تخطَّ إلى المحتوى
زائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
Severin.stalder / Wikimedia Commons (CC BY-SA 3.0)

يظهر في الكتب المدرسية وبرامج المسابقات وأحاديث العشاء الواثقة في كل قارة: سور الصين العظيم، كما يقال لنا، هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر بالعين المجردة — أو، في النسخة الأخف، المرئي «من الفضاء». قليلة هي الادعاءات التي تتكرر بهذه الثقة، وقليلة هي التي يسهل التحقق منها إلى هذا الحد، لأن بشرًا وقفوا فعلًا على سطح القمر وداروا حول الأرض طوال عقود. وشهادتهم، مدعومة بعلم البصريات البسيط، لا لبس فيها — وهي تقول العكس.

أغرب ما في هذه الخرافة عمرها: فقد وُلدت قبل أن يستطيع أحد الطيران بزمن طويل. فمنذ القرن الثامن عشر، تخيّل عالم الآثار الإنجليزي وليم ستيوكلي في رسالة له أن السور قد يُرى من القمر، وكرر كتّاب القرن التاسع عشر العبارة البلاغية. وفي القرن العشرين نشرتها سلسلة «صدّق أو لا تصدّق» الشهيرة على الملايين. وحين وُجدت الصواريخ أخيرًا، كانت «الحقيقة» قد استقرت في الكتب المدرسية — تخمين عن الفضاء أُطلق من مقعد وثير، قبل قرون من رحلات الفضاء.

لنبدأ بالقمر، الذي يبعد نحو 384 ألف كيلومتر. من تلك المسافة تبدو الأرض كلها بحجم ظفر إبهام في ذراع ممدودة: قرص أزرق وأبيض لامع ميّز عليه الرواد المحيطات والقارات والسحب الدوّارة — ولا شيء البتة مما بنته يد الإنسان. وقد قدّم العلماء تشبيهًا حيًا للمقياس المطلوب: تمييز سور الصين من القمر يعادل تقريبًا رصد شعرة إنسان واحدة من مسافة تزيد على ثلاثة كيلومترات.

وقد قالها أصحاب الموقع الأفضل للمعرفة بوضوح. فرواد أبولو الذين طاروا إلى القمر أفادوا بأن لا بناء بشريًا من أي نوع يمكن رؤيته منه؛ ووصف آلان بين، رائد أبولو 12، المشهد بأنه كرة جميلة من سحاب أبيض ومحيط أزرق وبقع صحراء صفراء، من دون أي شيء من صنع الإنسان يمكن تمييزه على تلك المسافة. مشى اثنا عشر إنسانًا على سطح القمر ودار حوله كثيرون غيرهم؛ ولم يذكر واحد منهم أنه رأى السور. في نسخة «من القمر» من الادعاء، الشهادة إجماعية.

فماذا عن المدار الأرضي المنخفض، على ارتفاع نحو 400 كيلومتر فقط، حيث تحلّق محطة الفضاء الدولية؟ هنا يهزم تصميمُ السور نفسه العينَ. فمعظمه لا يزيد عرضه على خمسة إلى تسعة أمتار — أضيق من كثير من الطرق السريعة — وقد بُني من تراب المكان وحجارته، فلونه يذوب في سلاسل التلال التي يتتبعها. ورؤية أي بناء من أعلى تتوقف على عرضه وتباينه مع محيطه، والسور يفتقر إلى الاثنين. أما الطرق والمطارات والسدود، الأعرض والأسطع، فهي في الواقع أسهل تمييزًا.

الشهادة الحاسمة جاءت عام 2003 من يانغ ليوي، أول رائد فضاء صيني، بعد دورانه حول الأرض على متن «شنتشو 5». فحين سُئل السؤال الذي أرادت أمته كلها إجابته، أجاب بأمانة أنه لم يستطع رؤية السور. وأثارت إجابته ضجة في الصين تحديدًا لأن الادعاء كان واردًا في كتب مدرسية صينية، ودفعت إلى نقاش عام حول تصحيحها. وقد صوّر رواد محطة الفضاء الدولية السور — لكن بعدسات مقرّبة قوية ومع معرفة دقيقة بمكان النظر، وذلك شيء مختلف عن الرؤية بالعين المجردة.

لماذا صمدت الخرافة كل هذا الصمود؟ جزئيًا لأنها تُطري: فهي تتوّج نصبًا مهيبًا حقًا بلقب لا ينازعه فيه منافس. وجزئيًا لأنها تُدوولت قرنين كاملين قبل أن يستطيع أحد اختبارها، فتصلّبت إلى «معرفة عامة». وجزئيًا لأن عبارة «مرئي من الفضاء» غامضة على نحو مريح — فمن مدار منخفض بما يكفي، في إضاءة مثالية، وبعيون مدرّبة، يمكن الجدال في شبه الرؤية إلى الأبد. أما نسخة القمر فلا تحتمل جدالًا على الإطلاق.

للنسخة الصادقة من السؤال إجابة أجمل بكثير. فما يراه الرواد فعلًا من المدار بالعين المجردة يشمل السواحل والمدن نهارًا، وفي الليل شبكات أضواء المدن المتلألئة — وهي من أكثر المشاهد تصويرًا من محطة الفضاء. وللمصريين هنا فخر خاص: فوادي النيل ودلتاه ليلًا، متوهجَين بالضوء وسط ظلام الصحراء، يشكلان أحد أشهر المناظر في التصوير المداري، وكثيرًا ما يُشبَّهان بزهرة لوتس مضيئة. الأشياء العريضة الساطعة عالية التباين هي ما تلتقطه العين — لا سورًا عرضه تسعة أمتار.

ومن الأعمال البشرية الأخرى المرئية أو القابلة للتصوير من المدار في ظروف جيدة: حقول الصوبات الزراعية الشاسعة في ألميريا بإسبانيا، التي تبدو رقعة شاحبة لامعة على الساحل؛ والمطارات الكبرى؛ والسدود والخزانات الضخمة؛ والجزر الاصطناعية قبالة دبي. ودرس هذه القائمة واحد ومتسق: المساحة والتباين هما المهمان، لا الطول. فالبناء الممتد آلاف الكيلومترات بعرض أمتار قليلة يتلاشى ببساطة، كما يختفي خيط طويل رفيع على سجادة منقوشة تنظر إليها من الطرف الآخر للغرفة.

الحكم إذن: خاطئ في نسختي الادعاء كلتيهما. فمن القمر لا يُرى أي بناء بشري على الإطلاق — الرواد الذين ذهبوا مجمعون، والبصريات تثبت النقطة رياضيًا. ومن المدار الأرضي المنخفض، يقف سور الصين، في أحسن الأحوال، على حافة الرؤية بالعين المجردة، وقد أفاد أول رائد فضاء صيني نفسه بأنه لم يستطع رؤيته. وقلّما يمكن اختبار ادعاء اختبارًا أشد مباشرة من إرسال بشر إلى نقطة الرصد المعنية — وقد رسب في الاختبار.

لا شيء من هذا ينتقص من السور نفسه. فالمسوح الرسمية الصينية للتراث تقدّر فروعه وأقسامه المتعددة بأكثر من عشرين ألف كيلومتر — منظومة دفاعية بُنيت وأُعيد بناؤها عبر نحو ألفي عام، وواحدة من أعظم المآثر الإنشائية في تاريخ البشرية. وهو لا يحتاج إلى خرافة. بل إن الحقيقة تحمل الدرس الأكثر تواضعًا: فمن بضع مئات من الكيلومترات فقط، يذوب كل ما بناه البشر تقريبًا في سطح الكوكب — وهي فكرة نافعة لكائنٍ يميل إلى المبالغة في تقدير مدى ظهوره.

مشاركة

مواد ذات صلة

سيارة إسعاف مصرية صفراء وزرقاء تقف أمام محال في شارع، ويظهر عليها رقم النجدة 123
الحقيقةزائف

«اكحّ بقوة تنجو من الأزمة القلبية وأنت وحدك».. رسالة واتساب تتناقلها البيوت المصرية، والطب يقول العكس

رسالة متسلسلة تصل إلى كل هاتف مصري تقريبًا: إذا داهمتك أزمة قلبية وأنت وحدك فاكحّ بقوة وبإيقاع حتى يعود القلب إلى انتظامه. جمعية القلب الأمريكية ترفض «الكحة الإنعاشية» صراحةً، والرسالة تخلط بين الأزمة القلبية والسكتة القلبية، وكل دقيقة تضيع في الكحّ بدل الاتصال بالإسعاف 123 المجاني تُحسب من عمر المريض. هذا ما يقوله الطب.

٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

تلاميذ بالزيّ المدرسي الأحمر في فناء مدرسة قاهرية ترابي، وتلميذة في المقدمة تحمل كراساتها وحقيبتها
الحقيقةزائف

«القراية في النور الضعيف بتبوّظ العين».. ما يؤكده أطباء العيون وما يغفله الأهل فعلًا

مع عودة المذاكرة المسائية تحت لمبة واحدة، يعود التحذير القديم: «هتعمي». فحصنا الادعاء بحرفه، فوجدنا أطباء العيون على رأي واحد: الضوء الخافت والجلوس قريبًا من الشاشة يُتعبان العين ولا يُتلفانها. لكن خلف هذا الاطمئنان يقف خطر حقيقي تغفله معظم البيوت، وتقديرات إقليمية تضع أطفال مصر في صدارته.

١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مائدة إفطار مصرية على مفرش أحمر: طبق فول مدمس وكوب شاي وعيش بلدي وسكرية ومحلب معدني
الحقيقةصحيح

«كوباية الشاي بعد الأكل بتمنع الحديد».. تحذير الأمهات الذي أثبته العلم بالأرقام، وحيلة بسيطة للخروج منه

من النادر أن يخرج تحذير من مطبخ البيت المصري فيصدّقه المعمل بهذا الوضوح. الشاي الأسود مع الوجبة يخفض امتصاص حديد العيش والعدس والخضار بنسب مذهلة، ولا يُنقذه اللبن. لكن الحل ليس هجر الصينية، بل تأخيرها ساعة واحدة، وقطعة ليمون على السفرة. نشرح الدليل، ولماذا يهم مصر تحديدًا.

١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة