عين مصر على السماء: مرصد القطامية.. مرآة الـ74 بوصة التي ترصد الكون من الصحراء الشرقية منذ 1964
على هضبة صحراوية شرق القاهرة قبة تُفتح عند الغروب منذ أكثر من ستين عاماً. في أسبوع الفضاء العالمي نحكي قصة تبدأ من مرصد العباسية والخديوي في حلوان ومذنب هالي، وتصل إلى مرآة عملاقة تعاقدت عليها مصر عام 1948 وحدّثتها بأجهزة يابانية.. وتذكّر كل طالب بأن الفلك في مصر مهنة لا تراث فقط.

الشمس تميل نحو الغروب فوق الصحراء الشرقية، والهواء يبرد فجأة كما يحدث في الصحراء دائماً. على هضبة مرتفعة شرق القاهرة، تبدأ قبة بيضاء ضخمة في الدوران ببطء، ثم تنفرج فتحتها الطولية شيئاً فشيئاً كأنها عين تفتح جفنها بعد نهار طويل. في الداخل، فلكي مصري يراجع شاشة الحاسوب، ويكتب إحداثيات نجم بعيد، فيتحرك التلسكوب العملاق بهدوء نحو نقطة في السماء لا يراها أحد بالعين المجردة. الليلة خالية من الغبار، والسماء صافية، وهذه الليالي هي ما ينتظره أهل هذا المكان طوال العام.
هذا المكان هو مرصد القطامية الفلكي، على بعد نحو ستين كيلومتراً شرق القاهرة، وفيه مرآة قطرها 74 بوصة، أي ما يقارب مترا وثمانية وثمانين سنتيمتراً، تعمل منذ عام 1964. ونحن ننشر هذه السطور في أسبوع الفضاء العالمي، الذي يُحتفل به من الرابع إلى العاشر من أكتوبر كل عام. تحدثنا من قبل عن الأقمار الصناعية وما يدور فوق رؤوسنا، أما اليوم فننزل إلى الأرض، إلى قبة صامتة على حافة الصحراء تحرس عين مصر على السماء منذ ستة عقود.
أسبوع الفضاء العالمي ليس مناسبة عابرة اخترعتها شركة أو مجلة، بل أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 54/68 في السادس من ديسمبر عام 1999. واختير هذا التوقيت لأن الرابع من أكتوبر هو ذكرى إطلاق أول قمر صناعي في التاريخ، سبوتنيك 1، عام 1957، والعاشر من أكتوبر هو ذكرى دخول معاهدة الفضاء الخارجي حيز النفاذ عام 1967. غير أن رحلة الإنسان إلى الفضاء بدأت قبل ذلك بقرون من فوق الأرض، من مراصد تنظر إلى الأعلى، ومصر كانت من أوائل من نظر.
تبدأ الحكاية قبل القطامية بكثير. وفق سجل التراث الفلكي الذي يشرف عليه الاتحاد الفلكي الدولي بالتعاون مع اليونسكو، أُنشئ المرصد الخديوي الأول في العباسية شمال شرق القاهرة عام 1865 على يد محمود أحمد حمدي الفلكي، العالم المصري الذي يحمل اسمه شارع شهير في وسط البلد. ثم مع تمدد العمران والأضواء، انتقل المرصد إلى حلوان بين عامي 1903 و1904، على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً جنوب القاهرة، وعلى ارتفاع 116 متراً فوق سطح البحر.
في حلوان، حدث ما يستحق أن يُروى للأطفال في المدارس. أهدى الفلكي والصناعي البريطاني جون هنري رينولدز مرصدَ حلوان تلسكوباً عاكساً قطر مرآته ثلاثون بوصة، ويصفه السجل نفسه بأنه كان أول تلسكوب كبير في القارة الأفريقية كلها. وقد اختار رينولدز مصر تحديداً، على حد ما ينقله السجل، لأن مناخها صالح للتصوير الفلكي في معظم أشهر العام. أي أن الشمس التي نشكو منها صيفاً كانت في نظر علماء أوروبا كنزاً، لأن معناها سماء صافية بلا غيوم.
وبهذا التلسكوب تحديداً، رصد الفلكي هارولد نوكس-شو، الذي عمل في حلوان بين عامي 1907 و1924، مذنب هالي في زيارته الشهيرة عام 1910، وصوّره وهو يعبر سماء مصر، قبل أن يواصل دراسته لبنية السدم البعيدة. هكذا صار مرصد على أطراف حلوان جزءاً من الذاكرة العلمية للعالم، والمذنب الذي أفزع كثيرين حول العالم وقتها كان يُدرس بهدوء من فوق هضبة قريبة.
لكن القاهرة لا تكف عن النمو، والأضواء لا تكف عن الانتشار، والغبار والدخان أعداء الفلكي الأولون. فاحتاج العلماء إلى مكان أبعد وأعلى وأكثر ظلاماً. وفي عام 1948، وفق السجل ذاته، تعاقدت مصر على شراء تلسكوب عاكس عملاق قطر مرآته 74 بوصة، ليُنصب في القطامية. ولم يدخل الجهاز الخدمة إلا عام 1964، أي بعد ستة عشر عاماً كاملة من التعاقد، عبرت فيها البلاد ثورة وتغييراً جذرياً في كل شيء. ولا نعرف على وجه اليقين تفاصيل أسباب هذا التأخر الطويل، لكن المهم أن القبة فُتحت في النهاية، وما زالت تُفتح.
وقد يسأل القارئ: وما معنى أن قطر المرآة 74 بوصة؟ الجواب أن التلسكوب في جوهره دلو يجمع الضوء، وكلما اتسع فمه جمع ضوءاً أكثر من الأجرام الخافتة البعيدة. مرآة بهذا القطر تجمع من الضوء أضعاف ما تجمعه عين الإنسان بمراحل، فترى نجوماً ومجرات لا تراها العين ولا المناظير الصغيرة. وقد وُصف هذا التلسكوب لعقود، في أوراق الاتحاد الفلكي الدولي، بأنه الأكبر في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. واليوم تجاوزته تلسكوبات أحدث في إيران، حيث التقط تلسكوب قطر مرآته 3.4 متر ضوءه الأول في أكتوبر 2022، وفي تركيا حيث تلسكوب قطره أربعة أمتار، لكنه يظل، على حد علمنا، الأكبر في العالم العربي حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
أما المؤسسة التي تحتضن هذا كله، فقد تحولت عبر العقود من مرصد حلوان الخديوي إلى معهد حلوان للفلك والجيوفيزيقا عام 1960، ثم إلى المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية عام 1986، وهو الاسم الذي نعرفه اليوم. وتحت مظلته لا يُرصد الكون فقط، بل تُرصد الزلازل أيضاً، فالمعهد نفسه هو الجهة التي نسمع اسمها كلما اهتزت الأرض تحت أقدامنا. أي أن عين مصر التي تنظر إلى الأعلى هي نفسها الأذن التي تنصت إلى باطن الأرض.
والأهم من كل ذلك أن الجهاز الذي تعاقدت عليه مصر عام 1948 لم يُترك ليشيخ. يذكر السجل أن مصر تعاقدت عام 1995 مع شركة زايس الألمانية على تجديد التلسكوب، وشمل ذلك تزويده بمرآتين جديدتين، رئيسية وثانوية، من زجاج زيرودور الخزفي، بعد أن تلفت المرآة الأصلية بفعل التنظيف الحمضي المتكرر قبل إعادة طلائها؛ ودخل النظام البصري الجديد الخدمة عام 2003 بعد تأخر سببه مشكلات في تصميم نظام حمل المرآة. وتصف ورقة علمية لباحثين من المرصد، نُشرت عام 2008 وأُتيحت على منصة أرشيف الأوراق العلمية أركايف عام 2014، هذا التحديث: نظام بصري جديد، وتحكم حاسوبي في التلسكوب والقبة معاً، وكاميرات رقمية من نوع سي سي دي للتصوير المباشر والتحليل الطيفي. وفوق هذا، أهدى مرصد أوكاياما الفلكي في اليابان مرصدَ القطامية مطيافاً شبكياً جرى اختباره وتركيبه بنجاح على بؤرة كاسيجرين ذات النسبة البؤرية f/18.
كلمة مطياف قد تبدو ثقيلة، لكن معناها بسيط وساحر. حين يمر ضوء النجم عبر شبكة دقيقة، ينفرد إلى ألوانه كقوس قزح، وتظهر فيه خطوط داكنة رفيعة هي بصمة العناصر الكيميائية في ذلك النجم. من هذه الخطوط يعرف الفلكي مم يتكون النجم، وكم تبلغ حرارته، وهل يقترب منا أم يبتعد. أي أن فلكياً يجلس في الصحراء الشرقية يستطيع أن يقرأ التركيب الكيميائي لنجم يبعد عنا مئات السنين الضوئية، دون أن يغادر كرسيه، بجهاز صنعه اليابانيون وركّبه المصريون.
وليست الحياة في القطامية بلا متاعب. الغبار الذي يزحف من الصحراء، والرطوبة أحياناً، وأضواء المدن الجديدة التي تقترب عاماً بعد عام من الهضبة، كلها تنافس النجوم على تلك السماء. ويذكر المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية على موقعه أن الموقع يتمتع بأكثر من 220 ليلة صافية في العام منذ 1964، وهو رقم يذكره المعهد ولم نتمكن من التحقق منه بقياس مستقل، لكنه يوضح أن الليالي الصافية هي رأس مال المرصد الحقيقي، وأن كل ليلة يُغلق فيها الغبار القبة هي ليلة ضائعة من عمر البحث.
الرسالة التي نريد أن تصل هي أن علم الفلك في مصر ليس صفحة في كتاب التاريخ عن الأهرامات ومحاذاتها للنجوم، ولا مجرد قصة جميلة عن مذنب هالي فوق حلوان. هو منشأة عاملة، فيها قبة تدور ومرآة تلتقط الضوء وحاسوب يوجّه وكاميرا تسجل، وفيها باحثون مصريون ينشرون أوراقهم في المجلات العالمية. والطالب الذي يقف اليوم في طابور المدرسة أو محاضرة الفيزياء يمكنه أن يحلم، حلماً واقعياً لا خيالياً، بأن يقف يوماً في تلك القبة ويكتب إحداثيات نجم.
وحين تعود الليلة إلى بيتك، وتخرج إلى الشرفة أو السطح لتشرب الشاي، ارفع رأسك قليلاً. وسط أضواء الشارع والإعلانات، قد تلمح نجمة أو نجمتين. تذكّر أن على بعد ساعة بالسيارة شرق القاهرة، هناك من يرفع رأسه في اللحظة ذاتها، لكن بمرآة قطرها 74 بوصة، وأنه يرى فيما تراه أنت كنجمة باهتة نجوماً ومجرات ورسائل كيميائية عمرها مئات السنين. عين مصر مفتوحة على السماء منذ 1964، وما تزال مفتوحة، وهي بحاجة إلى من يحرسها من الجيل القادم.. ربما ابنك، أو ابنتك، أو أنت.
مواد ذات صلة

«الأزرق المصري»: أول صبغة صناعية في التاريخ تعود اليوم لتكشف البصمات وتضيء الخلايا
لون أزرق صنعه كيميائيون مصريون من الرمل والنحاس والجير قبل آلاف السنين، اكتشف علماء في 2013 أنه يتفتت إلى صفائح نانوية تشع أشعة تحت حمراء، فصار مسحوقاً يكشف البصمات في أستراليا، وعدسة تضيء أجنة الذباب وأوراق النبات في ألمانيا. قصة مادة قديمة بخاصية حديثة، وسؤال عن مختبراتنا اليوم.
١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب
طلاب مصريون من جامعة المنصورة أخرجوا من صخور الواحات الداخلة عظام «منصوراصورس»، أكمل هيكل ديناصور من أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا. وقبلهم بقرن، دفن عالم ألماني ديناصورات الواحات البحرية في ميونخ فأحرقتها الحرب. حكاية أرشيف الأرض في صحراء مصر، وعلم يمكن لابنك أن يدرسه هنا.
٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

بعد جرس الانصراف يبدأ اليوم الثاني: أمسيات «السناتر» في الشارع المصري
في السابعة مساءً يضيء شارعٌ جانبي بلافتات مراكز الدروس أكثر مما تضيئه أعمدة الإنارة: تاكسيات تقف وتنطلق، حقائب تحمل «الشيت» بدل الكتاب، وصفوف انتظار على السلالم. ريبورتاج من الرصيف، في يوم المعلم العالمي، عن مشهدٍ يعرفه كل بيت مصري، وعن مسار السياسات التي حاولت تغييره منذ 2022.
٥ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة