تخطَّ إلى المحتوى

محو الأمية في مصر: حجم التحدي والفصول التي تغيّر حياة الكبار

تشير التعدادات الحديثة إلى أن نحو ربع المصريين فوق سن العاشرة أميون — ملايين من الكبار لم يتعلموا القراءة. من الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار إلى فصول الجمعيات الأهلية وطلاب الجامعات المتطوعين، جولة في البرامج التي تعلّمهم، وما الذي ينجح فعلًا.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
دارسون كبار في فصل لمحو الأمية يتابعون درسًا على سبورة كُتبت عليها حروف عربية.

في غرفة صغيرة بعد صلاة العشاء، ترسم سيدة في الخمسينيات حرف الألف للمرة الأولى في حياتها. مشاهد كهذه تتكرر في أنحاء مصر كل أسبوع — في المساجد والكنائس ومراكز الشباب وفصول الجمعيات الأهلية — لأن واحدًا من أقدم تحديات التنمية في البلاد لم يُحسم بعد: ملايين من المصريين البالغين لا يقرؤون ولا يكتبون، وثمة شبكة هادئة من البرامج تعمل على تغيير ذلك، متعلمًا بعد متعلم.

حجم المشكلة موثق لا يقوم على الحكايات. فقد وضع تعداد مصر لعام 2017 نسبة الأمية عند نحو ربع السكان في سن العاشرة فما فوق — ملايين يتعاملون مع العقود ونشرات الدواء واستمارات البنوك وشهادات أبنائهم المدرسية دون قدرة على قراءتها. صحيح أن النسبة انخفضت باطراد عبر العقود مع اتساع التعليم، لكن الأعداد المطلقة ظلت كبيرة، لأن سكان مصر تزايدوا بوتيرة كفيلة بتجديد الرصيد باستمرار.

العبء ليس موزعًا بالتساوي. فالأمية أعلى بوضوح بين النساء منها بين الرجال، وفي الريف أكثر من المدن، وتبلغ ذروتها بين النساء الريفيات الأكبر سنًا في الصعيد — الفئة التي كانت الأكثر حرمانًا من المدرسة أصلًا قبل جيل أو جيلين. وللمشكلة رافد يغذيها: الأطفال الذين يتسربون من المدرسة مبكرًا، أو يمرون بها دون أن يتعلموا حقًا، يصبحون الدفعة التالية من الكبار الذين بالكاد يقرؤون.

أهمية القضية تتجاوز القراءة للمتعة بكثير. فالإلمام بالقراءة يرتبط، في دراسة بعد أخرى حول العالم، بالصحة والدخل ومصير الجيل التالي: الأم التي تقرأ تتبع جرعات الدواء بدقة، وتنجز أوراق أبنائها، وتساعدهم في واجباتهم. والبالغ الذي يقرأ يراجع العقد قبل التوقيع، ويقارن الأسعار، ويستخدم الهاتف الذكي في أكثر من المكالمات. الأمية ضريبة صامتة تُدفع في كل تعامل مع دولة وسوق حديثتين.

خاضت مصر هذه المعركة زمنًا طويلًا. فحملات محو الأمية تعود إلى منتصف القرن العشرين، وفي عام 1991 أنشأ القانون رقم 8 الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، الجهة الحكومية المكلفة بتنظيم الفصول ووضع المناهج وامتحان الدارسين. وشهادتها مفتاح حقيقي: فهي تثبت إلمام الكبار بالقراءة والكتابة، وتفتح باب مواصلة التعليم أمام من أراد المضي أبعد من ذلك.

تعمل الهيئة عبر الشراكات بقدر ما تعمل عبر فصولها — مع المحافظات والمساجد والكنائس، ومع الجامعات. ومن أكثر الآليات المصرية تميزًا تجنيد طلاب الجامعات لتدريس فصول محو الأمية مع حوافز مرتبطة بمشاركتهم؛ نموذج يحول جموع الطلاب الهائلة في البلاد إلى قوة تدريس، ويبني في أفضل صوره جسرًا بين الأجيال: شاب في العشرين يعلّم ستينيًا الحروف.

ويحمل المجتمع المدني نصيبًا كبيرًا من الحمل. فجمعية صناع الحياة تنظم حملات تطوعية لمحو الأمية منذ عقدين، ومؤسسة مصر الخير تجعل محو الأمية أحد أركان عملها التنموي، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية وكاريتاس مصر تديران برامج لتعليم الكبار منذ أجيال، قبل أن يصبح الأمر رائجًا بزمن طويل. وبين هؤلاء جميعًا تصل فصول الجمعيات إلى قرى وأحياء لا يغطيها أي جدول حكومي.

علّمت عقود الخبرة — في مصر والعالم — ما الذي ينجح. الكبار ليسوا أطفالًا كبارًا: إنهم يتعلمون أسرع حين تخاطب المادة حياتهم، وهو النهج المعروف بمحو الأمية الوظيفي. فالمنهج المبني على قراءة روشتة الدواء وفاتورة الكهرباء وأسعار السوق ورسائل الهاتف يُبقي الدارسين في مقاعدهم، أما الكتب المجردة فتنفّرهم. واليونسكو، التي تحتفي باليوم الدولي لمحو الأمية في الثامن من سبتمبر كل عام، وثّقت الدرس نفسه في كل قارة.

وبالنسبة للنساء — وهن غالبية الدارسين — التفاصيل تحسم كل شيء: فصول تُجدول حول أعمال البيت ومواسم الحصاد، وتُعقد في مكان تطمئن إليه أسرة محافظة، ويدرّس فيها من لا يُشعر جدّة بالخجل إن تعثرت. وأنجح البرامج تقرن القراءة بشيء يريده الدارسون فورًا — خياطة، أو مهارات مشروع صغير، أو أهلية للتمويل متناهي الصغر، أو دورة في استخدام الهاتف — فتصل القراءة إليهم بوصفها أداة لا امتحانًا.

الصورة الأمينة تشمل العقبات أيضًا. فالتسرب من فصول الكبار مرتفع في كل مكان؛ موسم حصاد أو مرض أو زوج متشكك قد ينهي مشوار تعليم. والانتكاس حقيقي كذلك: القارئ الجديد الذي لا يجد ما يقرؤه يتراجع إلى الوراء، ولهذا تهم مواد المتابعة ومراحل «ما بعد محو الأمية». وتبقى مشكلة الرافد قائمة — فكل طفل يغادر المدرسة عاجزًا عن القراءة يمحو، إحصائيًا، ما أنجزه فصل كامل للكبار.

لهذا فإن للقضية جبهتين. الأولى تعليم كبار اليوم، وهي تحتاج متطوعين وتمويلًا وتشجيعًا اجتماعيًا لا إحراجًا — أن نحتفي بابن الستين الذي يجلس لامتحان بدل أن نتندر عليه. والثانية إغلاق الصنبور: إبقاء الأطفال في المدارس والتأكد من أن سنواتهم فيها تنتج قراءة فعلية، حتى تشتغل فصول الهيئة على تصفية رصيد متناقص لا على نهر جارٍ لا ينقطع.

يمكن لأي إنسان أن يقف في مكان ما على هذه الجبهة: أن يدرّس في حملة، أو يموّل فصلًا، أو يكتفي بتشجيع أب أو جارة على الالتحاق والاستمرار — وأن يعامل جهدهم بالاحترام الواجب لأي طالب علم. فالمجتمع الذي يقرأ فيه كل الكبار لا يُبنى بقرار واحد، بل يُجمَّع حرفًا حرفًا، في غرف صغيرة بعد صلاة العشاء، على أيدي أناس قرروا أن عبارة «فات الأوان» لا تنطبق على التعلم.

مواد ذات صلة

قضايا الوطن الكبرى

السلامة على الطرق في مصر: مخاطر موثقة وحلول أثبتت جدواها

كل عام يفقد آلاف المصريين حياتهم على الطرق. الأسباب موثقة: السرعة الزائدة، ومركبات غير صالحة، وإنفاذ متقطع للقانون. والحلول التي خفّضت الوفيات بشدة في دول أخرى موثقة أيضًا. قراءة في ما يقوله الدليل العلمي، ولماذا لا وفاة على الطريق قدرًا محتومًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

مشهد لشارع شديد الازدحام في القاهرة يعج بالمشاة والسيارات وواجهات المحال، يجسد الضغط اليومي للنمو السكاني المتسارع على الخدمات والمساحات.
قضايا الوطن الكبرى

الزيادة السكانية: كيف نحوّلها من عبء يلتهم التنمية إلى ثروة بشرية؟

تجاوز عدد سكان مصر مئة مليون نسمة، وكل زيادة في التنمية يلتهم النمو السكاني جانباً كبيراً منها. لكن تجارب إيران وبنغلاديش وإندونيسيا وتونس وكوريا الجنوبية تثبت أن التحول ممكن: من عبء يستنزف الاقتصاد إلى ثروة بشرية تصنع النهضة. هذه خريطة الحلول العملية: ما تفعله الأسرة، وما تفعله الدولة، وما يفعله الإعلام.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة