قانون الإيجار بين القديم والجديد: حكاية سوقين تحت سقف واحد
ملايين الوحدات في مصر خاضعة لعقود إيجار قديمة بجنيهات رمزية، بينما يدفع جيرانها آلافًا بأسعار السوق. كيف نشأت الفجوة بين الإيجار القديم والجديد؟ وماذا قالت المحكمة الدستورية؟ وما الذي تغيّره الفترة الانتقالية الجديدة؟ شرح متوازن لموقف الطرفين.

في العمارة القاهرية نفسها، يمكن لشقتين متطابقتين تقريبًا أن تحكيا قصتين اقتصاديتين مختلفتين. الأولى مؤجرة بعقد وُقّع قبل عقود بمبلغ لا يكاد يشتري اليوم ساندويتشًا، والثانية بعقد أحدث تكلف آلاف الجنيهات شهريًا بأسعار السوق. هذا هو الانقسام بين نظامي «الإيجار القديم» و«الإيجار الجديد» في مصر، أحد أطول الملفات القانونية عمرًا وأكثرها شحنًا بالمشاعر، إذ يمس ملايين الأسر على جانبي العلاقة بين المالك والمستأجر.
بدأ تحديد الإيجارات في مصر إجراءً استثنائيًا في زمن الحرب في الأربعينيات، حين جعل نقص المساكن من الإيجارات مسألة نظام عام. وما بدأ مؤقتًا صار دائمًا وتوسع على مدى العقود التالية. واكتمل الإطار الذي حدد ملامح عصر «الإيجار القديم» الحديث بالقانون 49 لسنة 1977 والقانون 136 لسنة 1981، اللذين جمّدا الإيجارات عند قيمتها التعاقدية، وجعلا العقود تمتد تلقائيًا، وأجازا انتقالها إلى أفراد أسرة المستأجر. لم يعد عقد الإيجار عقدًا لمدة، بل صار في الواقع ترتيبًا لأجيال.
بالنسبة إلى المستأجرين، وفّر النظام القديم أمانًا يقترب من التملك دون ثمن التملك. فالإيجار لا يرتفع إلا بزيادات قانونية رمزية، والمالك لا يستطيع إنهاء العقد بإرادته، وعند وفاة المستأجر الأصلي يستمر العقد للزوج أو الأبناء المقيمين معه. ودفعت أسر كثيرة أيضًا «خلوًّا» كبيرًا عند دخولها، فهمته على أنه شراء لحق دائم. أما بالنسبة إلى الملاك، فقد عنت القواعد نفسها أن تظل العمارة ممتلئة نصف قرن وهي لا تدرّ دخلًا يُذكر.
جاءت نقطة التحول مع القانون 4 لسنة 1996 الذي أخرج الوحدات الجديدة أو التي خلت من شاغليها من النظام القديم وأعادها إلى القواعد العادية في القانون المدني. ومنذ ذلك التاريخ صارت العقود الجديدة تُبرم بحرية: يتفق الطرفان على الأجرة والمدة، وحين تنقضي المدة ينقضي العقد. ومنذ ذلك الحين تعيش مصر بسوقين إيجاريتين متوازيتين، واحدة مجمدة في الماضي وأخرى تتحرك مع التضخم، والفجوة بينهما تتسع كل عام.
حجم الانقسام موثق في الإحصاءات الرسمية. فقد أحصت بيانات التعداد وحدات الإيجار القديم بالملايين، متركزة في الأحياء القديمة بالقاهرة والإسكندرية ومدن الدلتا. والإيجارات التي لا تتجاوز حفنة جنيهات شهريًا شائعة في هذا المخزون، وهي مبالغ تسبق موجات متعاقبة من التضخم وتغير العملة. ويصف ملاك تحصيلهم إيجارًا سنويًا لا يغطي كلفة الانتقال لتحصيله، بينما تدرّ شقة مماثلة في العمارة المجاورة أسعار السوق التي تعكس الكلفة الحقيقية للسكن اليوم.
جانب المستأجرين من القصة يستحق وزنًا مساويًا. فكثير من مستأجري الإيجار القديم مسنّون أمضوا حياتهم البالغة كلها في الشقة نفسها وربّوا فيها أبناءهم ونظّموا معاشاتهم على أساس أجرة تحددت منذ زمن بعيد. ويشير آخرون إلى الخلوّ الذي دفعته أسرهم عند الدخول، وكان مبلغًا كبيرًا في حينه، دليلًا على أنهم اشتروا أكثر من إقامة مؤقتة. فالقانون القديم في نظرهم ليس غنيمة بل الأساس الذي بُنيت عليه قرارات عقود كاملة، والانكشاف المفاجئ على إيجارات السوق يعني بالنسبة إليهم التهجير.
تتجاوز التبعات الاقتصادية الطرفين. فمع تجميد الإيجار لم يجد الملاك حافزًا يُذكر لصيانة العمارات المتقادمة، وتدهور جانب كبير من مخزون الإيجار القديم تدهورًا ظاهرًا. وتقف وحدات مغلقة بلا استخدام لأن مستأجريها يحتفظون بها مجرد حيازات رخيصة، بينما يتنافس الوافدون الجدد إلى المدينة على معروض الإيجار الجديد المتقلص فترتفع أسعار السوق أكثر. ووصف الاقتصاديون الوضع طويلًا بأنه تشوّه يضر بسوق الإسكان في مجمله حتى وهو يحمي الأسر المقيمة داخله.
جاء التغيير في نهاية المطاف عبر القضاء. ففي 2018 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الامتداد التلقائي لعقود الإيجار القديمة المبرمة للأشخاص الاعتبارية كالشركات. ثم أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 حكمها الفارق بشأن الإيجارات السكنية، إذ رأت أن تثبيت الأجرة بصفة دائمة عند قيمتها التعاقدية التاريخية مخالف للدستور. ولم يُخلِ الحكم أحدًا من مسكنه، بل ألزم البرلمان بتصميم توازن جديد بين الحماية الدستورية للملكية والحماية الاجتماعية للمستأجرين.
ردّ البرلمان في 2025 بقانون ينهي حقبة الإيجار القديم تدريجيًا لا بين يوم وليلة. فتستمر عقود الإيجار القديم السكنية فترة انتقالية مدتها سبع سنوات، وغير السكنية خمس سنوات، تنقضي بعدها العقود وتعود الوحدات إلى السوق الحرة. وخلال الفترة الانتقالية ترتفع الأجرة فورًا إلى أمثال قيمتها القديمة مع حدود دنيا تختلف بحسب تصنيف المنطقة، ثم تزيد سنويًا بعد ذلك. وقرنت الدولة ذلك بتعهدات بمنح مستأجري الإيجار القديم المستحقين أولوية في الحصول على بدائل سكنية.
يعيد الجدل حول الإصلاح إنتاج خط الصدع القديم في الملف. فالمؤيدون يرون أن حقوق الملكية عُطلت جيلين كاملين، وأن الإيجارات الرمزية ظلم لم يعد الدستور يحتمله، وأن فترة انتقالية محددة التاريخ تمنح الطرفين أخيرًا يقينًا. والمنتقدون يقلقون على المسنين من أصحاب الدخول الثابتة، ويتساءلون عما إذا كانت البدائل السكنية ستتوافر حيث يعيش الناس ويعملون فعلًا، ويلاحظون أن سبع سنوات تمر سريعًا على أسرة لا مكان آخر لها. وكلا الطرحين يُقال بحسن نية، وكلاهما يصف بشرًا حقيقيين.
لكل من يمسه هذا الملف، الخطوة العملية الأولى هي معرفة النظام الذي يحكم عقده: فتاريخ العقد وتاريخ الوحدة يحسمان كل شيء. وعلى الملاك والمستأجرين في الإيجار القديم على السواء متابعة الإعلانات الرسمية عن إجراءات التنفيذ والتسجيل والبدائل السكنية، والاحتفاظ بكل مستند يتعلق بالإيجار. وستستمر تفاصيل انتقال بهذا الحجم في الاتضاح عبر اللوائح وأحكام القضاء، وفي مسألة تقرر أين تسكن الأسر، تتفوق النصوص الرسمية والمشورة القانونية المؤهلة على الشائعات في كل مرة.
مواد ذات صلة

قانون رعاية حقوق المسنين: ماذا يضمن القانون رقم 19 لسنة 2024 لمن بلغ الخامسة والستين؟
في اليوم الدولي لكبار السن نفتح القانون رقم 19 لسنة 2024 بنص مواده: من هو «المسن» قانونًا، ومن يُلزَم برعايته وبأي ترتيب، وكيف يصل المعاش إلى باب البيت برسم لا يتجاوز مئة جنيه، وما نسبة الأسرّة المجانية في دور الرعاية، وما عقوبة من يهمل مسنًا أو يمتنع عمدًا عن رعايته أو يستغله، وأين وقفت اللائحة التنفيذية حتى اليوم.
١ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

«المعلومات ملك للشعب»: المادة 68 من الدستور وقانون تداول المعلومات الذي ينتظره المصريون منذ 2014
موظف خلف الشباك يقول «مش من حقك تعرف»، والدستور يقول العكس بالحرف. عشية اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، نقرأ المادة 68 كلمة كلمة، ونتتبع مسودات قانون حرية تداول المعلومات من 2013 إلى 2026، ونشرح ماذا يعني ذلك لمواطن يطلب ورقة أو رقمًا من جهة حكومية، قبل أن يفتتح مجلس النواب دورته الجديدة في أكتوبر.
٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937
جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.
٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة