السكري في مصر: وباء صامت يمكن كبحه بخطوات بسيطة
ملايين المصريين يتعايشون مع مرض السكري، وكثيرون منهم لا يعلمون بإصابتهم أصلًا. في هذا الدليل نشرح عوامل الخطر وعلامات الإنذار المبكر، وكيف تقي نفسك وأسرتك بخطوات بسيطة أثبت العلم جدواها.

تضع تقديرات الاتحاد الدولي للسكري في السنوات الأخيرة مصر ضمن الدول العشر الأولى في العالم من حيث عدد البالغين المصابين بالمرض، إذ يتعايش ملايين المصريين مع السكري، وتشير التقديرات إلى أن نحو واحد من كل خمسة بالغين تقريبًا مصاب به أو معرض للإصابة الوشيكة. هذه الأرقام تجعل السكري واحدًا من أكبر تحديات الصحة العامة في البلاد، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الأمراض المزمنة قابلية للوقاية والتحكم.
السكري ببساطة هو ارتفاع مزمن في مستوى السكر بالدم نتيجة خلل في هرمون الإنسولين الذي يفرزه البنكرياس. النوع الأول يظهر غالبًا في الطفولة أو الشباب حين يتوقف الجسم عن إنتاج الإنسولين، ويحتاج المصاب به إلى حقن الإنسولين مدى الحياة. أما النوع الثاني، وهو الأكثر انتشارًا بفارق كبير، فينشأ حين تقل استجابة خلايا الجسم للإنسولين، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بنمط الحياة والوزن والعوامل الوراثية.
لماذا ينتشر المرض في مصر بهذه الصورة؟ تتضافر عدة عوامل: معدلات سمنة بين البالغين تُعد من الأعلى في المنطقة بحسب المسوح الصحية الوطنية، وتحول تدريجي في النظام الغذائي نحو النشويات المكررة والمشروبات المحلاة والوجبات الجاهزة، وقلة النشاط البدني في حياة مدنية تعتمد على الجلوس ساعات طويلة، إضافة إلى الاستعداد الوراثي الذي يجعل التاريخ العائلي للمرض عامل خطر رئيسيًا.
المشكلة الأخطر أن السكري من النوع الثاني قد يتسلل بصمت لسنوات قبل اكتشافه. تشير الدراسات العالمية إلى أن نسبة كبيرة من المصابين لا يعرفون بإصابتهم، ولا يكتشفون المرض إلا مصادفة في تحليل روتيني، أو حين تظهر أولى المضاعفات. هذه السنوات الصامتة يكون فيها السكر المرتفع يعمل في الخفاء على إتلاف الأوعية الدموية والأعصاب.
ثمة علامات إنذار مبكرة تستحق الانتباه: العطش الشديد المتكرر، وكثرة التبول خاصة ليلًا، والإرهاق المستمر دون سبب واضح، وتشوش الرؤية، وبطء التئام الجروح، وفقدان الوزن غير المبرر، والتنميل في الأطراف. ظهور واحدة أو أكثر من هذه العلامات لا يعني بالضرورة الإصابة، لكنه سبب كافٍ لإجراء تحليل بسيط لا يستغرق دقائق.
إهمال السكري أو ضعف السيطرة عليه يفتح الباب لمضاعفات جسيمة: اعتلال شبكية العين الذي قد ينتهي بفقدان البصر، والفشل الكلوي، وأمراض القلب والشرايين، واعتلال الأعصاب الطرفية، وقرح القدم التي قد تصل في الحالات المتأخرة إلى البتر. الخبر الجيد أن الالتزام بالعلاج والمتابعة المنتظمة يقلل هذه المخاطر بدرجة كبيرة جدًا.
الاكتشاف المبكر هو خط الدفاع الأول، والفحص بسيط ومتاح: تحليل سكر صائم أو تحليل السكر التراكمي الذي يعكس متوسط السكر خلال نحو ثلاثة أشهر. ينصح الأطباء بالفحص الدوري لكل من تجاوز الأربعين، ولمن هم أصغر سنًا إذا كان لديهم وزن زائد أو تاريخ عائلي للمرض أو سيدة أصيبت بسكري الحمل. وقد أدرجت مبادرة «100 مليون صحة» فحص السكري ضمن مسوحاتها الواسعة، ما ساعد على اكتشاف حالات كثيرة لم تكن تعلم بإصابتها.
أما الوقاية فقواعدها راسخة علميًا وبسيطة عمليًا. أثبتت دراسات كبرى أن إنقاص الوزن بنسبة تتراوح بين خمسة وسبعة في المئة فقط يخفض خطر تحول مقدمات السكري إلى مرض فعلي بأكثر من النصف. يضاف إلى ذلك نشاط بدني معتدل كالمشي السريع نصف ساعة معظم أيام الأسبوع، والإقلال من المشروبات المحلاة والحلويات، وتفضيل الحبوب الكاملة والخضراوات والبقوليات التي تزخر بها المائدة المصرية التقليدية.
من شُخّصت إصابته بالفعل يستطيع أن يعيش حياة طبيعية ممتدة شرط الالتزام: تناول الأدوية في مواعيدها وعدم قطعها من تلقاء النفس، ومتابعة السكر التراكمي دوريًا، وفحص العين والكلى سنويًا، والعناية اليومية بالقدمين وتفقدهما بحثًا عن أي جرح صغير. ومن يرغب في صيام رمضان عليه استشارة طبيبه قبل الشهر الكريم لضبط جرعات الدواء ومواعيده، فبعض الحالات يمكنها الصيام بأمان وبعضها الآخر يُنصح بعدمه.
ويستحق ما يسميه الأطباء «مقدمات السكري» وقفة خاصة، وهي المرحلة التي يكون فيها السكر أعلى من الطبيعي دون أن يبلغ حد التشخيص. هذه المرحلة ليست حكمًا نهائيًا بل فرصة ذهبية، إذ يمكن بتعديل الغذاء والحركة والوزن إعادة السكر إلى معدلاته الطبيعية وتجنب المرض كليًا في كثير من الحالات.
في النهاية، السكري قضية أسرة لا قضية فرد. حين يتبنى البيت كله عادات أفضل — سفرة فيها خضار وبقوليات أكثر وسكريات أقل، ومشي جماعي بدل السهرات الجالسة، وماء بدل المشروبات الغازية — تنخفض مخاطر الجميع، ويكبر الأطفال على نمط يقيهم مرضًا يمكن ألا يصيبهم أبدًا. الفحص المبكر لا يستغرق دقائق، لكنه قد يضيف إلى العمر سنوات.
مواد ذات صلة
«100 مليون صحة»: كيف فحصت مصر أمة كاملة ولماذا يهم المسح الطبي الشامل
في 2018 أطلقت مصر حملة «100 مليون صحة» لتفحص كل بالغ مجانًا بحثًا عن فيروس الكبد «سي» وضغط الدم والسكر والسمنة. كيف عملت واحدة من أكبر حملات المسح الصحي في التاريخ، وماذا وجدت، ولماذا يغيّر الفحص الجماعي وجه الصحة العامة؟
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة
مواجهة الحر: كيف نتعرّف على ضربة الشمس ونحمي العمال وكبار السن في صيف مصر
ضربة الشمس حالة طوارئ طبية تقتل سريعًا لكنها قابلة للوقاية بالكامل تقريبًا. دليل عملي للتعرف على علامات الخطر وحماية العاملين في العراء وكبار السن خلال صيف مصر الطويل الحارق.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة
معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة