خلفيتان صغيرتان. عندها فقط سيجد الأب الإجابة: نعم، كان هنا بحر.

هذا المكان اسمه وادي الحيتان، ويقع في الطرف الشمالي الغربي من محمية وادي الريان بمحافظة الفيوم، على بعد نحو مئة وخمسين كيلومترًا جنوب غرب القاهرة. قبل نحو أربعين مليون سنة لم تكن هذه الرمال رمالًا، بل قاع بحر قديم يسميه الجيولوجيون بحر «تيثس»، البحر الشاسع الذي غطى شمال مصر قبل أن ينحسر ويترك خلفه المتوسط الذي نعرفه اليوم. الحيتان التي ماتت فيه غطتها الرواسب طبقة فوق طبقة، ثم رفعت حركة الأرض القاع ونحتته الرياح ملايين السنين، حتى صارت العظام تخرج من الصخور كأن أحدًا وضعها هناك بالأمس.

الحكاية العلمية التي تجعل هذا الوادي فريدًا تبدأ من سؤال يبدو ساذجًا: من أين جاءت الحيتان؟ العلم مستقر على أن الحيتان ثدييات ترضع صغارها وتتنفس الهواء مثلنا، وأن أسلافها كانت حيوانات برية بأربع أرجل عاشت على شواطئ المياه، ثم أخذت على مدى ملايين السنين تقضي وقتًا أطول في الماء، فاستطالت أجسامها، وتحولت أرجلها الأمامية إلى زعانف، وانكمشت الخلفية حتى تلاشت. وادي الحيتان يحفظ آخر فصول هذه الرحلة بالذات، لأن حفرياته تنتمي إلى «الحيتان القديمة» في مرحلتها الأخيرة، حين كانت لا تزال تحمل أرجلًا خلفية ضامرة لا تصلح للمشي، لكنها شاهد على أصل بري لم يُمحَ بعد.

أشهر ساكني الوادي نوعان: البازيلوصور، حوت طويل نحيل يشبه ثعبانًا ضخمًا، والدورودون، الأصغر بكثير بطول يتراوح بين ثلاثة وخمسة أمتار، وقد عُثر على هياكل صغاره هنا أيضًا، ما يرجح أن المنطقة كانت مكانًا محميًا تلد فيه الحيتان. تُقدَّر أعمار الحفريات بين تسعة وثلاثين وواحد وأربعين مليون سنة، واكتُشفت أولى الهياكل في شتاء 1902 إلى 1903، أي قبل أكثر من قرن، لكن المكان ظل شبه مجهول للعامة عقودًا لبعده ووعورة طريقه. وهي حكاية غير حكاية الديناصور المصري «منصوراصورس» الذي كتبنا عنه من قبل، فذاك انقرض قبل أن تسبح حيتان الفيوم في بحرها بأكثر من ثلاثين مليون سنة.

في يوليو 2005 أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو وادي الحيتان على قائمة التراث العالمي، ليصبح أول موقع طبيعي مصري على القائمة، بعد أن كانت المواقع المصرية المسجلة كلها من صنع الإنسان. وقد سُجل تحت المعيار الثامن من معايير اليونسكو، المخصص للأماكن التي تمثل مراحل كبرى في تاريخ الأرض وسجل الحياة عليها. بعبارة أبسط: هذا الوادي هو أوضح صفحة مفتوحة في العالم عن لحظة انتقال الحيتان من البر إلى البحر.

وحالة الوادي اليوم مطمئنة. فآخر تقييم للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، الجهة الاستشارية لليونسكو في المواقع الطبيعية، صدر عام 2025 ووصف حالة صون الموقع بأنها «جيدة»، ولاحظ أن الضرر الناتج عن الزوار ضئيل ومُدار بفاعلية، وإن رُصدت حالات لنقش أسماء على الصخور، وأن ما يستدعي الانتباه هو التآكل الطبيعي وتأثيرات تغير المناخ على المدى البعيد. وبحسب التقييم نفسه، ارتفع عدد الزوار من نحو اثني عشر ألفًا عام 2008 إلى نحو ثلاثة وخمسين ألفًا عام 2023، أي أن الزوار، وبينهم مصريون كثر، بدأوا يكتشفون كنزًا كان طوال عمره تحت أقدامهم.

الزيارة مسار مشي في الهواء الطلق بين الكثبان والصخور المنحوتة بالرياح، والهياكل مكشوفة في أماكنها الأصلية داخل حواجز بسيطة ولوحات شرح. لهذا فإن أفضل وقت للذهاب هو الخريف والشتاء وأوائل الربيع، حين تنكسر حدة الشمس ويصبح المشي لساعة أو ساعتين ممكنًا. وعند مدخل الموقع يقف متحف الحفريات وتغير المناخ، الذي افتُتح في الرابع عشر من يناير 2016 بالتعاون بين وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة الإيطالية، ويضم هيكلًا كاملًا لحوت البازيلوصور إيزيس يُعدّ، على حد علمنا، أكبر هيكل سليم لهذا النوع في العالم.

لكن الفيوم لا تنتهي عند الحيتان. فالوادي جزء من محمية وادي الريان، التي أُعلنت عام 1989 على مساحة نحو ألف وسبعمئة وتسعة وخمسين كيلومترًا مربعًا، وتبعد نحو خمسة وسبعين كيلومترًا عن مدينة الفيوم، وأقل من ساعتين عن القاهرة. في قلبها بحيرتان، عليا وسفلى، تربطهما شلالات وادي الريان التي تعرفها أغلب الأسر المصرية من صور الرحلات المدرسية. وما لا يعرفه كثيرون أن البحيرتين ليستا طبيعيتين، بل تكوّنتا من مياه الصرف الزراعي لأراضي الفيوم التي وُجهت إلى هذا المنخفض الصحراوي، فصنع الإنسان مسطحًا مائيًا يقارب مئة وثلاثة عشر كيلومترًا مربعًا، صارت ضفافه أرضًا رطبة مسجلة على قائمة اتفاقية رامسار الدولية منذ الرابع من يونيو 2012.

وبين رمال المحمية تعيش إحدى آخر مجموعات غزال الريم في العالم، وهو نوع مهدد بالانقراض، إلى جانب أعداد قليلة من غزال الدوركاس وثعالب الفنك وطيور مهاجرة تحط على البحيرات في مواسم عبورها. ولهذا فإن قواعد الزيارة هنا ليست تعقيدًا بيروقراطيًا: لا تخرج عن المسارات المحددة، ولا تترك خلفك كيسًا بلاستيكيًا واحدًا، ولا تنقش اسمك على صخرة، ولا تلمس الحفريات أو تأخذ «تذكارًا» من الحجارة، فكل قطعة صخر في هذا الوادي قد تكون جزءًا من سجل عمره أربعون مليون سنة.

وفي طريق العودة، وقد امتلأت الأحذية بالرمل والرؤوس بالأسئلة، يمكن للأسرة أن تنعطف نحو قرية تونس على الحافة الجنوبية الغربية لبحيرة قارون. القرية هادئة، وفي كل زقاق تقريبًا ورشة فخار. حكاية المكان بدأت عام 1984 حين انتقلت إليه الخزّافة السويسرية إيفلين بوريه، المولودة عام 1939 والراحلة عام 2021، وأسست مدرسة لتعليم الأطفال صناعة الفخار ما زالت، على حد علمنا، أكبر مدرسة فخار في الفيوم. تعلم أبناء القرية الحرفة ثم علموها لأبنائهم، وصارت تونس مقصدًا للفنانين والزائرين، لها مهرجان سنوي للفخار. وأجمل ما في الأمر أن طفلًا يمكنه هنا أن يجلس أمام عجلة الخزاف ويصنع بيديه طبقًا صغيرًا يحمله إلى البيت.

عمليًا، الرحلة كلها تُنجز في يوم واحد بسيارة خاصة أو عبر برامج الرحلات المنظمة، على أن تحسب نحو ثلاث ساعات للطريق من القاهرة إلى وادي الحيتان في كل اتجاه. الطريق معبّد في أغلبه، ويتبقى جزء رملي في نهايته يفضّل فيه من لا يملك سيارة دفع رباعي أن ينسق مع أهل المنطقة. أما رسوم الدخول ومواعيد الفتح فتتغير من حين إلى آخر، ولذلك لا نذكر أرقامًا بعينها، وننصح بمراجعة الجهات الرسمية قبل التحرك. والقاعدة الذهبية: اخرج مبكرًا جدًا، واحمل ماءً أكثر مما تظن، وقبعة، وحذاءً مريحًا، ولا تعتمد على شبكة الهاتف في الصحراء.

وما يستحق التوقف عنده، بعيدًا عن التعليمات، هو المعنى. فنحن نعيش في بلد تعوّد أن يقيس عظمته بما بناه الإنسان: الأهرام والمعابد والقلاع. ووادي الحيتان يقول شيئًا آخر: إن هذه الأرض كانت عظيمة قبل أن يطأها إنسان بملايين السنين، وإن تحت رمال الصحراء الغربية سجلًا للحياة لا تملكه دول كثيرة، وإن حمايته ليست ترفًا بيئيًا بل واجب تجاه ذاكرة الكوكب. وحين تختار اليونسكو هذا المكان، فهي لا تكرّم صخورًا، بل لحظة في تاريخ الحياة حدث أن مصر هي من احتفظت بها.

في الطريق إلى القاهرة ينام الطفلان في المقعد الخلفي، وفي حضن أحدهما طبق فخار صغير لم يجف بعد. وعند أول إشارة مزدحمة على الدائري يعود الزحام كما كان، لكن شيئًا ما تغير: الأب الذي لم يصدق العبارة بالأمس يمر الآن بجانب لافتة إعلانية ضخمة ويفكر أن كل هذا الأسفلت والخرسانة كان يومًا قاع بحر. ربما يسأله ابنه غدًا: «طب هنرجع تاني؟»، وربما يسألك ابنك أنت السؤال نفسه. والإجابة، هذه المرة، جاهزة.

مشاركة

مواد ذات صلة

واجهة معبد أبو سمبل الكبير المنحوتة في الجبل وتماثيل رمسيس الأربعة الجالسة تحت سماء زرقاء
مصر الجميلة

أبو سمبل.. المعبد الذي رفعته البشرية نحو 65 مترًا كي لا يغرق، والشمس تعود إليه في 22 أكتوبر

قبل شروق شمس 22 أكتوبر بقليل، يقف الناس في ظلمة القاعة الكبرى ينتظرون خيطًا من نور يقطع نحو ستين مترًا من الصخر ليضيء وجه رمسيس. خلف هذه اللحظة قصة حملة دولية استمرت عشرين عامًا، رفعت المعبد كتلةً كتلة فوق مياه بحيرة ناصر. هذا دليلك لفهم المشهد والتخطيط لرحلة أسوان قبل الموعد بشهر.

٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

دير سانت كاترين بأسواره الحجرية المحصّنة عند سفح جبال جنوب سيناء، وزوار يسيرون أمامه
مصر الجميلة

جبال سيناء العالية: سانت كاترين ودير عريق ودروب يقودها البدو

فوق منتجعات سيناء الساحلية ترتفع أعلى أرض في مصر: جبل موسى وجبل كاترين، ودير من القرن السادس لم يُغلق أبوابه قط، وبساتين بدوية في الوديان العالية، و«درب سيناء» — مسار مشي طويل أنشأته القبائل البدوية وتقوده بنفسها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

شعاب مرجانية تحت سطح البحر في محمية رأس محمد، وأسماك ملوّنة تسبح بينها
مصر الجميلة

البحر الأحمر بعيدًا عن الشاطئ: شعاب وقواعد غوص وأطوم وبيوت للدلافين

ساحل البحر الأحمر المصري أكثر بكثير من منتجعات: مرجان مقاوم للحرارة يدرسه علماء العالم، وقواعد غوص صارمة، وخلجان حشائش بحرية يرعى فيها الأطوم، وبحيرات شعابية تستريح فيها الدلافين الدوّارة. دليل إلى البحر الذي وراء الرمال، وكيف تزوره من دون أن تؤذيه.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة