تخطَّ إلى المحتوى
زائف

«برج المحمول فوق العمارة بيسبب السرطان».. ما الذي تقوله القياسات ومنظمة الصحة العالمية؟

ورقة توقيعات في مدخل العمارة، ورسائل واتساب تقول إن الهوائي فوق السطح «هيجيب السرطان لأولادنا». فحصنا الادعاء: منظمة الصحة العالمية تقول إن التعرض قرب المحطات القاعدية يتراوح بين 0.002% و2% من الإرشادات الدولية، ومراجعة منهجية كلّفت بها ونُشرت في أغسطس 2024 لم تُرجّح ارتفاع سرطان الدم لدى الأطفال قرب المرسلات الثابتة. الحكم: ادعاء بلا سند علمي، مع شرح أمين للتصنيف 2B وللمسار المشروع أمام السكان.

هيئة التحرير·نُشر في ٨ أكتوبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
صورة عن قرب لبرج اتصالات محمول يحمل هوائيات القطاع وطبق ميكروويف تحت سماء ملبدة بالغيوم
Pptudela / Wikimedia Commons (Public domain)

في مدخل عمارة بحيّ قديم، أو في بهو برج جديد على أطراف المدينة، لا فرق: كرسيّان من البلاستيك، وورقة عليها خانتان، «الاسم» و«التوقيع»، وحديث عن الهوائي الذي رُكِّب على السطح قبل أسبوعين. والرسائل التي تدور في مجموعات الواتساب في مثل هذه المناسبات تكاد تتكرر بصيغة واحدة قصيرة وحاسمة: البرج ده هيجيب لنا السرطان، وولادنا في الدور الأخير في خطر. يوقّع من يوقّع، ويتردّد من يتردّد وهو يشعر بالحرج، ويبقى سؤال بلا جواب هادئ: هل نوقّع على معلومة أم على خوف؟

الادعاء الذي نفحصه اليوم هو هذا بعينه: أن وجود محطة قاعدية للمحمول فوق سطح العمارة يسبب السرطان لسكانها، وللأطفال منهم خصوصًا. وحكمنا عليه، بعد مراجعة ما تنشره منظمة الصحة العالمية والجهات التنظيمية، أنه ادعاء زائف بلا سند علمي؛ زائف بالمعنى الدقيق: يزعم علاقة سببية مثبتة لا أثر لها في الأدلة المتاحة. لكن انتبه إلى ما لا نقوله: لا نمنح أحدًا صكّ أمان مطلق، ولا نغلق باب البحث. الفارق بين الجملتين هو محور هذا المقال.

نبدأ من طبيعة الموجة. الموجات الصادرة عن هوائيات المحمول موجات راديوية غير مؤيِّنة، أي لا تحمل من الطاقة ما يكفي لخلع إلكترون أو كسر روابط الحمض النووي، وهو الفعل الذي يجعل الأشعة السينية مصدر قلق حقيقي. والأثر البيولوجي الوحيد الذي تعتبره منظمة الصحة العالمية ثابتًا للترددات الراديوية هو ارتفاع حرارة الجسم بأكثر من درجة مئوية، ولا يحدث إلا عند شدّات عالية لا توجد عمليًا إلا في منشآت صناعية بعينها، لا فوق سطح عمارة.

ثم ننتقل إلى الأرقام، وهي الأهم. تقول المنظمة بنصّ واضح إن «مستويات التعرض للترددات الراديوية الصادرة عن المحطات القاعدية تتراوح بين 0.002% و2% من مستويات الإرشادات الدولية»، بحسب عوامل من بينها القرب من الهوائي والبيئة المحيطة. وتضيف أن المسوح التي تستند إليها أظهرت أن التعرض في الأماكن التي يرتادها الناس، ومنها المدارس والمستشفيات، يقلّ عن المعايير الدولية بآلاف المرات. نحن إذن لا نتحدث عن هامش ضيق يقترب من الحد المسموح، بل عن مسافة شاسعة تحته.

وهناك مقارنة تكسر الصورة الذهنية التي تربط الخطر بالشكل: تشير المنظمة في صحيفة وقائعها عن المحطات القاعدية إلى أن الجسم يمتص من إشارة إذاعة إف إم ومن البث التليفزيوني ما يصل إلى خمسة أضعاف ما يمتصه من إشارة المحطة القاعدية عند مستوى تعرّض مماثل، لأن تردداتها أقل ولأن طول الإنسان يجعل جسمه هوائيًا مستقبِلًا فعّالًا. ومحطات الإذاعة والتليفزيون تبثّ فوق رؤوسنا منذ أكثر من نصف قرن — الإذاعة المصرية منذ 1934 والتليفزيون منذ 1960 — دون أن يثبت لها أثر ضار. البرج الحديدي يخيفنا لأننا نراه، لا لأنه الأقوى فيما حولنا.

يبقى سؤال «العنقود»: جارتنا مرضت، وابن الطابق الثالث مرض، والبرج موجود. عالجت المنظمة هذه النقطة صراحةً، فذكرت أن السرطان موزّع جغرافيًا توزيعًا غير متساوٍ بطبيعته بين أي مجموعة سكانية، وأنه مع الانتشار الواسع للمحطات في البيئة من المتوقع أن تظهر تجمعات حالات قربها بمحض المصادفة، وأن الحالات المُبلَّغ عنها كثيرًا ما تكون أنواعًا مختلفة من السرطان لا يجمعها قاسم مشترك، فيبعُد أن يكون لها سبب واحد. الطريق إلى اليقين هنا دراسة وبائية مصمَّمة بعناية، لا حصر الجيران.

وهذه الدراسات أُجريت بالفعل، ومن الأمانة أن نؤرّخها. الصفحة التي تخصّصها المنظمة للمحطات القاعدية والتقنيات اللاسلكية، وآخر تحديث لها سنة 2006، تقول إن أبحاثًا تراكمت خمسة عشر عامًا قبلها لم تقدّم دليلًا على أن التعرض للمرسلات الراديوية يرفع خطر الإصابة بالسرطان، وإن الدراسات الحيوانية طويلة الأمد لم تُثبت زيادة في الخطر حتى عند مستويات أعلى كثيرًا مما تنتجه المحطات القاعدية؛ وخلاصتها في نصّها: «لم يثبت حدوث أي آثار صحية ضارة قصيرة أو طويلة الأمد من إشارات الترددات الراديوية الصادرة عن المحطات القاعدية». ثم جاء الدليل الأحدث والألصق بادعائنا: في أغسطس 2024 نشرت دورية «إنفايرونمنت إنترناشونال» مراجعة منهجية كلّفت بها المنظمة، خلصت بيقين متوسط إلى أن التعرض بعيد المجال للمرسلات الثابتة — محطات المحمول وهوائيات البث — لا يُرجَّح أن يرفع خطر سرطان الدم لدى الأطفال، وأن استخدام الهاتف لا يُرجَّح أن يرفع خطر أورام المخ.

هنا يقفز سؤال المتشكك: أليست هذه المجالات مصنَّفة «يُحتمل أن تكون مسرطنة»؟ نعم، والأمانة تقتضي قولها كاملة. في 2011 صنّف فريق خبراء دعته الوكالة الدولية لبحوث السرطان «المجالات الكهرومغناطيسية الراديوية» — لا استخدام الهاتف وحده — في «المجموعة 2B»، أي «يُحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان». وتفصيل الأدلة كما نشرته الوكالة أهمّ من العنوان: وُصفت بأنها «محدودة» بين مستخدمي الهواتف اللاسلكية في الورم الدبقي وورم العصب السمعي، و«غير كافية» في بقية أنواع السرطان، ثم وُصفت الأدلة المستمدة من التعرض المهني والبيئي — ومنه ما يصدر عن محطات البث والمحطات القاعدية — بأنها «غير كافية» كذلك. والمجموعة 2B فئة احتمال لا إثبات: تُستخدم حين تكون العلاقة جديرة بالمتابعة مع تعذّر استبعاد المصادفة أو التحيّز.

ومن الأمانة أيضًا أن نفرّق بين عبارتين يخلط بينهما كثيرون: «لا يوجد دليل على الضرر» شيء، و«يوجد دليل على انعدام الضرر» شيء آخر. تشرح منظمة الصحة العالمية هذه النقطة بوضوح لافت، فتقول إن الدراسات الصحية بارعة في التقاط الآثار الكبيرة، كالعلاقة بين التدخين والسرطان، لكنها أقل قدرة على تمييز أثر صغير جدًا من انعدام الأثر؛ فغيابه في دراسة كبيرة قد يعني أنه غير موجود، وقد يعني أنه أصغر من أن ترصده أدواتنا. لذلك يستمر البحث، ولا نكتب شهادة أمان أبدية لأي تقنية. أما ما يتردّد عن أثر الأبراج في الخصوبة فخارج نطاق حكمنا؛ مصادرنا تعالج الآثار الصحية عمومًا والسرطان تحديدًا، ولا نصدر حكمًا فيما لم نفحصه. حكمنا بالزيف يخصّ دعوى بعينها: أن الهوائي فوق سطح عمارتك يسبب السرطان لسكانها، وهي بلا سند علمي حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

ننزل الآن إلى بيتك في مصر. الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ينشر على موقعه ما يسميه «خريطة الانبعاثات الكهرومغناطيسية»، ويذكر أنه يجري قياسات ميدانية بمعدات متخصصة في الحيزات الترددية المختلفة، للتأكد من أن المجالات الصادرة عن محطات المحمول في الحدود الآمنة المتوافقة مع معايير منظمة الصحة العالمية وتوصية الاتحاد الدولي للاتصالات رقم ITU-T K.70. والأهم للمواطن أن الخريطة، بحسب نص الجهاز، «تتيح للمواطن اختيار أقرب نقطة قياس موجودة لمكان تواجده» والاطلاع على قيمها.

وللأمر سند قانوني لا لبس فيه. يخضع تركيب محطات المحمول لقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، الذي يجعل للجهاز اختصاص وضع القواعد الفنية المتعلقة بالسلامة الصحية والبيئية الواجب اتباعها عند تركيب شبكات الاتصالات وتشغيلها واستخدامها. وعلى هذا الأساس شُكّلت لجنة بالتعاون مع وزارتي الصحة والبيئة لدراسة تعرّض المواطنين لهذه الموجات ووضع ضوابط إنشاء المحطات داخل الكتلة السكانية، ومن مقتضى ذلك — بحسب ما يعلنه الجهاز — أن المحطة لا تُشغَّل إلا بعد معاينتها وإجراء القياسات الفنية اللازمة وإصدار شهادة معتمدة بالمطابقة.

معنى ذلك عمليًا أن أمامك طريقًا مشروعًا بدل ورقة التوقيعات وحدها. ابدأ بالخطوة المجانية الفورية: راجع خريطة الانبعاثات وابحث عن أقرب نقطة قياس إلى عنوانك. ثم اسأل مالك العقار أو الشركة المشغّلة للمحطة عن شهادة المطابقة الصادرة من الجهاز. وإن بقي القلق فتقدَّم بشكوى — عبر منصة الشكاوى على موقع الجهاز أو تطبيقه، أو على الخط 155 المتاح من الثامنة صباحًا إلى العاشرة مساءً حتى تاريخ كتابة هذه السطور — واطلب فيها قياسًا ميدانيًا لموقعك بعينه، طلبًا لا استحقاقًا، فالجهاز لا يعلن التزامًا بقياس كل عنوان عند الطلب. أما الصعود إلى السطح لفكّ معدة أو قطع كابل فليس دفاعًا عن الصحة؛ بل اعتداء على منشأة مرخصة يعرّض صاحبه للمساءلة، ويحرم الجيران من شبكة قد يحتاجونها في مكالمة إسعاف.

عُد بعد كل هذا إلى ورقة التوقيعات في مدخل العمارة. لا أحد يطلب منك أن تتخلّى عن قلقك على أولادك؛ القلق ليس جهلًا ولا سذاجة. المطلوب أن تُوجّهه إلى ما ينفع: توقيع على طلب قياس أنفع من توقيع على شائعة، ورقم في تقرير رسمي يهدّئ البيت أكثر من رسالة مجهولة المصدر. وإن أردت أن تقلّل تعرضك بلا فزع، فالمصدر الأقرب إلى رأسك ليس البرج فوق السطح، بل الجهاز الذي تضعه على أذنك كل يوم؛ سمّاعة أو مكبّر صوت في المكالمات الطويلة تدبير لا يكلّف شيئًا، ولا يحتاج اجتماعًا في السلّم.

مشاركة

مواد ذات صلة

رائد فضاء بالبدلة البيضاء يقف بجوار علم أمريكي مغروس في تراب القمر، وآثار الأقدام ظاهرة حوله
الحقيقةزائف

«الأمريكان ما نزلوش على القمر».. ادعاء يعود كل عام، والقمر نفسه يردّ عليه بأعلام واقفة وآثار أقدام تُرى من المدار

مع افتتاح أسبوع الفضاء العالمي، تعود المقاطع القصيرة التي تقسم أن هبوط أبولو صُوّر في استوديو. نفحص الادعاء لا بشهادات الرواد، بل بما يمكن لأي عالم في العالم أن يفحصه اليوم: صور المدار، والصخور القمرية في المختبرات، والعاكسات التي تُقاس بها المسافة إلى القمر كل ليلة.

٤ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سيارة إسعاف مصرية صفراء وزرقاء تقف أمام محال في شارع، ويظهر عليها رقم النجدة 123
الحقيقةزائف

«اكحّ بقوة تنجو من الأزمة القلبية وأنت وحدك».. رسالة واتساب تتناقلها البيوت المصرية، والطب يقول العكس

رسالة متسلسلة تصل إلى كل هاتف مصري تقريبًا: إذا داهمتك أزمة قلبية وأنت وحدك فاكحّ بقوة وبإيقاع حتى يعود القلب إلى انتظامه. جمعية القلب الأمريكية ترفض «الكحة الإنعاشية» صراحةً، والرسالة تخلط بين الأزمة القلبية والسكتة القلبية، وكل دقيقة تضيع في الكحّ بدل الاتصال بالإسعاف 123 المجاني تُحسب من عمر المريض. هذا ما يقوله الطب.

٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

تلاميذ بالزيّ المدرسي الأحمر في فناء مدرسة قاهرية ترابي، وتلميذة في المقدمة تحمل كراساتها وحقيبتها
الحقيقةزائف

«القراية في النور الضعيف بتبوّظ العين».. ما يؤكده أطباء العيون وما يغفله الأهل فعلًا

مع عودة المذاكرة المسائية تحت لمبة واحدة، يعود التحذير القديم: «هتعمي». فحصنا الادعاء بحرفه، فوجدنا أطباء العيون على رأي واحد: الضوء الخافت والجلوس قريبًا من الشاشة يُتعبان العين ولا يُتلفانها. لكن خلف هذا الاطمئنان يقف خطر حقيقي تغفله معظم البيوت، وتقديرات إقليمية تضع أطفال مصر في صدارته.

١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة