قانون رعاية حقوق المسنين: ماذا يضمن القانون رقم 19 لسنة 2024 لمن بلغ الخامسة والستين؟
في اليوم الدولي لكبار السن نفتح القانون رقم 19 لسنة 2024 بنص مواده: من هو «المسن» قانونًا، ومن يُلزَم برعايته وبأي ترتيب، وكيف يصل المعاش إلى باب البيت برسم لا يتجاوز مئة جنيه، وما نسبة الأسرّة المجانية في دور الرعاية، وما عقوبة من يهمل مسنًا أو يمتنع عمدًا عن رعايته أو يستغله، وأين وقفت اللائحة التنفيذية حتى اليوم.

في صباح أول الشهر، يقف رجل في السبعين من عمره أمام شباك مكتب البريد في حيّه، يستند إلى عصاه حينًا وإلى الحائط حينًا آخر، والطابور أمامه يتحرك ببطء. يحمل في جيبه بطاقة الرقم القومي وكشف المعاش، وفي رأسه حساب دقيق لما سيدفعه من الدواء والإيجار وما سيبقى لباقي الشهر. مشهد يتكرر في كل مدينة وقرية مصرية، وقلّ من يعرف أن هناك قانونًا صدر منذ أكثر من عامين يقول إن هذا المعاش يمكن أن يأتي إليه في بيته، بدل أن يذهب هو إليه.
هذا القانون هو القانون رقم 19 لسنة 2024 بإصدار قانون رعاية حقوق المسنين، وقد نُشر في الجريدة الرسمية، في العدد 14 تابع (د)، بتاريخ 4 أبريل 2024، ونصّت مادته الأخيرة على أن يُعمل به من اليوم التالي لنشره. وهو، على حد علمنا، أول تشريع مصري مستقل يُفرَد بكامله لكبار السن. يتكون القانون المرافق من ثمانٍ وأربعين مادة إلى جانب ثلاث مواد للإصدار، ونفتحه اليوم، في اليوم الدولي لكبار السن، لنقرأ ما يضمنه بنص مواده لا بملخصات الناس عنه.
أول سؤال يجيب عنه القانون هو: من هو «المسن» في نظر الدولة؟ تقول المادة الأولى من قانون الإصدار إن أحكامه تسري على المصري الذي بلغ سن الخامسة والستين ميلادية، وكذلك على الأجنبي المقيم في مصر إقامة قانونية بشرط المعاملة بالمثل. لا شرط آخر للمصري: لا يشترط أن يكون صاحب معاش، ولا مريضًا، ولا وحيدًا. الفلاح الذي ما زال يخرج إلى حقله، والأستاذ الجامعي المتقاعد، وربة البيت التي لم تعمل يومًا خارج بيتها، كلهم سواء أمام هذا النص. على أن المادة الثانية تميز فئة أضيق تسميها «المسن الأولى بالرعاية»، وهو من لا يقدر هو ولا أسرته على تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة، وبعض المزايا، كالمساعدة المالية، مقصورة عليها.
لنعد إلى صاحبنا في طابور البريد. تنص المادة السادسة على أن تلتزم الوزارة المختصة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، بتوفير خدمة توصيل المعاش الخاص بالمسن، أو المساعدة المستحقة للمسن الأولى بالرعاية، إلى محل سكنه، مقابل رسم قدره نصف في المائة من قيمة المعاش أو المساعدة بما لا يجاوز مائة جنيه، يتحمله المسن نفسه. ولنترجم ذلك بالأرقام على سبيل المثال الحسابي: من يتقاضى ثلاثة آلاف جنيه سيدفع، إذا طُبقت النسبة كما هي، خمسة عشر جنيهًا في الشهر مقابل أن يُطرق بابه، ومن يتقاضى أكثر لن يدفع فوق مائة جنيه. غير أن النص يحيل إلى اللائحة التنفيذية لتحديد فئات الرسم، ولا يسمي الجهة التي ستطرق الباب، فتفعيل الخدمة رهن بتلك اللائحة التي سنعود إليها.
ثم يدخل القانون إلى البيت نفسه. فالمادة السابعة تقرر أن الأسرة تتكاتف في رعاية مسنيها وتوفير احتياجاتهم الضرورية، وترتّب من يتحمل هذا الواجب بترتيب واضح: الزوج أو الزوجة أولًا ما داما قادرين على أدائه، فإن تعذر ذلك انتقل الواجب إلى أحد أفراد الأسرة المقيمين في مصر ممن يقدر على القيام به، بترتيب الأولاد ثم أولاد الأولاد ثم الإخوة، فإذا تعدد أفراد الفئة الواحدة اختاروا من بينهم من يتولى الرعاية. فإذا لم يتفقوا ولم يتقدم أحد من الأقارب لرعايته، ترفع الوزارة المختصة الأمر إلى رئيس محكمة الأسرة المختصة ليصدر أمرًا على عريضة بتكليف من يتولى الرعاية من الأقارب أو غيرهم، أو بتقرير إقامة المسن في إحدى دور الرعاية. المعنى أن الأسرة هي خط الدفاع الأول، وأن الدولة لا تحل محلها بل تتدخل حين تتخاصم أو تعجز.
وماذا عن دور الرعاية نفسها؟ تشترط المادة العاشرة أن يصدر الترخيص بإنشاء المؤسسات الاجتماعية لرعاية المسن من الوزارة المختصة أو مديرياتها، بعد سداد رسم لا يتجاوز مائة ألف جنيه، وهو رسم يُحصَّل من المؤسسة لا من المسن، وتترك المادة للائحة التنفيذية تحديد فئاته وحالات الإعفاء منه. أما الالتزام الذي يهم الأسر محدودة الدخل فهو في المادة الثالثة عشرة: تلتزم هذه المؤسسات بقبول نسبة أربعة في المائة من نسبة إشغالها بالمجان للحالات التي تحيلها الوزارة المختصة، بحد أدنى مسن واحد على الأقل.
ويمتد القانون إلى الشارع وإلى دور الثقافة. فالمادة السابعة والعشرون تمنح المسن إعفاءً جزئيًا من تكلفة استخدام وسائل النقل العام المملوكة للدولة ملكية تامة، على أن تتحمل الوزارة المختصة قيمة هذا الإعفاء، والمادة الثامنة والعشرون تلزم الدولة بتوفير إعفاء جزئي له من رسوم الاشتراك في الهيئات الرياضية ومراكز الثقافة والمسارح وبعض المتاحف والمواقع الأثرية المملوكة للدولة. لاحظ أن النصين يقولان «إعفاء جزئي» ولا يحددان نسبة، بل تركاها للائحة التنفيذية، فلا نستطيع أن نخبرك هنا إن كان التخفيض نصف الثمن أم ربعه، ولا نذكر نسبة لم نجدها في نص.
وثمة مادتان تعملان من خلف الستار. المادة التاسعة والعشرون تعفي من جميع الضرائب والرسوم والمصروفات، أيًا كان نوعها، تراخيص إقامة أي مبنى مخصص لإقامة المسنين أو إيوائهم في المؤسسات الاجتماعية لرعاية المسن، وكذلك تراخيص تعديل أو ترميم مبنى قائم لهذا الغرض، تشجيعًا على بناء دور جديدة. وتربط الامتياز ببقاء المبنى على غرضه: فمن غيّر النشاط أو تصرف في المبنى لغير خدمة المسنين قبل مرور عشر سنوات من تاريخ الإعفاء ألزمه النص بسداد تلك الضرائب والرسوم مضافًا إليها عائد بسعر البنك المركزي المعلن. والمادة الثلاثون تنشئ صندوقًا يسمى «صندوق رعاية المسنين» تكون له الشخصية الاعتبارية العامة، ومقره مدينة القاهرة، ويتبع الوزير المختص، ويجوز له فتح فروع في المحافظات.
ثم يأتي الجزء الذي يجعل القانون قانونًا لا وثيقة أمنيات: العقوبات. تقرر المادة السادسة والأربعون عقوبتين متدرجتين. الأولى: الحبس مدة لا تجاوز سنة وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل شخص مكلف برعاية مسن أهمل في القيام بواجباته نحوه، أو تحصّل لنفسه على المساعدة المالية المقررة للمسن. والمقصود بالمكلف هنا هو من حدّدته المادة السابعة، من الزوج إلى الإخوة، ومن كلفته محكمة الأسرة بالرعاية بنص المادة نفسها.
أما الدرجة الثانية، الأشد، فهي لمن يتجاوز الإهمال إلى الفعل المقصود: الحبس مدة لا تجاوز سنتين وغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل مكلف برعاية المسن امتنع عمدًا عن القيام بواجبات الرعاية أو استغله. والفارق بين الدرجتين فارق النية: من قصّر لأنه عجز أو أهمل شيء، ومن ترك أباه على باب مستشفى وأدار ظهره عامدًا شيء آخر. ثم يشدد النص العقوبة على نحو محدد: فإذا ترتب على أي من ذلك جرح أو إيذاء لشخص المسن تكون العقوبة الحبس، وإذا نشأت عنه عاهة أو وفاة المسن تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس. وهو ما يجعل هجر كبار السن جريمة لها اسم ورقم مادة.
غير أن بين النص وبين باب البيت مسافة اسمها اللائحة التنفيذية. فقد أوجبت المادة الثانية من قانون الإصدار على رئيس مجلس الوزراء أن يصدرها خلال ستة أشهر من تاريخ العمل بالقانون، أي بحلول أكتوبر 2024. وقد شُكلت بالفعل لجنة لإعداد مشروعها وعقدت اجتماعها الأول بحسب ما أعلنته وزارة التضامن الاجتماعي. ثم تكررت في مجلس النواب طلبات الإحاطة بشأن تأخرها، وآخر ما وقفنا عليه منها طلب نشره موقع «برلماني» في 5 أبريل 2026 يؤكد أن اللائحة لم تصدر بعد. وعلى حد علمنا، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم نعثر على نشرها في الجريدة الرسمية، ولذلك لا نستطيع أن نقول لك إن توصيل المعاش أو تخفيضات النقل مفعّلة بالكامل في كل مكان، وننصحك بسؤال مكتب البريد أو وحدة التضامن في منطقتك عن الحال الفعلي.
فماذا يفعل القارئ بهذه المعرفة الآن؟ أولًا، احفظ رقم القانون: 19 لسنة 2024، فهو مفتاحك حين تسأل موظفًا في البريد أو التأمينات أو التضامن عن حق من هذه الحقوق. ثانيًا، إذا كان في أسرتك مسن يتنازع أبناؤه على رعايته، فاعلم أن الطريق ليس الشجار في العزاءات والأفراح، بل مكتب التضامن الاجتماعي الذي يرفع الأمر إلى محكمة الأسرة بنص المادة السابعة. ثالثًا، إذا رأيت مسنًا مهجورًا أو مستغلًا، فإن ما يحدث له لم يعد شأنًا عائليًا خاصًا، بل واقعة لها نص عقابي، والإبلاغ عنها واجب لا فضول؛ بل إن المادة الخامسة والعشرين تلزم الوزارة المختصة بتوفير خط ساخن للإبلاغ عن أي خطر يهدد أمن المسن وسلامته، ولا نذكر له رقمًا لأننا لم نتحقق من تخصيصه بعد.
نعود إلى الرجل في طابور البريد. ربما لن يتغير صباحه في أول الشهر القادم، فالورق يسبق الواقع دائمًا في بلادنا بمسافة. لكن ما تغيّر فعلًا أن الدولة اعترفت، بنص مكتوب ومنشور في الجريدة الرسمية، بأن الوقوف في الطابور في سن السبعين ليس قدرًا، وأن رعايته ليست تفضلًا من أحد بل واجب مرتب بأسماء ودرجات، وأن الامتناع عنه عمدًا عقوبته الحبس. وأما كيف نرعى آباءنا وأمهاتنا في البيت يومًا بيوم، من الدواء إلى الوحدة، فقد كتبنا فيه من قبل دليلًا عمليًا على هذه المنصة في مقالنا عن رعاية الوالدين، ولا نعيد نصائحه هنا؛ يكفي اليوم أن نعرف أن وراء تلك النصائح قانونًا يسندها.
مواد ذات صلة

«المعلومات ملك للشعب»: المادة 68 من الدستور وقانون تداول المعلومات الذي ينتظره المصريون منذ 2014
موظف خلف الشباك يقول «مش من حقك تعرف»، والدستور يقول العكس بالحرف. عشية اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، نقرأ المادة 68 كلمة كلمة، ونتتبع مسودات قانون حرية تداول المعلومات من 2013 إلى 2026، ونشرح ماذا يعني ذلك لمواطن يطلب ورقة أو رقمًا من جهة حكومية، قبل أن يفتتح مجلس النواب دورته الجديدة في أكتوبر.
٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

موازنة 2026/27 تحت مجهر المواطن: قانون نافذ منذ يوليو وفوائد الدين أكبر بنوده
الموازنة التي تناقلتها الأخبار كمشروعات قوانين قيد المناقشة صارت قانوناً نافذاً منذ الأول من يوليو: 8.19 تريليون جنيه استخدامات، فوائد الدين أكبر البنود، والحد الأدنى للأجور 8 آلاف جنيه. نفككها بلغة الأسرة ونقيس جودة عمليتها التشريعية.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

في اليوم العالمي للترجمة: من «مدرسة الألسن» 1835 إلى المركز القومي.. كيف ترجمت مصر العالم إلى العربية؟
في 30 سبتمبر يحتفل العالم بالترجمة، ووراء الكتاب المترجم الذي تحمله من معرض الكتاب قصة مصرية عمرها قرنان: شيخ أزهري عاد من باريس فأسس أول مدرسة حديثة للمترجمين في مصر عام 1835، ولجان ومشروعات تعثر بعضها واكتمل بعضها، حتى قام المركز القومي للترجمة عام 2006. هذه هي الحكاية كاملة، وما تعنيه لك.
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة