تخطَّ إلى المحتوى

من المسودة إلى الجريدة الرسمية: كيف يُصنع القانون في مصر؟

كل قانون يمس حياة المواطن بدأ رحلته مسودة على ورق. نتتبع خطوة بخطوة الطريق الذي يقطعه التشريع في مصر: من حق الاقتراح، إلى لجان مجلس النواب، إلى رأي الشيوخ، حتى التصديق والنشر في الجريدة الرسمية.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة

قانون الإيجارات الذي يحكم علاقتك بمالك العقار، وقانون العمل الذي يحدد إجازاتك، وقانون المرور الذي تتعامل معه كل صباح: كل نص من هذه النصوص بدأ رحلته مسودة على ورق، ثم قطع طريقًا طويلًا رسمه الدستور خطوة بخطوة قبل أن يصبح ملزمًا للجميع. فهم هذا الطريق ليس ترفًا معرفيًا؛ فهو ما يتيح للمواطن أن يعرف متى يمكن التأثير في التشريع، ومن يُسأل عنه.

تبدأ الحكاية بحق اقتراح القوانين، وهو حق يقصره الدستور المصري على ثلاث جهات: رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء، وأي عضو من أعضاء مجلس النواب. عمليًا، تأتي الغالبية العظمى من التشريعات في صورة «مشروعات قوانين» تعدها الحكومة عبر وزاراتها المختصة، بينما تُسمى المبادرات المقدمة من النواب «اقتراحات بقوانين» وتخضع لمسار تمهيدي إضافي.

قبل أن تصل مشروعات القوانين الحكومية إلى قاعة البرلمان، يمر معظمها بمحطة قانونية بالغة الأهمية: قسم التشريع بمجلس الدولة. فالدستور يسند إلى مجلس الدولة مراجعة وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، وهي مراجعة فنية تستهدف ضبط الصياغة ومنع التعارض مع الدستور والقوانين القائمة قبل بدء المناقشة السياسية.

ثم يدخل المشروع إلى مجلس النواب، الغرفة الأولى صاحبة الاختصاص الأصيل بالتشريع، والتي تضم بتشكيلها الحالي 596 عضوًا بين منتخبين ومعينين. لا يُطرح المشروع على الجلسة العامة مباشرة، بل يُحال أولًا إلى اللجنة النوعية المختصة بموضوعه: لجنة القوى العاملة لقانون عمل، ولجنة الصحة لقانون دواء، وهكذا، وكثيرًا ما تشارك لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بوصفها حارس الصياغة القانونية في المجلس.

داخل اللجان يجري العمل الحقيقي الذي لا تنقله الكاميرات غالبًا: استماع إلى ممثلي الحكومة والخبراء والجهات المعنية، ومناقشة المواد بندًا بندًا، وإدخال تعديلات قد تعيد تشكيل المشروع بالكامل، ثم إعداد تقرير يُعرض على الجلسة العامة. أما اقتراحات القوانين المقدمة من النواب فتمر قبل ذلك بلجنة تفحص جديتها وجواز نظرها، وهي مرحلة تسقط فيها كثير من الاقتراحات.

في الجلسة العامة يناقش النواب المشروع من حيث المبدأ أولًا، فإذا وافقوا عليه انتقلوا إلى مناقشة مواده مادة مادة، والتصويت على كل منها وعلى ما يُقدم بشأنها من تعديلات، قبل تصويت نهائي على المشروع في مجموعه. والأصل أن تصدر الموافقة بالأغلبية المطلقة للحاضرين، أما القوانين المكملة للدستور، كقوانين الانتخابات والسلطة القضائية والحقوق والحريات، فيشترط الدستور لإقرارها موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس.

وللغرفة الثانية دور له طابع خاص؛ فمجلس الشيوخ، الذي أعيد إحياؤه بموجب التعديلات الدستورية لعام 2019 وانتُخب أول تشكيل له عام 2020 ويضم ثلاثمائة عضو، مجلس استشاري في جوهره. يؤخذ رأيه في اقتراحات تعديل الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح والتحالف وما يتصل بحقوق السيادة، وما يحيله إليه رئيس الجمهورية أو مجلس النواب من مشروعات قوانين. رأيه يثري النقاش ويوثقه، لكن الكلمة الفصل تبقى لمجلس النواب.

بعد إقرار البرلمان للقانون، ينتقل الملف إلى رئيس الجمهورية الذي يملك أحد طريقين: التصديق وإصدار القانون، أو الاعتراض عليه ورده إلى المجلس خلال ثلاثين يومًا. فإذا رُد القانون وأصر مجلس النواب عليه بأغلبية ثلثي أعضائه، صدر القانون رغم الاعتراض، وهي آلية توازن دستورية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ولا يكتمل ميلاد القانون إلا بالنشر؛ إذ تُنشر القوانين في الجريدة الرسمية، ويبدأ العمل بها بعد ثلاثين يومًا من اليوم التالي لتاريخ النشر ما لم يحدد القانون ذاته ميعادًا آخر. وبعد النفاذ تأتي مرحلة كثيرًا ما تحدد المصير العملي للتشريع: إصدار اللائحة التنفيذية التي تضعها الجهة المختصة لتفصيل أحكام القانون وتحويلها إلى إجراءات قابلة للتطبيق.

ويعرف الدستور استثناءً محسوبًا من هذا المسار الطويل، هو قرارات رئيس الجمهورية بقوانين التي يجيز إصدارها في غياب مجلس النواب عند الضرورة التي لا تحتمل التأخير، على أن تُعرض على المجلس فور انعقاده خلال المدة التي حددها الدستور، وإلا زال ما كان لها من قوة القانون. فالأصل يظل أن التشريع صناعة برلمانية.

الخلاصة أن القانون في مصر لا يولد بجرة قلم، بل عبر سلسلة من المحطات المتتابعة: اقتراح، فمراجعة فنية، فلجان، فمناقشة عامة، فرأي استشاري في أحوال محددة، فتصديق، فنشر، فلائحة تنفيذية. ومعرفة هذه المحطات تمنح المواطن والصحفي ومنظمات المجتمع خريطة واضحة: متى يُطرح الرأي، وأين تُقترح التعديلات، وأمام من تُساءل النصوص التي تحكم حياتنا اليومية.

مواد ذات صلة

منصة التشريع

قانون الإيجار بين القديم والجديد: حكاية سوقين تحت سقف واحد

ملايين الوحدات في مصر خاضعة لعقود إيجار قديمة بجنيهات رمزية، بينما يدفع جيرانها آلافًا بأسعار السوق. كيف نشأت الفجوة بين الإيجار القديم والجديد؟ وماذا قالت المحكمة الدستورية؟ وما الذي تغيّره الفترة الانتقالية الجديدة؟ شرح متوازن لموقف الطرفين.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

متسوقون يتفحصون البضائع في شارع سوق مزدحم بالقاهرة وتظهر واجهات المحال والسلع المعروضة
منصة التشريع

حقوقك مستهلكًا: الاسترجاع والضمان والإعلان الصادق في قانون حماية المستهلك

قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 يمنح المصريين حقوقًا واسعة: استرجاع السلع خلال أربعة عشر يومًا، وضمانًا حقيقيًا بالإصلاح والاستبدال، وحماية من الإعلانات المضللة. دليل مبسط لحقوق كثيرون لا يعرفون أنها ملكهم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة