تخطَّ إلى المحتوى
دقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
بائع يجلس خلف أكوام البرتقال في السوق، وبجواره ميزان بكفّتين وأقفاص خشبية فارغة
Myousry6666 / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

هي واحدة من أكثر النصائح الصحية ترددًا في العالم، والبيوت المصرية ليست استثناء. فعند أول عطسة في الشتاء، يمدّ لك أحدهم كوب عصير برتقال أو قرصًا فوّارًا: خذ فيتامين سي، فهو يقي من نزلات البرد. نصيحة تقدمها الجدات والصيادلة على السواء، وتُنفَق على المكملات أموال كثيرة في كل موسم برد اعتمادًا عليها. لكن ماذا يقول الدليل العلمي — عقود من التجارب المنضبطة على عشرات الآلاف من البشر — فعلًا؟ الإجابة أكثر إثارة للاهتمام من مجرد نعم أو لا.

للنسخة الحديثة من هذا الادعاء مسقط رأس محدد. ففي عام 1970 نشر الكيميائي الأمريكي لينوس باولينغ — الحائز على جائزتي نوبل — كتابًا واسع الانتشار بعنوان «فيتامين سي ونزلة البرد»، دافع فيه عن أن جرعات يومية كبيرة يمكن أن تدرأ المرض. حملت مكانة باولينغ العلمية الهائلة الفكرة حول العالم، وقامت وراءها صناعة كاملة. والمشكلة أن استنتاجاته سبقت أدلته بمسافة بعيدة، وقد أمضى الباحثون نصف القرن التالي في اختبار الادعاء اختبارًا صحيحًا.

الأداة التي يعتمدها العلم لحسم مثل هذه الأسئلة هي التجربة العشوائية المنضبطة: تتناول مجموعة فيتامين سي وتتناول أخرى دواءً وهميًا مطابقًا في الشكل، من دون أن يعرف المشاركون أيّهما تلقوا، ثم يُحصي الباحثون نزلات البرد. وقد أُجريت عشرات التجارب من هذا النوع على مدى العقود، شملت عشرات الآلاف من المشاركين، وتتولى مراجعات «كوكرين» المنهجية — وهي مرجع ذهبي في الطب المبني على الدليل — تجميع نتائجها وتحليلها دوريًا. والصورة التي تظهر متسقة — وهي تقسم الادعاء الشائع إلى ثلاثة أجزاء متمايزة.

الجزء الأول: الوقاية في الحياة العادية. بالنسبة إلى عموم الناس — موظفين وطلابًا وأولياء أمور — لا يؤدي تناول فيتامين سي يوميًا إلى خفض يُعتد به في عدد نزلات البرد. فمن واظبوا على المكملات اليومية أُصيبوا بعدد من النزلات مقارب لمن تناولوا الدواء الوهمي، عامًا بعد عام وتجربة بعد تجربة. وعن الادعاء بالمعنى الذي يقصده معظم الناس — أن قرصًا يوميًا سيمنعك من الإصابة بالبرد — يقول الدليل: لا. فأيًّا كان ما يفعله قرص جدتك، فهو لا يبني سورًا في وجه الفيروس.

الجزء الثاني هو ما يمنح الادعاء صفة «جزئيًا». فبين من تناولوا فيتامين سي بانتظام، قبل العدوى وطوال الموسم، كانت نزلات البرد أقصر قليلًا وأخف نسبيًا. وتقدّر التحليلات التجميعية خفض المدة بنحو ثمانية في المئة لدى البالغين ونحو أربعة عشر في المئة لدى الأطفال. وبالمعنى العملي، يعني ذلك اقتطاع ما يقارب نصف يوم إلى يوم من نزلة تمتد أسبوعًا. إنه أثر حقيقي وقابل للقياس — لكنه بلا أدنى شك أثر متواضع.

الجزء الثالث هو المفاجأة الحقيقية. فقد درست حفنة من التجارب أشخاصًا تحت إجهاد بدني شديد: عدّائي ماراثون، ومتزلجين تنافسيين، وجنودًا في تدريبات في برد شبه قطبي. في هذه الفئات، خفض فيتامين سي المنتظم خطر الإصابة بالبرد إلى النصف تقريبًا — وهو أثر كبير ومتسق لا يظهر لدى غيرهم. ويرجّح العلماء أن الإجهاد الشديد يرهق جهاز المناعة مؤقتًا على نحو يساعد الفيتامين في تخفيفه. إن كنت تركض ماراثونًا في الثلج، فقد يحميك المكمّل فعلًا. ومعظمنا لا يفعل.

فماذا عن العادة الأكثر شيوعًا في الواقع — مدّ اليد إلى القرص الفوّار عند أول خربشة في الحلق؟ هنا التجارب في أوضح حالاتها: بدء تناول فيتامين سي بعد ظهور الأعراض لم يُظهر أثرًا متسقًا على طول النزلة أو شدتها. فالسيناريو الوحيد الذي يستخدم فيه الجميع تقريبًا الفيتامين هو بالضبط السيناريو الذي لا يدعمه الدليل. أما الفوائد المتواضعة الموجودة فهي من نصيب من كانوا يتناولونه أصلًا قبل وصول الفيروس.

لماذا إذن يبقى هذا الاعتقاد بهذه القوة؟ لأن نزلة البرد مرض محدود ذاتيًا: تُشفى من تلقاء نفسها خلال أسبوع إلى عشرة أيام تقريبًا مهما فعلت. وأيًّا كان ما تناولته قرب النهاية — فيتامين سي أو شايًا عشبيًا أو شوربة دجاج — فإنه يحصد الفضل في شفاء كان قادمًا على أي حال. أضف إلى ذلك الانحياز التأكيدي، وصناعة لها مصلحة في الحكاية، وكلمة «فيتامين» المتوهجة بالصحة، فتحصل على خرافة تملك مهارات بقاء ممتازة.

لا شيء من هذا يجعل فيتامين سي عديم الفائدة — فهو عنصر غذائي أساسي لا يستطيع الجسم تصنيعه، وضروري لسلامة الأنسجة والتئام الجروح. وهو قابل للذوبان في الماء، فيتخلص الجسم من الفائض المعتدل في البول، وإن كانت الجرعات الكبيرة جدًا قد تسبب اضطرابًا في المعدة وقد ترفع خطر حصوات الكلى لدى المهيَّئين لها. ولا حاجة إلى مكمّل لتلبية الاحتياج اليومي: فالجوافة — وهي من أغنى المصادر اليومية ووفيرة في الأسواق المصرية — مع البرتقال والليمون والفراولة والفلفل، تغطيه بارتياح.

إذن، الحكم على عبارة «فيتامين سي يقي من نزلات البرد» هو: صحيح جزئيًا. خاطئ بالطريقة التي يستخدمه بها معظم الناس — فقرص عند أول عطسة لا يفعل شيئًا قابلًا للقياس، والاستخدام اليومي لا يمنع عموم الناس من الإصابة. وصحيح بمعنى ضيق وحقيقي — فالاستخدام المنتظم يقصّر النزلات قليلًا، ويقي منها فعلًا لدى من يخضعون لإجهاد بدني شديد. الادعاء ليس وهمًا شعبيًا خالصًا ولا درعًا مثبتًا؛ بل حقيقة صغيرة نُفخت حتى صارت كبيرة.

ولمن يريد نزلات برد أقل، يشير الدليل غير البرّاق إلى مكان آخر: اغسل يديك كثيرًا، خصوصًا في مواسم الزحام؛ وتجنّب لمس الوجه؛ ونم كفايتك، فالحرمان المزمن من النوم يُضعف الدفاعات المناعية على نحو قابل للقياس؛ وهوِّ الغرف جيدًا. والنظام الغذائي المتوازن بالفواكه والخضروات الطازجة يوفر كل ما يحتاجه جهاز المناعة من فيتامين سي. تبقى البرتقالة شيئًا ممتازًا يؤكل — فقط كُلها لأنها لذيذة ومغذية، لا لأنها تقف حارسًا في وجه الشتاء.

مشاركة

مواد ذات صلة

سيارة إسعاف مصرية صفراء وزرقاء تقف أمام محال في شارع، ويظهر عليها رقم النجدة 123
الحقيقةزائف

«اكحّ بقوة تنجو من الأزمة القلبية وأنت وحدك».. رسالة واتساب تتناقلها البيوت المصرية، والطب يقول العكس

رسالة متسلسلة تصل إلى كل هاتف مصري تقريبًا: إذا داهمتك أزمة قلبية وأنت وحدك فاكحّ بقوة وبإيقاع حتى يعود القلب إلى انتظامه. جمعية القلب الأمريكية ترفض «الكحة الإنعاشية» صراحةً، والرسالة تخلط بين الأزمة القلبية والسكتة القلبية، وكل دقيقة تضيع في الكحّ بدل الاتصال بالإسعاف 123 المجاني تُحسب من عمر المريض. هذا ما يقوله الطب.

٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

تلاميذ بالزيّ المدرسي الأحمر في فناء مدرسة قاهرية ترابي، وتلميذة في المقدمة تحمل كراساتها وحقيبتها
الحقيقةزائف

«القراية في النور الضعيف بتبوّظ العين».. ما يؤكده أطباء العيون وما يغفله الأهل فعلًا

مع عودة المذاكرة المسائية تحت لمبة واحدة، يعود التحذير القديم: «هتعمي». فحصنا الادعاء بحرفه، فوجدنا أطباء العيون على رأي واحد: الضوء الخافت والجلوس قريبًا من الشاشة يُتعبان العين ولا يُتلفانها. لكن خلف هذا الاطمئنان يقف خطر حقيقي تغفله معظم البيوت، وتقديرات إقليمية تضع أطفال مصر في صدارته.

١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مائدة إفطار مصرية على مفرش أحمر: طبق فول مدمس وكوب شاي وعيش بلدي وسكرية ومحلب معدني
الحقيقةصحيح

«كوباية الشاي بعد الأكل بتمنع الحديد».. تحذير الأمهات الذي أثبته العلم بالأرقام، وحيلة بسيطة للخروج منه

من النادر أن يخرج تحذير من مطبخ البيت المصري فيصدّقه المعمل بهذا الوضوح. الشاي الأسود مع الوجبة يخفض امتصاص حديد العيش والعدس والخضار بنسب مذهلة، ولا يُنقذه اللبن. لكن الحل ليس هجر الصينية، بل تأخيرها ساعة واحدة، وقطعة ليمون على السفرة. نشرح الدليل، ولماذا يهم مصر تحديدًا.

١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة