في يوم القلب العالمي: كيف تقرأ إشارات الذبحة والجلطة قبل فوات الأوان.. وماذا تفعل في الدقائق الأولى؟
رجل في الخمسين يظن أن ثقل صدره «حموضة» من عشاء دسم فيؤجل المستشفى إلى الصباح. في يوم القلب العالمي نشرح الفرق بين الذبحة والجلطة والسكتة القلبية والسكتة الدماغية، والعلامات التي تحددها منظمة الصحة العالمية بما فيها اختلافها عند النساء، وما يجب فعله في الدقائق الأولى: 123 مجانا، الجلوس، وعدم القيادة.

الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلا. رجل في أوائل الخمسين يجلس على الكنبة بعد عشاء دسم، يفرك منتصف صدره بكفه ويقول لزوجته إنها «حموضة». لكن الثقل لا يشبه الحموضة التي يعرفها؛ إنه ضغط كأن أحدا يجلس فوق صدره، ومعه عرق بارد وغثيان خفيف. تقترح زوجته المستشفى، فيجيب بالجملة التي يعرفها كل بيت مصري: «لو ما راحتش لحد الصبح نروح». هذه الجملة هي أخطر ما يمكن أن يُقال في تلك اللحظة.
نكتب بمناسبة يوم القلب العالمي الذي يحل في التاسع والعشرين من سبتمبر من كل عام، ويقوده الاتحاد العالمي للقلب. وقد أعلن الاتحاد في السابع والعشرين من يوليو 2026 إطلاق حملة هذا العام تحت شعار «لا تفوّت نبضة» للعام الثاني على التوالي، وهي حملة تقوم على ثلاث ركائز: أن ترى العلامات، وأن تحمي قلبك، وأن تطالب بالعمل. والأرقام تبرر هذا التركيز على العلامات: تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 19.8 مليون إنسان ماتوا بأمراض القلب والأوعية الدموية في عام 2022، أي قرابة 32 في المائة من وفيات العالم، وأن 85 في المائة منهم ماتوا بنوبة قلبية أو سكتة دماغية تحديدا؛ أي بحادثين معروفين لهما علامات يمكن تعلمها.
لنبدأ بالكلمات، لأن الخلط بينها يكلف أرواحا. «الذبحة الصدرية» هي ألم أو ضيق في الصدر يحدث حين يقل تدفق الدم إلى عضلة القلب مؤقتا، يأتي غالبا مع المجهود ويخف مع الراحة؛ إنذار مبكر بأن الشرايين تضيق. أما ما يسميه الناس «الجلطة» فهو احتشاء عضلة القلب أو النوبة القلبية: انسداد يحرم جزءا من العضلة من الدم فيبدأ في الموت مع كل دقيقة. ثم «السكتة القلبية»، وهي شيء آخر: توقف القلب عن الضخ فجأة، فيسقط الإنسان فاقدا الوعي بلا نبض. وأخيرا «السكتة الدماغية» التي ليست في القلب أصلا، بل انقطاع الدم عن جزء من المخ.
تضع منظمة الصحة العالمية قائمة واضحة بعلامات النوبة القلبية: ألم أو انزعاج في منتصف الصدر، أو في الذراعين أو الكتف الأيسر أو المرفقين أو الفك أو الظهر. وقد يصاحبه ضيق نفس، وغثيان أو قيء، ودوار أو إغماء، وعرق بارد، وشحوب. والألم لا يشترط أن يكون طعنة حادة؛ كثيرون يصفونه بأنه «ثقل» أو «حرقان»، وهذا ما يجعل رجلنا يظنه حموضة.
وهنا نقطة تغيب عن بيوت كثيرة: النساء لا يعانين بالضرورة الصورة الكلاسيكية لألم الصدر. تقول منظمة الصحة العالمية بصريح العبارة إن النساء أكثر عرضة من الرجال لأعراض مثل ضيق النفس، والغثيان أو القيء، وألم الظهر أو الفك. سيدة في الستين تشكو من «تعب» غير مفهوم وضيق نفس وألم في فكها منذ الصباح قد تكون في قلب نوبة قلبية. لذلك السؤال الصحيح ليس «هل ألم الصدر شديد؟» بل «هل هذا شيء لم يحدث لها من قبل؟».
لماذا يقع الناس في فخ «الحموضة»؟ لأن الاعتراف بأن هذا قلب لا معدة يعني الخوف والمستشفى والتكلفة في منتصف الليل. لكن المنطق بسيط: أن تخطئ بالحذر فتخسر ليلة في الطوارئ خير من أن تخطئ بالتهاون فتخسر العمر. وتشدد منظمة الصحة العالمية على أهمية الاكتشاف المبكر لأمراض القلب عموما حتى يبدأ العلاج في وقته. أما في لحظة الألم نفسها فلا توجد، على حد علمنا، وسيلة منزلية تحسم الأمر؛ الحسم يكون برسم القلب وتحاليل الدم وفحص الطبيب في مكان مجهز.
فماذا تفعل في الدقائق الأولى؟ أولا اتصل بالإسعاف على 123؛ فقد أكدت الهيئة المصرية للإسعاف في أكتوبر 2024 أن خدمات الطوارئ عبر هذا الرقم مجانية على مدار الساعة، وذكرت حالات توقف القلب صراحة، فلا يمنعك من الاتصال حساب التكلفة. ثانيا اجلس أو استلق وتوقف عن أي مجهود. ثالثا لا تقد السيارة بنفسك، فمن يقود في نوبة قلبية قد يفقد الوعي على الطريق؛ وإن كنت وحدك افتح باب الشقة ليصل إليك المسعفون. رابعا أخبر من يرد عليك بوضوح: «ألم في الصدر»، والعنوان، وسنك، وأمراضك المزمنة، واتبع تعليماته ولا تتناول دواء لا تعرفه من تلقاء نفسك.
أما إذا سقط شخص أمامك فجأة ولم يستجب ولم يعد يتنفس بشكل طبيعي، فهذه على الأرجح سكتة قلبية، والوقت هنا يُحسب بالثواني. اطلب 123 فورا، وإن كنت تعرف الإنعاش القلبي الرئوي فابدأ الضغط بقوة وسرعة على منتصف الصدر ولا تتوقف حتى يصل الفريق. واطلب ممن يرد عليك أن يرشدك أثناء ذلك؛ ففي كثير من الدول يوجه المُجيب المتصل هاتفيا خطوة بخطوة، ولا نعرف على وجه اليقين، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، ما إذا كان ذلك خدمة ثابتة لدى إسعاف مصر. ونحيل هنا إلى تحقيقنا المنشور بالأمس في قسم «الحقيقة» عن ادعاء «السعال القوي ينقذك من الجلطة» حتى لا نكرر تفاصيله؛ يكفي أن نقول إن ما ينقذ من توقف قلبه هو من يضغط على صدره ويطلب الإسعاف، لا من يسعل.
ولا يكتمل الحديث دون علامات السكتة الدماغية كما تحددها المنظمة: ضعف أو تنميل مفاجئ في الوجه أو الذراع أو الساق، غالبا في جانب واحد، وارتباك أو صعوبة في الكلام أو فهمه، وصعوبة في الرؤية، وصعوبة في المشي أو دوار أو فقدان للتوازن، وصداع شديد بلا سبب معروف، وإغماء. اطلب من الشخص أن يبتسم ويرفع ذراعيه ويقول جملة كاملة؛ إن اعوج نصف وجهه أو هبطت ذراع أو تلعثم، فاتصل بـ123 ولا تنتظر أن «يفوق».
كم يخسر المصريون بهذه الأمراض؟ الأرقام تختلف باختلاف مصدرها وسنتها. يقدر مرصد الاتحاد العالمي للقلب أن أمراض القلب والأوعية تسببت في 38.7 في المائة من وفيات مصر عام 2021، ويقدر عدد الوفيات بها بنحو 334 ألف حالة (تقدير 2024). وأشارت مقالة نُشرت عام 2021 في دورية «سيركوليشن» (Circulation) الصادرة عن جمعية القلب الأمريكية إلى أنها كانت وراء 46.6 في المائة من الوفيات عام 2017، منها 31.8 في المائة لمرض القلب الإقفاري وحده. أما الملف القطري لمنظمة الصحة العالمية لعام 2018 فقدّرها بنحو 40 في المائة، مع تنبيه إلى أن تقديرات مصر عالية الشك لعدم استنادها إلى بيانات وطنية عن وفيات الأمراض غير السارية. الخلاصة التي تجمع المصادر: نحو أربعة من كل عشرة مصريين، وربما أكثر، يرحلون بسبب القلب والأوعية.
ولن نطيل في عوامل الخطر لأننا شرحناها في مقالاتنا عن السكري، وعن ضغط الدم، وعن مبادرة «100 مليون صحة». نكتفي بما يرصده مرصد الاتحاد العالمي للقلب عن مصر حتى تاريخ كتابة هذه السطور، مع سنة كل رقم: ارتفاع الضغط لدى 40.7 في المائة من النساء و35.6 في المائة من الرجال (2019)، والتدخين لدى 23.1 في المائة ممن تجاوزوا الخامسة عشرة (2019)، والسمنة لدى 59.0 في المائة من النساء و32.5 في المائة من الرجال فوق العشرين (2022)، والسكري لدى 26.3 في المائة من البالغين (2022). وكل رقم منها يمكن قياسه في زيارة واحدة.
وهناك ما يمكن فعله قبل أن تدق الساعة الحادية عشرة. اعرف قياساتك الثلاثة: ضغطك وسكرك ودهون دمك، واحتفظ بورقة صغيرة في محفظتك بأدويتك وأمراضك المزمنة ليقرأها المسعف إن عجزت عن الكلام. تحدث مع أهل بيتك عن هذه العلامات كما تتحدثون عن إغلاق أنبوبة البوتاجاز. واتفقوا على قاعدة واحدة: ألم أو ضغط في الصدر يستمر أكثر من دقائق قليلة، أو أعراض مفاجئة لا تفسير لها، تعني اتصالا بـ123 لا نقاشا حول الحموضة. ثقافة «ما تقلقش» و«بكرة الصبح» ليست شجاعة، بل رهان على أغلى ما تملك.
لنعد إلى رجلنا على الكنبة. في النسخة الأخرى من المشهد، تنظر زوجته إلى العرق البارد على جبينه فتحمل الهاتف وتطلب 123 وتقول إن زوجها في الخمسين ويشكو ضغطا في صدره وغثيانا منذ ربع ساعة. تفتح باب الشقة، وتجلسه مستندا إلى الوسائد. قد تنتهي الليلة بأنها كانت حموضة فعلا، فيضحكان في طريق العودة. وقد تنتهي بشريان فُتح في وقته وعضلة قلب نجت. في الحالتين كانت المكالمة هي الصواب. في يوم القلب العالمي، لا نطلب من القارئ أكثر من أن يحفظ رقما من ثلاثة أرقام، وأن يصدق جسده حين يقول له إن شيئا غير عادي يحدث.
مواد ذات صلة

الصحة النفسية ليست رفاهية: متى يصبح الحزن مرضًا وأين تجد المساعدة دون وصمة؟
بين «شد حيلك» و«قلة إيمان» يذبل مرضى الاكتئاب والقلق في صمت. دليل عملي يميّز الحزن العابر من المرض الذي يستوجب العلاج، ويشرح الفرق بين الطبيب النفسي والأخصائي، ويرسم طريق المساعدة في مصر بكلمات تفتح الباب بدل أن توصده.
٣١ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

اعرف رقمك: دليلك العملي لفهم ضغط الدم وقياسه في البيت وترويضه
الضغط المرتفع لا يوجع ولا يُنذر، لكنه يُنهك القلب والكلى في صمت. في هذا الدليل: معنى 120/80 ببساطة، الطريقة الصحيحة للقياس في البيت وأخطاؤه الشائعة، وخطوات مثبتة لترويضه من مطبخك وقدميك ودوائك، وجدول قياس أسبوعي تذهب به إلى الطبيب.
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«اكحّ بقوة تنجو من الأزمة القلبية وأنت وحدك».. رسالة واتساب تتناقلها البيوت المصرية، والطب يقول العكس
رسالة متسلسلة تصل إلى كل هاتف مصري تقريبًا: إذا داهمتك أزمة قلبية وأنت وحدك فاكحّ بقوة وبإيقاع حتى يعود القلب إلى انتظامه. جمعية القلب الأمريكية ترفض «الكحة الإنعاشية» صراحةً، والرسالة تخلط بين الأزمة القلبية والسكتة القلبية، وكل دقيقة تضيع في الكحّ بدل الاتصال بالإسعاف 123 المجاني تُحسب من عمر المريض. هذا ما يقوله الطب.
٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة