تخطَّ إلى المحتوى

فراعنة كرة اليد: كيف صعدت مصر إلى نخبة العالم

كرة اليد لعبة أوروبية بامتياز — إلا في مصر. استضافت بطولتي عالم، وتحمل رصيدًا وافرًا من الألقاب الأفريقية، وتوّج ناشئوها بلقب عالمي، وحلّ منتخبها رابعًا في أولمبياد طوكيو. هكذا بنى الفراعنة خط إنتاج يبدأ من المدرسة وينتهي في النادي ليبقيهم بين الكبار.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
لاعبو كرة يد محترفون يستعدون للمباراة في صالة مغطاة

نخبة كرة اليد نادٍ أوروبي مغلق: الدوريات الاحترافية ودوري الأبطال ومعظم ألقاب العالم ملك للقارة التي ابتكرت اللعبة الحديثة. لكن الاستثناء الكبير منذ عقود اسمه مصر. فمنتخب «الفراعنة» يبلغ الأدوار الإقصائية لبطولات العالم بانتظام، واستضاف البطولة مرتين، ويحمل رصيدًا وافرًا من الألقاب القارية، وكان في أولمبياد طوكيو على بُعد مباراة واحدة من منصة التتويج. لا توجد دولة أخرى خارج أوروبا تجمع هذا السجل، وهو سجل يقوم على منظومة تبدأ، حرفيًا، من فناء المدرسة.

ترسّخت اللعبة في مصر في منتصف القرن العشرين، وانتشرت عبر المدارس والجامعات والأندية الرياضية قبل أن ينظّم اتحاد وطني مسابقاتها. وصارت مصر رائدة اللعبة أفريقيًا: قوة مبكرة وثابتة في البطولات القارية، وضيفًا منتظمًا منذ التسعينيات على بطولات العالم والدورات الأولمبية. وبينما عاملت بلدان أخرى مهووسة بكرة القدم كرةَ اليد باعتبارها أمرًا ثانويًا، منحتها الأندية المصرية الصالات والمدربين ومكانة كريمة إلى جوار الألعاب الأشهر — وهو قرار ظل يؤتي ثماره نصف قرن.

وعلى الساحة الأفريقية رسمت المنافسة بين مصر وتونس ملامح اللعبة؛ إذ تبادل البلدان لقب بطولة أفريقيا للرجال على مدى عقود، وتقف مصر بين أكثر المنتخبات تتويجًا في تاريخ البطولة بعدما أضافت عدة ألقاب في نسخها الأخيرة. وهذه السيادة القارية أهم من الكؤوس ذاتها: فبطل أفريقيا يحجز بطاقته إلى الألعاب الأولمبية، والتأهل المنتظم أبقى كرة اليد المصرية ممولة وحاضرة على الشاشات وجاذبة لكل جيل جديد من الناشئين وهم يختارون رياضتهم.

وفي عام 1999 جلبت مصر بطولة العالم للرجال إلى الأرض الأفريقية للمرة الأولى. كانت بطولة القاهرة بيانًا عمليًا: عرس اللعبة الأكبر يمكن أن ينجح خارج قلبها الأوروبي، والمنتخب المضيف يمكن أن ينافس فيه بجدية. وكانت البطولة لكرة اليد المصرية بمثابة عبور: برهان لجمهورها على أن المنتخب أهل للصف الأول، وبرهان للاتحاد الدولي على أن مصر قادرة على تنظيم أكبر مسارح اللعبة.

وبعد اثنين وعشرين عامًا كررتها مصر على نطاق أكبر بكثير. فبطولة العالم 2021 في مصر كانت الأولى بمشاركة 32 منتخبًا، وأقيمت في صالات جديدة وتحت إجراءات وبائية صارمة. وداخل الملعب قدّم أصحاب الأرض واحدة من أعظم ملاحم البطولة: ربع نهائي أمام الدنمارك، البطل لاحقًا، صمد في الوقت الأصلي ثم الإضافي قبل أن يفلت في ضربات الترجيح. ترك الخروج غصة، لكن الأداء أعلن أن هذا الجيل المصري قادر على الوقوف ندًا لأفضل منتخبات العالم.

وجاء ذلك الصيف ليؤكد الرسالة. ففي أولمبياد طوكيو تغلبت مصر على ألمانيا في ربع النهائي لتبلغ نصف النهائي الأولمبي لأول مرة، وأرهقت فرنسا، ثم خسرت مباراة البرونزية أمام إسبانيا بفارق ضئيل. كان المركز الرابع موجعًا وتاريخيًا في آن: أفضل إنجاز أولمبي لمنتخب أفريقي في كرة اليد. عاد الفريق بلا ميدالية لكنه عاد بما يوازيها تقريبًا: قناعة، يشاركه فيها أهل اللعبة، بأن مصر باتت عضوًا دائمًا في نخبة كرة اليد.

ولم يأتِ شيء من ذلك من فراغ. ففي عام 2019 توّج منتخب مصر تحت 19 عامًا بلقب بطولة العالم للناشئين — وهو لقب تعدّه الأكاديميات الأوروبية ملكية خاصة — كما توغّلت منتخبات الشباب المصرية مرارًا في البطولات الدولية. هذه النتائج هي القمة الظاهرة لخط إنتاج كامل: فحين يبلغ اللاعب المصري العشرين قد يكون خاض من كرة اليد المنظمة التنافسية أكثر مما خاض كثير من أقرانه الأوروبيين، وغالبًا داخل بنية نادٍ واحد يعرفه منذ الطفولة.

يبدأ خط الإنتاج من الرياضة المدرسية، حيث ظلت كرة اليد ركنًا ثابتًا في حصص التربية البدنية ودوريات المدارس، وحيث يراقب كشافو الأندية أطفالًا في التاسعة أو العاشرة. وتدير أندية القاهرة والإسكندرية الكبرى — الأهلي والزمالك وسبورتنج وأقرانها — فرقًا للمراحل السنية كافة، بمدربين مؤهلين ومنافسات على مدار العام وسلّم واضح من كرة اليد المصغّرة إلى الفريق الأول. فالموهوب في الثانية عشرة يعرف طريقه بدقة، لأن مئات سبقوه عليه.

وهذه الأندية قوى بحد ذاتها. فقد توّج الأهلي والزمالك ببطولات أفريقيا للأندية مرارًا، واعتليا منصات بطولة العالم للأندية «سوبر جلوب» في مواجهة عمالقة أوروبا. وديربيهما يملأ الصالات والشاشات مانحًا كرة اليد المحلية فرجة قلّما توفرها دولة من خارج أوروبا. وبالنسبة إلى اللاعبين يعني الدوري القوي مباريات حقيقية كل أسبوع؛ وبالنسبة إلى المنتخب يعني مدربًا يبني على تفاهمات تدرّبت معًا طوال الموسم.

وتنتج المنظومة شخصيات كما تنتج نتائج. فقد غدا أحمد الأحمر، الذي قاد ناديه ومنتخبه حتى ما بعد الأربعين، رمزًا لاحترافية كرة اليد المصرية وطول نفَسها. وحوله وبعده انتقل جيل من الدوليين إلى أقوى الدوريات الأوروبية، يختبرون أنفسهم أسبوعيًا أمام أفضل لاعبي العالم ويعودون إلى المنتخب أكثر مضاءً. وتصدير اللاعبين، الذي كان يُحسب خسارة، صار جزءًا من الخطة: خبرة تُكتسب في الخارج وتتدفق عائدة مباشرة إلى الفريق.

ولم يتبقَّ سوى الخطوة الأخيرة. فقد استضافت مصر العالم، وهزمت الكبار في مباريات فردية، وكدّست ألقاب الناشئين؛ وتبقى ميدالية عالمية أو أولمبية للكبار هي السطر الناقص في السجل. حُسمت حجة البنية التحتية بالصالات التي بُنيت لمونديال 2021، وحُسمت حجة المواهب بعقدين من نهائيات الشباب. وأهل اللعبة في القاهرة يتحدثون عن المنصة لا كحلم بل كموعد — ومع خط الإنتاج القائم خلف الفراعنة، قليلون في اللعبة يجرؤون على المراهنة ضدهم.

مواد ذات صلة

صوت الجماهير

من نصير إلى الجندي: قرن من الميداليات المصرية في الأولمبياد والبارالمبياد

من ذهبية السيد نصير عام 1928 إلى لقب أحمد الجندي القياسي في باريس، ومن فاطمة عمر إلى شريف عثمان على منصة رفع الأثقال البارالمبية: قرن كامل من الميداليات المصرية الأولمبية والبارالمبية، صُنع معظمها بالقوة الخالصة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة