تخطَّ إلى المحتوى

من الشكوى إلى القانون: رحلة قضية المواطن داخل البرلمان المصري

من الشكوى المكتوبة إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى، فطلب الإحاطة والسؤال البرلماني، وأحيانًا قانون جديد: دليل خطوة بخطوة إلى الطريق الموثق الذي تسلكه قضية المواطن داخل البرلمان المصري.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة

ماسورة مياه مكسورة، مدرسة لا أماكن فيها، معاش لا يصل: كل يوم تدفع المشكلات اليومية المواطن المصري إلى السؤال نفسه — من في الدولة يستطيع فعلًا إصلاح هذا؟ أحد الأجوبة الدستورية هو البرلمان. فالطريق من شكوى المواطن إلى ملف في لجنة، فإجابة وزير، وأحيانًا تعديل في القانون نفسه، طريق مكتوب في الدستور وفي اللائحة الداخلية للبرلمان. يتتبع هذا الشرح ذلك الطريق خطوة خطوة، بالترتيب الذي تسلكه قضية حقيقية.

نقطة البداية هي دستور 2014 الذي يمنح كل مواطن حق مخاطبة السلطات العامة كتابة، ويحدد وظيفتي البرلمان التوأمين: سن القوانين والرقابة على الحكومة التي تنفذها. وللبرلمان المصري غرفتان. مجلس النواب يملك الصلاحيات الحاسمة — إقرار التشريعات، واعتماد الموازنة، ومساءلة الوزراء، وفي الحد الأقصى سحب الثقة. أما مجلس الشيوخ، الذي أعيد عام 2020، فهو غرفة استشارية تدرس وتبدي الرأي في التعديلات الدستورية والمعاهدات ومشروعات القوانين المحالة إليه. ويمكن أن تظهر قضية المواطن في أي من الغرفتين، لكن الأدوات الملزمة تقع في مجلس النواب.

المدخل الأكثر مباشرة هو نائب الدائرة المنتخب عن منطقتك. فالنواب يفتحون مكاتب في دوائرهم ويعقدون لقاءات عامة لجمع مثل هذه الحالات تحديدًا. والنائب الذي يتبنى قضية يستطيع طرحها على الوزارة المعنية بشكل غير رسمي، فإذا لم يُجدِ ذلك صعّدها بالأدوات البرلمانية الرسمية. ويستطيع المواطن أيضًا تجاوز النائب الفرد وتقديم شكوى مكتوبة إلى البرلمان نفسه موجهة إلى رئيسه؛ فضمانة الدستور لمخاطبة السلطات العامة كتابة تغطي هذا النوع من التوجه بالضبط.

داخل مجلس النواب لجنة مهمتها كلها هذه الحركة: لجنة الاقتراحات والشكاوى. فهي تتلقى العرائض والشكاوى من الجمهور وتفرزها وتحيل كلًا منها إلى الوزارة أو الجهة المختصة مع طلب الرد. ثم تتابع اللجنة ما يعود إليها، ويمكن إحالة القضايا ذات الدلالة الأوسع إلى اللجنة النوعية المعنية — التعليم أو الصحة أو الإسكان وغيرها. شكوى واحدة نادرًا ما تغير سياسة، لكن نمطًا من الشكاوى المتشابهة يتجمع على المكتب نفسه هو إحدى الطرق التي يكتشف بها البرلمان مشكلة نظامية.

وحين يقرر نائب الضغط في قضية علنًا، تتيح اللائحة الداخلية أدوات رقابية متدرجة. فطلب الإحاطة يلفت نظر الحكومة إلى أمر عاجل ذي أهمية عامة ويمكن مناقشته في الجلسة العامة. والسؤال البرلماني أكثر تحديدًا: يوجَّه إلى وزير بعينه، والوزير ملزم بالإجابة، ويدخل السؤال والجواب معًا في المحضر الرسمي. هذه الأدوات لا تعاقب أحدًا، لكنها تفرض ردًا علنيًا موثقًا — وهو غالبًا الضغط الذي تحتاجه بالضبط قضية محلية معلقة.

أثقل أسلحة الرقابة هو الاستجواب، وهو عمليًا اتهام علني لوزير أو للحكومة بتقصير جسيم. يُناقش في الجلسة العامة ويمكن أن ينتهي، عبر إجراءات محددة، بتصويت على سحب الثقة. وللبرلمان أيضًا تشكيل لجان لتقصي الحقائق للتحقيق في ملف بعينه، مع سلطة جمع الأدلة واستدعاء المسؤولين. تُستخدم هذه الأدوات باقتصاد، وندرتها جزء من ثقلها؛ فمعظم قضايا المواطنين تُحل قبل ذلك بكثير في السلسلة، عند مستوى الإحالة أو الإحاطة أو السؤال.

لكن بعض المشكلات لا يستطيع أي وزير إصلاحها لأن القانون نفسه هو العقبة. وعندها يجب أن تتحول القضية إلى تشريع. فالدستور يمنح حق اقتراح القوانين لرئيس الجمهورية وللحكومة ولكل عضو من أعضاء مجلس النواب. وتُحال مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة أو من عُشر الأعضاء على الأقل مباشرة إلى اللجان النوعية المختصة، أما الاقتراح المقدم من عضو منفرد فتفحصه أولًا لجنة خاصة قبل أن يكمل الطريق نفسه. وعمليًا تبدأ معظم القوانين التي تُقر مشروعاتٍ حكومية، لكن اقتراحات النواب — المولودة غالبًا من شكاوى متراكمة وعمل خدمي في الدوائر — طريق معترف به يمكن أن تتحول عبره مظلمة مواطن إلى نص تشريعي.

كل اقتراح أو مشروع يذهب أولًا إلى اللجان، وهي المرحلة التي يجري فيها معظم العمل الحقيقي. فلجنة الشؤون الدستورية والتشريعية تفحص الدستورية والصياغة، بينما تدرس اللجنة النوعية المختصة بالموضوع المضمون وتعقد مناقشات وقد تستمع إلى الوزارات والخبراء والفئات المتأثرة. ثم تكتب اللجنة تقريرًا توصي فيه بالموافقة أو التعديل أو الرفض. ومشروعات القوانين التي تموت تموت هنا عادة بهدوء؛ أما التي تتقدم فتصل إلى قاعة الجلسة العامة ومعها تقرير مسبب يؤطر النقاش الذي سيشارك فيه كل الأعضاء.

في الجلسة العامة يناقش المجلس المشروع من حيث المبدأ ثم مادة مادة، مع اقتراح الأعضاء تعديلات والتصويت على كل منها. فالقانون العادي يُقر بالأغلبية ضمن قواعد نصاب محددة، بينما تتطلب القوانين المكملة للدستور أغلبية ثلثي جميع الأعضاء. وحيثما يقع الموضوع ضمن الاختصاص الاستشاري لمجلس الشيوخ، تدرس الغرفة الثانية النص وتعيد رأيها. وبمجرد إجراء التصويت النهائي يستقر النص الذي أقره مجلس النواب — ويكون نصيب البرلمان من الرحلة قد شارف الاكتمال.

ثم يذهب القانون المُقر إلى رئيس الجمهورية الذي له أن يصدّقه أو يعيده باعتراض خلال ثلاثين يومًا. فإذا أقره مجلس النواب مجددًا بأغلبية الثلثين صار قانونًا على أي حال. والخطوة الأخيرة التي لا غنى عنها هي النشر في الجريدة الرسمية، وبعدها يدخل القانون حيز النفاذ في التاريخ الذي يحدده. وعند تلك اللحظة فقط تكون الرحلة قد انتهت حقًا: فما بدأ شكوى مكتوبة أو سؤالًا في لجنة صار قاعدة ملزمة يجب على المحاكم والأجهزة تطبيقها.

وللمواطن درسان عمليان يترتبان على هذه الخريطة. الأول أن الدقة تُعين: فالشكوى التي تتضمن أسماء وتواريخ ومستندات وطلبًا واضحًا تقطع مسافة أبعد من التظلم العام، في كل مرحلة من مكتب الدائرة إلى قاعة اللجنة. والثاني أن تكون التوقعات واقعية. فالغالبية الساحقة من الشكاوى تُحل — أو لا تُحل — إداريًا عبر الإحالة والمتابعة؛ وقلة قليلة من القضايا هي التي تستلزم تشريعًا جديدًا. لكن الطريق الكامل موجود، ومكتوب في وثائق علنية، ومعرفته في ذاتها شكل من أشكال القوة المدنية: فالمواطن الذي يعرف الخطوة التالية يستطيع أن يُصر عليها.

مواد ذات صلة

قاعة جلسات البرلمان المصري من الداخل والأعضاء في مقاعدهم خلال جلسة عامة
مجلس الشيوخ

المرأة في البرلمان المصري: قصة الكوتا صعودًا وهبوطًا وعودة

من مقعد راوية عطية التاريخي عام 1957 إلى ضمانة دستورية بربع مقاعد مجلس النواب: الصعود والهبوط والعودة الموثقة للكوتا النسائية التي شكلت تمثيل المرأة في البرلمان المصري عبر سبعة عقود.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة