تخطَّ إلى المحتوى

البر الغربي بالأقصر.. حيث دفنت مصر ملوكها وحفظت ذاكرتها الخالدة

على الضفة الغربية للنيل في الأقصر، حيث تغرب الشمس خلف جبال طيبة، شيد المصريون القدماء مدينة أبدية لملوكهم وملكاتهم: وادي الملوك ومعبد حتشبسوت وتمثالا ممنون وقرية عمال بنوا التاريخ بأيديهم.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
جدار مقبرة فرعونية منقوش يصور صفاً من الآلهة الواقفة فوق مشاهد ملوّنة، في صورة أرشيفية بنّية اللون
ويكيميديا كومنز — ملكية عامة/CC0

حين كانت طيبة عاصمة لمصر في عصور مجدها، قسم المصريون القدماء مدينتهم على ضفتي النيل وفق رؤية كونية بديعة: الشرق حيث تشرق الشمس للأحياء ومعابد الآلهة، والغرب حيث تغيب الشمس للموتى والحياة الأخرى. وهكذا صار البر الغربي بالأقصر أعظم مدينة جنائزية عرفها التاريخ، وموقعا أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي منذ عام 1979 باعتباره متحفا مفتوحا لا نظير له.

في قلب الجبل الغربي يختبئ وادي الملوك، الوادي الصخري الذي اختاره ملوك الدولة الحديثة مثواهم الأخير على مدى نحو خمسة قرون. حفرت في جنباته عشرات المقابر الملكية المزينة بنصوص دينية ورسوم ملونة تصور رحلة الملك في العالم الآخر، وما زالت ألوان كثير منها نابضة كأن الفنان فرغ منها بالأمس، رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام.

وفي هذا الوادي وقع أشهر اكتشاف أثري في التاريخ، حين عثر عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922 على مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون شبه سليمة بكنوزها الذهبية. لم يكن توت عنخ آمون من عظماء الملوك في حياته، لكن مقبرته الوحيدة التي نجت من عبث اللصوص جعلته أشهر فراعنة مصر قاطبة، وحولت وادي الملوك إلى مزار عالمي لا ينقطع عنه الزوار.

غير بعيد، وعند سفح جرف صخري مهيب في منطقة الدير البحري، ينتصب معبد الملكة حتشبسوت الجنائزي بشرفاته الثلاث المتدرجة التي تبدو وكأنها امتداد طبيعي للجبل. شيدت المرأة التي حكمت مصر بصفتها فرعونا هذا المعبد ليخلد اسمها وحملاتها التجارية إلى بلاد بونت، وهو اليوم من أكثر المباني الأثرية في العالم إثارة للإعجاب المعماري، خاصة في ضوء الصباح الباكر.

وعلى الطريق إلى المعابد يستقبل الزائر تمثالا ممنون، العملاقان الحجريان الجالسان اللذان كانا يحرسان مدخل معبد أمنحتب الثالث الجنائزي. وفي العصرين اليوناني والروماني ذاع صيت التمثال الشمالي حين كان يصدر عند الفجر صوتا غامضا أشبه بالأنين بفعل شقوق أحدثها زلزال قديم، فقصده الرحالة والأباطرة ليسمعوا غناء ممنون ودونوا شهاداتهم على قاعدته قبل أن يصمت التمثال بعد ترميمه في العصر الروماني.

أما مدينة هابو فهي الجوهرة التي يغفل عنها كثيرون. معبد الملك رمسيس الثالث الجنائزي يحتفظ بأسواره الضخمة ونقوشه العميقة التي توثق انتصاراته على شعوب البحر، وبألوان أصلية مدهشة على أسقف بواباته وأعمدته. ويجد الزائر هنا مساحة من الهدوء قلما تتاح في المواقع الأشهر، مع جودة نقوش يعدها المتخصصون من الأرقى في مصر كلها.

وللبر الغربي وجه إنساني فريد تمثله قرية دير المدينة، حيث عاش الفنانون والحرفيون الذين حفروا مقابر الملوك وزينوها. خلفت هذه القرية آلاف الشقافات والبرديات التي كشفت تفاصيل الحياة اليومية للعمال: أجورهم وإجازاتهم وخصوماتهم القضائية، بل وأول إضراب عمالي موثق في التاريخ حين توقفوا عن العمل احتجاجا على تأخر جراياتهم في عهد رمسيس الثالث. ومقابرهم الخاصة الصغيرة من أجمل ما يمكن مشاهدته من فن ملون.

وتكتمل الصورة بمقابر الأشراف المنتشرة في سفوح الجبل، وهي مدافن كبار رجال الدولة التي تصور مشاهد الحياة اليومية من زراعة وصيد وموسيقى وولائم بحيوية تفوق أحيانا مقابر الملوك نفسها، ثم بمعبد الرمسيوم الذي شيده رمسيس الثاني وألهمت أطلال تمثاله الضخم الشاعر الإنجليزي شيلي قصيدته الشهيرة أوزيماندياس.

ولمن يريد أن يرى المدينة الجنائزية بعين الطائر، تظل رحلات البالون عند الفجر تجربة الأقصر الأشهر. ترتفع عشرات البالونات الملونة مع أول ضوء لتكشف الوادي والمعابد وحقول قصب السكر وشريط النيل الأخضر في لوحة واحدة، وهو المشهد الذي جعل الأقصر من أشهر وجهات الطيران بالبالون في العالم.

عمليا، يقصد الزوار البر الغربي عبر الكوبري أو المعديات النيلية من مدينة الأقصر، ويفضل بدء الجولات مع الصباح الباكر هربا من الحر ولضمان أفضل إضاءة للتصوير. ويظل الشتاء ذروة الموسم السياحي، فيما تتيح الأشهر الأخرى زيارة أكثر هدوءا وأسعارا أيسر لمن يحتمل الحرارة، مع ضرورة اقتناء تذاكر المواقع كل على حدة والتخطيط لما لا يقل عن يوم كامل.

يغادر الزائر البر الغربي وقد أدرك أن ما رآه ليس مقابر وحجارة، بل حضارة كاملة نظرت إلى الموت بوصفه بوابة للخلود، فأبدعت في عمارتها وفنها ما جعل الخلود حقيقة فعلا. فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، ما زالت أسماء الملوك والعمال معا محفورة في صخور طيبة، وما زال العالم يأتي ليقرأها.

مشاركة

مواد ذات صلة

وادي الحيتان.. حين كان الفيوم بحرًا: رحلة يوم واحد من القاهرة إلى أقدم شاطئ في العالم
مصر الجميلة

وادي الحيتان.. حين كان الفيوم بحرًا: رحلة يوم واحد من القاهرة إلى قاع بحر عمره أربعون مليون سنة

على بعد نحو ثلاث ساعات من زحام القاهرة، تقف أسرة مصرية أمام هيكل حوت له أرجل خلفية، عمره أربعون مليون سنة، في صحراء كانت قاع بحر. لماذا اختارت اليونسكو وادي الحيتان أول موقع طبيعي مصري على قائمة التراث العالمي؟ وكيف تجمع في يوم واحد بين الحفريات وشلالات وادي الريان وفخار قرية تونس؟ دليل عملي لرحلة لا تحتاج إلى تأشيرة.

٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

واجهة معبد أبو سمبل الكبير المنحوتة في الجبل وتماثيل رمسيس الأربعة الجالسة تحت سماء زرقاء
مصر الجميلة

أبو سمبل.. المعبد الذي رفعته البشرية نحو 65 مترًا كي لا يغرق، والشمس تعود إليه في 22 أكتوبر

قبل شروق شمس 22 أكتوبر بقليل، يقف الناس في ظلمة القاعة الكبرى ينتظرون خيطًا من نور يقطع نحو ستين مترًا من الصخر ليضيء وجه رمسيس. خلف هذه اللحظة قصة حملة دولية استمرت عشرين عامًا، رفعت المعبد كتلةً كتلة فوق مياه بحيرة ناصر. هذا دليلك لفهم المشهد والتخطيط لرحلة أسوان قبل الموعد بشهر.

٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة