تخطَّ إلى المحتوى

هوليوود على النيل: العصر الذهبي للسينما المصرية

على مدى ثلاثة عقود جعلت استوديوهات القاهرة مصرَ عاصمة السينما في العالم العربي. من تأسيس استوديو مصر عام 1935 إلى فاتن حمامة وعمر الشريف و«باب الحديد»، هكذا بُني العصر الذهبي، ولماذا ما زالت كلاسيكياته بالأبيض والأسود تُعرض حتى اليوم.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
صورة بالأبيض والأسود من العصر الذهبي للسينما المصرية تُظهر أحد نجوم الكلاسيكيات أو إحدى دور العرض التاريخية في القاهرة

لنحو ثلاثة عقود، من أواخر الثلاثينيات حتى أواخر الستينيات، كانت القاهرة عاصمة الفن السابع بلا منازع في العالم العربي. كانت استوديوهاتها تُخرج الميلودراما والاستعراض الغنائي والكوميديا بوتيرة لم يجارِها فيها أي بلد مجاور، وكان نجومها معروفين من الدار البيضاء إلى بغداد. يسمي النقاد والمؤرخون تلك الحقبة «العصر الذهبي للسينما المصرية»، ونالت المدينة نفسها لقبًا ظل ملازمًا لها: «هوليوود الشرق» أو «هوليوود على النيل». هذه حكاية بناء تلك الصناعة، والوجوه التي صنعت بريقها، وسر بقاء أفلامها على الشاشات إلى اليوم.

وصلت السينما إلى مصر مبكرًا على نحو مدهش؛ فقد عُرضت الصور المتحركة في الإسكندرية عام 1896، بعد أشهر قليلة من أولى عروض الأخوين لوميير في باريس، وسرعان ما ظهرت دور عرض دائمة في الإسكندرية والقاهرة. ولعقود ظلت الشاشات تعرض أفلامًا مستوردة في الغالب، لكن المصريين انتقلوا تدريجيًا إلى خلف الكاميرا. ويُحتفى بالفيلم الصامت «ليلى» (1927)، الذي أنتجته وقامت ببطولته الرائدة عزيزة أمير، بوصفه أول فيلم روائي طويل مصري، ودليلًا — في وقت لم يصدّق فيه كثيرون — على أن قيام سينما وطنية أمر ممكن.

ثم جاء الصوت فغيّر كل شيء. في عام 1932 أنتجت مصر أولى أفلامها الناطقة، ومنها «أولاد الذوات» والفيلم الغنائي «أنشودة الفؤاد»، فاكتشف الجمهور أن الشاشة يمكن أن تحمل أصواتًا مصرية وأغنيات مصرية. وبعد ثلاث سنوات جاءت الخطوة الحاسمة: افتتاح «استوديو مصر» عام 1935 على يد الاقتصادي طلعت حرب ضمن مجموعة بنك مصر الصناعية. وبمراحل تصويره الحديثة ومعامله وفنييه المدرَّبين في أوروبا، كان أول استوديو متكامل التجهيز في المنطقة، ومنح السينما المصرية عمودها الفقري الصناعي.

ودارت آلة الاستوديوهات على الغناء. فالأفلام الاستعراضية المبنية حول الموسيقار محمد عبد الوهاب والمحبوبة ليلى مراد ملأت دور العرض، ووضع إنتاج استوديو مصر المبكر «وداد» (1936) المطربة الكبيرة أم كلثوم على الشاشة. وأضاف فريد الأطرش سلسلته من الرومانسيات الغنائية، غالبًا إلى جوار الراقصة سامية جمال، بينما جعلت تحية كاريوكا من الرقص الشرقي فنًا سينمائيًا قائمًا بذاته. وكانت الأفلام تسافر بأغانيها: أغنية ناجحة في إنتاج قاهري يدندنها العالم العربي كله في غضون أشهر من عرضها الأول.

وكانت الكوميديا والميلودراما الركيزتين الأخريين للصناعة. حمل عملاق المسرح نجيب الريحاني فكاهته الإنسانية اللاذعة إلى الشاشة في أفلام مثل «غزل البنات» (1949)، ثم أصبح إسماعيل ياسين لاحقًا وجه الكوميديا الشعبية ببطولته سلسلة كاملة من الأفلام حملت اسمه. وعلى الضفة العاطفية المقابلة وقف يوسف وهبي، أرستقراطي الميلودراما المسرحية، الذي علّمت مواعظه المدوّية جيلًا من الممثلين كيف يملأ اللقطة القريبة. وبين الضحك والدموع تعلمت الاستوديوهات أن تخدم كل الأذواق في البرنامج نفسه.

وإلى جانب آلة الترفيه تشكّلت سينما أكثر جدية. تتبّع فيلم كمال سليم «العزيمة» (1939) ناسًا عاديين في حارة قاهرية شعبية، ويُعد الفيلم المؤسس للواقعية المصرية. وعمّق صلاح أبو سيف هذه المدرسة بعد الحرب، ومنحها يوسف شاهين تحفة خالدة بفيلم «باب الحديد» (1958) الذي أدى فيه بنفسه دور بائع صحف أعرج يلتهمه الهوس. وتغذّت الشاشة من الرواية أيضًا: فقد بيّن «دعاء الكروان» (1959) لهنري بركات، المأخوذ عن رواية طه حسين، كيف يمكن للاقتباس الأدبي أن يبلغ النقاد والجمهور معًا.

وسكّ العصر الذهبي نجومًا ما زالت أسماؤهم تفتح الأحاديث. جمعت فاتن حمامة، «سيدة الشاشة العربية»، بين الرهافة والصلابة عبر أربعة عقود من الأدوار. وقفز عمر الشريف، شريكها في البطولة والحياة، من القاهرة إلى العالمية عبر «لورنس العرب» (1962) و«دكتور جيفاجو». وأشاعت هند رستم بريقًا ونارًا، وتنقّلت شادية بخفة بين الغناء والدراما، وفي الستينيات جاءت الشابة سعاد حسني — «سندريلا الشاشة المصرية» — لتفتن المنطقة بأسرها. كان نظام النجوم يبيع التذاكر، لكنه أرسى أيضًا معايير باقية للحِرفة.

ولم تبقَ الأفلام المصرية حبيسة الداخل؛ إذ حملها الموزعون إلى كل عاصمة عربية، حيث التقى الجمهور شوارع مصر ونكاتها وأغانيها أسبوعًا بعد أسبوع. وهذا التصدير المتواصل أحد أسباب تحوّل اللهجة المصرية إلى أوسع صور العربية المحكية فهمًا، فقد شبّت أجيال في المنطقة كلها على سماعها في دور العرض. وفي الداخل، أرست قصور السينما في وسط القاهرة والإسكندرية ثقافة مدينية كاملة من العروض الأولى ومجلات الفن وأخبار النجوم، وصار الذهاب إلى السينما طقسًا أسبوعيًا لدى الأسر من كل الطبقات.

وجاءت الستينيات بنقطة تحوّل؛ إذ أمّمت الدولة قسطًا كبيرًا من الصناعة، وضمّت الاستوديوهات ودور العرض إلى قطاع عام أنتج أفلامًا طموحة — بينها اقتباسات أدبية كبرى — لكنه أنتج أيضًا بيروقراطية وديونًا. ويؤرّخ كثير من المؤرخين لنهاية العصر الذهبي بأواخر الستينيات، حين وهن نظام الاستوديوهات وتفرّق النجوم والمخرجون. وانتعش الإنتاج بأيدٍ خاصة في السبعينيات، غير أن الآلة المتكاملة القديمة — استوديو ونجم وملحّن وسلسلة دور عرض تعمل كيدٍ واحدة — لم تعد قط بهيئتها الكلاسيكية.

غير أن التراث نفسه صار في مأمن. فحين احتفلت السينما المصرية بمئويتها عام 1996 اختار النقاد أهم مئة فيلم مصري، وتصدّر «العزيمة» القائمة — وهي قائمة ما زالت تهدي المشاهدين حتى اليوم. ويُبقي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي تأسس عام 1976 وهو من أعرق مهرجانات المنطقة، المدينة على خريطة السينما العالمية، وتتواصل مشروعات الترميم لإنقاذ نسخ الكلاسيكيات كي تشاهدها أجيال جديدة كما شاهدها جمهورها الأول.

ولو سُئلنا لماذا تصمد هذه الأفلام لكان الجواب بسيطًا: لأنها لا تزال تُشاهد. فالقنوات الفضائية ومنصات البث تعرض كلاسيكيات الأبيض والأسود يوميًا، وأغانيها حية في الراديو والهواتف، وجُملها تُقتبس كأنها أمثال. وبالنسبة إلى صنّاع الأفلام يبقى العصر الذهبي درسًا رفيعًا في الحرفة: الحكاية والنجم والأغنية في توازن منضبط. أما لسائر الناس فهو ألبوم عائلي: صورة القاهرة الأنيقة الشقية التي أحبّها العالم العربي كله، بأربع وعشرين صورة في الثانية.

مواد ذات صلة

مآذن وواجهات أثرية مرمّمة على امتداد شارع المعز في القاهرة التاريخية والمارة يسيرون بين المعالم.
الفن والثقافة

القاهرة الإسلامية والقبطية: متحف مفتوح من باب الفتوح إلى الكنيسة المعلقة

قلّة من المدن تستطيع أن تمشي بزائرها عبر ألف عام من العمارة في نزهة واحدة. القاهرة التاريخية، المسجلة في قائمة التراث العالمي منذ 1979، تفعل ذلك: من شارع المعز ومساجده إلى كنائس مصر القديمة ومعبد بن عزرا، وقصة ترميم أعادت للحجر حياته.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة