تخطَّ إلى المحتوى

قانون الإجراءات الجنائية الجديد 174 لسنة 2025 بدأ العمل به: ما الذي تغيّر فعلًا في حياة المواطن؟

بعد نحو ستة وسبعين عامًا، توقّف العمل بقانون الإجراءات الجنائية القديم وبدأ سريان القانون رقم 174 لسنة 2025 مع بداية العام القضائي. شرح هادئ لما تغيّر بالضبط: بدائل الحبس الاحتياطي من ثلاثة إلى سبعة، مدد الحبس وسقوفها، حضور المحامي، الإعلان بالوسائل الحديثة، وضمانات المجني عليه والشهود.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
واجهة مبنى دار القضاء العالي في وسط القاهرة، بأعمدته الحجرية الكلاسيكية ورمزي ميزان العدالة المنحوتين على جانبي الواجهة وعلم مصر يعلوها
Bastique / Wikimedia Commons (CC BY 3.0)

في أي صباح من صباحات أكتوبر يتكرر مشهد مألوف أمام مباني النيابات: سيدة تقف في طابور قصير تحمل حافظة بلاستيكية فيها أوراق مطويّة بعناية، وتسأل الواقف بجوارها، من غير أن ترفع صوتها، إن كان صحيحًا ما سمعته من أن القانون قد تغيّر. هي لا تحفظ رقم قانون ولا تاريخ نشر، لكنها تعرف ما يعنيه سؤالها: هل تتغيّر مواعيد التجديد؟ وهل يتبدّل شيء في الطريق الطويل بين ورقة اتهام وكلمة قاضٍ؟ والإجابة أن شيئًا كبيرًا تغيّر بالفعل، لكنه تغيّر في التفاصيل الدقيقة أكثر من العناوين العريضة.

القانون الذي رافق المصريين طوال نحو ستة وسبعين عامًا هو قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وقد ظلّ بكل ما لحقه من تعديلات مرجع كل خطوة إجرائية: الضبط والتحقيق والحبس الاحتياطي والإحالة والمحاكمة والطعن. ومنذ أول أكتوبر 2026، مع بداية العام القضائي، حلّ محلّه القانون رقم 174 لسنة 2025. ومواد الإصدار ألغت صراحةً القانون رقم 150 لسنة 1950، كما ألغت القانون رقم 140 لسنة 2014 في شأن الأحكام الخاصة بتسليم المتهمين ونقل المحكوم عليهم.

أما طريق النص حتى صار قانونًا فيختصر في سطر: أُعيد المشروع إلى مجلس النواب للمداولة، وأُقرّ معدَّلًا في 16 أكتوبر 2025، ثم نُشر في الجريدة الرسمية بالعدد 45 مكرر (د) بتاريخ 12 نوفمبر 2025. والفارق بين تاريخ النشر وتاريخ السريان، وهو نحو عشرة أشهر ونصف، لم يكن فراغًا: قيل رسميًا إنه مهلة مقصودة لتدريب القضاة وأعضاء النيابة ومأموري الضبط والمحامين، ولبناء البنية التكنولوجية التي يقوم عليها الإعلان بالوسائل الحديثة.

وحديثنا محصور في محور واحد: ما الذي تغيّر بين النصّين؛ أما الحقوق الدستورية لحظة الاستيقاف أو القبض فقد أفردنا لها مقالًا في هذه المنصة بتاريخ 18 أغسطس. وأول ما يلمسه المواطن هو الحبس الاحتياطي، إذ وسّع القانون الجديد دائرة التدابير البديلة عنه من ثلاثة إلى سبعة في المادة 114: إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، والحضور إلى مقر الشرطة في مواعيد محددة، وحظر ارتياد أماكن بعينها، وحظر مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بإذن النيابة العامة، وحظر مقابلة أشخاص معيّنين أو الاتصال بهم، والمنع المؤقت من حيازة السلاح مع تسليمه للشرطة، واستخدام الوسائل التقنية الحديثة لتتبّعه متى توافرت ظروف العمل بها. والفكرة التي تقوم عليها القائمة معلنة: أن يكون الحبس إجراءً أخيرًا لا خيارًا أول.

ثم تأتي المدد، وهي الجزء الذي يخطئ كثيرون حين يختصرونه. يصدر عضو النيابة العامة أمرًا مسبَّبًا بالحبس مدة أقصاها أربعة أيام تالية للقبض على المتهم أو تسليمه (المادة 113). فإذا رأت النيابة استمرار الحبس عرضت الأوراق قبل انتهاء هذه الأيام على القاضي الجزئي، وله الإفراج أو المدّ لمدد متعاقبة لا تجاوز كل منها خمسة عشر يومًا ولا يزيد مجموعها على خمسة وأربعين يومًا (المادة 121). وبعدها تُعرض الأوراق على محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة، ولها المدّ لمدد متعاقبة لا تجاوز كل منها خمسة وأربعين يومًا (المادة 123).

وهنا موضع يستحق قراءة متأنية لكثرة الخلط فيه. المادة 124 تضع سقفًا مرحليًا للمدّ في مرحلة التحقيق: ثلاثة أشهر في الجنح وخمسة أشهر في الجنايات، وليس هذا هو السقف النهائي كما يُشاع. أما السقف المطلق فألا تجاوز مدة الحبس في مجموعها ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية المقررة للجريمة، بحيث لا تجاوز أربعة أشهر في الجنح، واثني عشر شهرًا في الجنايات، وثمانية عشر شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة هي السجن المؤبد أو الإعدام. وتضيف المادة 125 حكمًا خاصًا مقيَّدًا بشرطه لا حكمًا عامًا: إذا كان الحكم صادرًا بالإعدام أو السجن المؤبد، جاز لمحكمة الجنايات المستأنفة ولمحكمة النقض أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا خمسة وأربعين يومًا قابلة للتجديد لمدد أخرى بما لا يجاوز سنتين. والمقارنة في اتجاه واحد: المادة 143 من القانون الملغى وضعت القيد نفسه بسقوف أطول — ستة أشهر في الجنح، وثمانية عشر شهرًا في الجنايات، وسنتين في جرائم المؤبد والإعدام.

ولأن هذه أرقام يُبنى عليها تصرّف حقيقي، فالتحفّظ واجب: أرقام المواد والمدد هنا منقولة عن النص كما نُشر في الجريدة الرسمية وكما تناقلته المصادر القانونية المتخصصة حتى تاريخ كتابة هذه السطور، والمرجع الحاسم في أي نزاع يبقى النص الرسمي في العدد 45 مكرر (د) وصفحة القانون على بوابة وزارة العدل، ولكل قاعدة استثناءات لا تحتملها مقالة.

التغيير الثاني الذي يلمسه المواطن هو حضور المحامي، وفيه تبسيط مخلّ شائع. فالقانون القديم كان يوجب في الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا دعوة محامي المتهم قبل استجوابه، ويوجب على المحقق ندب محامٍ من تلقاء نفسه إن لم يكن للمتهم محامٍ أو لم يحضر بعد دعوته؛ فالندب ليس اختراعًا جديدًا. لكنه كان يجيز الاستجواب دون محامٍ في حالة التلبس وحالة السرعة خشية ضياع الأدلة. أما النص الجديد فضيّق هذا الاستثناء تضييقًا شديدًا: لا يجوز لعضو النيابة العامة أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه (المادة 105)، ولا استثناء إلا حالة يُخشى فيها على حياة المتهم مع خشية فوات الوقت، وبعد أن تطلب النيابة من نقابة المحامين الفرعية ندب محامٍ على وجه السرعة، فإن لم يحضر في الموعد جاز الاستجواب، ويبقى للمحامي الموكل أو المنتدب أن يحضر الجلسة إن أدركها قبل انتهائها. وتحظر المادة 106 الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر أثناء التحقيق.

والتغيير الثالث يخصّ مراجعة استمرار الحبس من خارج دائرة التجديد الروتيني: تُوجب المادة 123 عرض الأمر على النائب العام إذا انقضى على حبس المتهم احتياطيًا تسعون يومًا، ليتخذ ما يراه كفيلًا بالانتهاء من التحقيق. وهي ضمانة واحدة لا اثنتان، وإن تكرّر وصفها بصيغتين تبدوان مختلفتين — مراجعة عند التسعين يومًا، ومراجعة كل ثلاثة أشهر — فالمقصود بهما الحكم نفسه، لأن التسعين يومًا هي ثلاثة الأشهر عينها؛ والمعنى أن يكون لكل استمرار مراجعة مستقلة لا تجديدًا آليًا.

أما التغيير الذي سيغيّر شكل الأوراق نفسها فهو الإعلان بالوسائل الحديثة. تُوجب المادة 72 على المجني عليه والمدّعي بالحقوق المدنية والمسؤول عنها أن يعيّن كلٌّ منهم موطنًا مختارًا في المكان الكائن فيه مقر النيابة التي يجري فيها التحقيق، أو رقم هاتف محمول أو بريدًا إلكترونيًا ليُعلَن عليه، وتوجب المِثل على المتهم عقب مثوله في أي إجراء. وهنا الحكاية كلها: إذا لم يقدّم صاحب الشأن هذه البيانات، أو قدّمها ناقصة أو غير صحيحة، أو طرأ عليها تغيير ولم يُخطر به، كان إعلانه في قلم الكتاب صحيحًا ورتّب كل آثاره. أي أن الإهمال في تحديث بيانات التواصل لا يوقف الميعاد بل يسري في حق صاحبه وهو لا يدري؛ فصار تحديث الرقم والبريد مسألة ذات أثر قانوني لا إجراءً إداريًا. ونضج هذه المنظومة إلكترونيًا هو بالضبط ما خُصصت له هذه المهلة.

ومن الأحكام التي أعاد النص الجديد تأكيدها وضبط صياغتها — لا استحدثها — حرمة المسكن. فالقاعدة أن المسكن لا يُدخل ولا يُفتَّش إلا بأمر قضائي مسبَّب، والاستثناء محصور في حالات الاستغاثة من الداخل أو الخطر الناجم عن حريق أو غرق أو ما شابه ذلك، وهو ما تنص عليه المادة 48 من القانون الجديد بعبارة قريبة جدًا مما كانت تنص عليه المادة 45 من القانون الملغى. وذكرناها لأن كثيرين يظنّونها استحداثًا، والصواب أنها قاعدة مستقرة منذ 1950، والجديد فيها صياغتها لا أصلها.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة، وهو الجانب الذي يُنسى غالبًا، أفرد القانون بابًا لحماية المجني عليهم والشهود والمبلغين في المواد 522 إلى 527. فيجوز للشاهد، بإذن من النيابة العامة أو قاضي التحقيق، أن يتخذ من مقر الشرطة التابع له محل إقامته أو من مقر عمله عنوانًا له بدلًا من عنوانه الحقيقي، ويجوز إخفاء بيانات هويته وحفظها في ملف فرعي سري إذا قام خطر حقيقي عليه أو على أسرته، مع بقاء حق الدفاع في المنازعة أمام المحكمة إذا كان الكشف لازمًا لممارسة حقوقه، وإجراء المواجهة من غير كشف الشخصية. وهو باب موجَّه إلى فئة اعتادت أن تتحمّل كلفة الشهادة وحدها.

فماذا يعني هذا كله للسيدة الواقفة في الطابور؟ يعني أن سقوف المدد صارت أقصر، وأن حضور المحامي أصلٌ استثناؤه ضيّق ومحدد، وأن الإعلان قد يصلها بوسيلة إلكترونية فلتُبقِ بياناتها صحيحة ومحدَّثة لأن الإهمال فيها يسري في حقها، وأن سؤالها عن التدابير البديلة صار له سند في النص. ويعني أن أي دعوى قائمة قبل أول أكتوبر تحتاج سؤالًا محددًا لمحاميها: أي إجراء يخضع للنص القديم وأيّها للجديد. وهذا الشرح، مهما اجتهدنا في تحرّيه، لا يُغني عن استشارة محامٍ يطّلع على أوراق القضية بعينها؛ فالقانون يُقرأ في نصّه، ويُطبَّق في تفاصيل لا يعرفها إلا من أمسك الملف.

مشاركة

مواد ذات صلة

قانون رعاية حقوق المسنين: ماذا يضمن القانون رقم 19 لسنة 2024 لمن تجاوز الخامسة والستين؟
منصة التشريع

قانون رعاية حقوق المسنين: ماذا يضمن القانون رقم 19 لسنة 2024 لمن بلغ الخامسة والستين؟

في اليوم الدولي لكبار السن نفتح القانون رقم 19 لسنة 2024 بنص مواده: من هو «المسن» قانونًا، ومن يُلزَم برعايته وبأي ترتيب، وكيف يصل المعاش إلى باب البيت برسم لا يتجاوز مئة جنيه، وما نسبة الأسرّة المجانية في دور الرعاية، وما عقوبة من يهمل مسنًا أو يمتنع عمدًا عن رعايته أو يستغله، وأين وقفت اللائحة التنفيذية حتى اليوم.

١ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

مبنى مجمع التحرير بواجهته المنحنية الطويلة، وأمامه مساحة خضراء وأعمدة إنارة
منصة التشريع

«المعلومات ملك للشعب»: المادة 68 من الدستور وقانون تداول المعلومات الذي ينتظره المصريون منذ 2014

موظف خلف الشباك يقول «مش من حقك تعرف»، والدستور يقول العكس بالحرف. عشية اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، نقرأ المادة 68 كلمة كلمة، ونتتبع مسودات قانون حرية تداول المعلومات من 2013 إلى 2026، ونشرح ماذا يعني ذلك لمواطن يطلب ورقة أو رقمًا من جهة حكومية، قبل أن يفتتح مجلس النواب دورته الجديدة في أكتوبر.

٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

واجهة مركز خدمات بريدية في مدينة برج العرب الجديدة، وبجوارها ماكينة صرف آلي
الأسرة والمجتمع

قانون الضمان الاجتماعي 12 لسنة 2025: كيف تتقدّم أسرتك لتكافل وكرامة؟ وما الذي يوقف الصرف؟

في اليوم الدولي للقضاء على الفقر، نفتح ملف «تكافل وكرامة» من باب الأسرة لا من باب النشرات: ما الذي غيّره قانون الضمان الاجتماعي 12 لسنة 2025 ولائحته التنفيذية الصادرة في يوليو 2026، وما الفرق بين الدعم المشروط وغير المشروط، وما الشروط التي يجب أن تعرفها الأم قبل أن تقف في الطابور، ولماذا يتوقف الصرف أحيانًا؟

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

قانون الإجراءات الجنائية الجديد 174 لسنة 2025 بدأ العمل به: ما الذي تغيّر فعلًا في حياة المواطن؟ | صوت المواطن