تخطَّ إلى المحتوى

«المعلومات ملك للشعب»: المادة 68 من الدستور وقانون تداول المعلومات الذي ينتظره المصريون منذ 2014

موظف خلف الشباك يقول «مش من حقك تعرف»، والدستور يقول العكس بالحرف. عشية اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، نقرأ المادة 68 كلمة كلمة، ونتتبع مسودات قانون حرية تداول المعلومات من 2013 إلى 2026، ونشرح ماذا يعني ذلك لمواطن يطلب ورقة أو رقمًا من جهة حكومية، قبل أن يفتتح مجلس النواب دورته الجديدة في أكتوبر.

هيئة التحرير·نُشر في ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
مبنى مجمع التحرير بواجهته المنحنية الطويلة، وأمامه مساحة خضراء وأعمدة إنارة
MusikAnimal / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

مشهد يتكرر كل صباح في طابق ثانٍ من مبنى حكومي في مدينة مصرية ما: رجل يقف أمام شباك زجاجي صغير منذ أن فُتحت الأبواب. جاء يسأل عن شيء بسيط: نسخة من قرار يخص أرض عائلته، أو رقم يوضح كم سُدّد من رسوم، أو تاريخ يعرف منه أين وصلت معاملته. الموظف خلف الشباك يقول الجملة التي يعرفها كل مصري وقف في طابور: «دي بيانات داخلية.. مش من حقك تعرف». الرجل ينصرف، لا لأنه اقتنع، بل لأنه لا يعرف أن هناك ورقة أعلى من كل الأوراق في هذا المبنى تقول العكس تمامًا، وبالحرف.

قبل أن نمضي، توضيح لازم. هذا المقال عن حق المواطن في الحصول على المعلومات التي تملكها الدولة: قرارات وإحصاءات ووثائق وأرقام. أما الوجه المقابل، أي حق المواطن في حماية بياناته الشخصية من التسريب أو الاستغلال، فله قانونه الخاص وله مقال آخر على هذه المنصة يتناوله على حدة. الأول يفتح خزانة الدولة أمام الناس، والثاني يغلق خزانة الناس أمام من لا يملك حق فتحها، والاثنان وجهان لكرامة واحدة.

لنبدأ من النص، لأنه أقوى ما في القصة. تقول المادة 68 من دستور 2014 إن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية». ثم تمضي المادة لتقول إن القانون هو الذي «ينظم ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات وإعطاء معلومات مغلوطة عمدًا». وتختم بإلزام مؤسسات الدولة بإيداع وثائقها الرسمية بعد انتهاء العمل بها في دار الوثائق القومية، وحمايتها وترميمها ورقمنتها.

اقرأ الكلمة الأولى مرة أخرى: «ملك». لم يقل الدستور إن المعلومات «متاحة» للشعب أو «تُمنح» له عند الطلب، بل قال إنها ملكه أصلًا، وإن الدولة أمينة عليها لا مالكة لها. وهذا يقلب المشهد عند الشباك: الرجل الذي يطلب نسخة من القرار لا يطلب منحة، بل يطالب بما يخصه، والموظف الذي يقول «مش من حقك» يقف، ربما دون أن يدري، على الطرف المقابل لنص أعلى وثيقة في البلاد، وإن كان الطريق العملي إلى ذلك الحق ما زال ينتظر القانون. والأهم أن الدستور لم يكتف بإعلان الحق، بل وعد بعقوبة لمن يحجب المعلومة أو يعطي معلومة مغلوطة عمدًا.

لكن هنا تبدأ المسافة بين النص والحياة. فالمادة نفسها تقول إن «القانون ينظم» الضوابط والتظلم والعقوبة، أي أن الدستور رسم الحق وترك للمشرّع أن يبني الطريق إليه: من يقدم الطلب، ولمن، وفي كم يومًا يُرد عليه، وما الذي يُستثنى، وأين يشكو المواطن إذا رُفض طلبه. وعلى حد علمنا، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم يصدر هذا القانون بعد، وقد مضى على الدستور اثنا عشر عامًا. ولهذا يقف الرجل عند الشباك وفي جيبه حق كامل، ولكن بلا خريطة تدله على الباب.

المحاولات لم تتوقف، وهذا ما ينبغي أن يُقال بإنصاف. ففي 2013 أعدت وزارة العدل مسودة أولى لقانون حرية تداول المعلومات، على حد علمنا، وأعدت جهات حقوقية في الفترة نفسها مشروعًا موازيًا. وفي أكتوبر 2017 نشر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مشروعه في عدة أبواب، يقرر حق كل مواطن في الحصول على المعلومة، ويلزم كل جهة بتعيين مسؤول للمعلومات يتولى تنفيذ التزاماتها، ويقترح إنشاء مجلس أعلى للمعلومات، وغرامة بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف جنيه على من يمتنع عن تقديم البيانات دون مبرر أو يقدم بيانات مغلوطة، مع استثناء بيانات الأمن القومي والأسرار الصناعية والتجارية من الإتاحة، كما وردت في نصه المنشور.

ثم أعاد عام 2023 الملف إلى الواجهة. ففي مطلع يونيو من ذلك العام عقد المجلس القومي لحقوق الإنسان ورشة عمل بعنوان «حرية إتاحة تداول المعلومات بين الاستحقاق الدستوري والتحديات»، وأكد أهمية إصدار القانون باعتباره حقًا دستوريًا نصت عليه المادة 68، وهو ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات على موقعها. وفي الفترة نفسها ناقش الحوار الوطني القانون ضمن أوراقه. أي أن مؤسسات الدولة، لا الحقوقيين وحدهم، تتحدث عن القانون بوصفه استحقاقًا لا خلاف عليه في المبدأ، والخلاف كله في التفاصيل.

الفصول الأحدث كُتبت هذا العام. ففي 16 أبريل 2026 ناقشت لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب تفعيل حرية تداول المعلومات، وأوصت بالعمل على إصدار قانون متكامل، وأكد وزير الدولة للإعلام أمام اللجنة وجود نية حكومية لإصدار القانون، ودعا النواب إلى المبادرة بتقديم مشروع قانون في هذا الشأن، دون جدول زمني معلن. وفي الأسبوع الأخير من دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثالث، تقدم نواب بمشروع قانون تبنّى مسودة أعدتها نقابة الصحفيين، وحصل بحسب ما نُشر على توقيع ستين نائبًا، ويستند صراحة إلى المادة 68 ويقترح عقوبات على الموظف العام الذي يمتنع عمدًا عن تقديم المعلومات أو يقدم بيانات غير صحيحة. ولم نطالع نصه الكامل، فلا نفصّل في مواده. وفي 31 أغسطس 2026، خلال لقاء موسع مع المتحدثين الرسميين والمستشارين الإعلاميين بالوزارات، قال وزير الدولة للإعلام إن العمل يتواصل للإسراع في إصدار القانون، دون تحديد موعد.

ولماذا يهم كل هذا الآن؟ لسببين يلتقيان في أيام متقاربة. الأول أن الأمم المتحدة تحتفل في 28 سبتمبر باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، وهو يوم أقرته اليونسكو عام 2015 واعتمدته الجمعية العامة عام 2019، وفكرته واحدة: المعلومة العامة حق لا منّة. والثاني أن مجلس النواب يفتتح دور انعقاده الثاني من الفصل التشريعي الثالث في أكتوبر، وفق المادة 115 من الدستور التي تقضي بأن يدعوه رئيس الجمهورية للانعقاد قبل الخميس الأول من الشهر، فإن لم تصدر الدعوة انعقد بحكم الدستور في ذلك الموعد. ومشروع القانون المقدم في نهاية الدور الماضي سيكون بين الملفات المنتظرة.

دعنا ننزل من البرلمان إلى الشباك، ونسأل السؤال العملي: ماذا يغيّر قانون كهذا في حياة الرجل الذي انصرف بلا ورقة؟ المسودات المصرية التي عرفناها تدور، في معظمها، حول أشياء أربعة تشترك فيها قوانين الإتاحة في العالم. أن يكون في كل جهة موظف معلوم بالاسم مسؤول عن الرد على طلبات المعلومات، فلا يُحال المواطن من مكتب إلى مكتب. ومدة محددة للرد، كما تفعل معظم قوانين الإتاحة في العالم، بحيث يصبح الصمت نفسه رفضًا يمكن التظلم منه. وجهة يشكو إليها المواطن إذا رُفض طلبه. وعقوبة واضحة على الحجب المتعمد وعلى المعلومات المغلوطة، وهي العقوبة التي طلبها الدستور بنفسه.

وللقانون وجه آخر لا يُذكر كثيرًا: أنه يحمي الموظف قبل أن يحاسبه. فمن يقول اليوم «مش من حقك تعرف» لا يفعل ذلك دائمًا عن سوء نية، بل لأنه لا يملك قاعدة مكتوبة تقول له ما يجوز إعطاؤه وما لا يجوز، فيختار الرفض لأنه الأسلم له. ومن الإنصاف أن نقول إن المسودات التي عرفناها، من 2013 إلى 2026، احتفظت باستثناءات تخص الأمن القومي والأسرار الصناعية والتجارية، كما تفعل قوانين الإتاحة في معظم دول العالم. وليس هذا المقال مقام تقييم تلك الاستثناءات، بل مقام التذكير بأن الدستور نفسه طلب أن تكون «ضوابط السرية» مكتوبة في قانون، لا متروكة لتقدير كل شباك على حدة، وأن يكون للمواطن طريق للتظلم من الرفض أيًا كان سببه.

وحتى يصدر القانون، ليس المواطن بلا سند. فبإمكانه أن يكتب طلبه على ورق ويقيده بالوارد ويحتفظ برقم القيد، وأن يذكر فيه نص المادة 68، وأن يلجأ إلى شكوى مكتوبة لدى رئيس الجهة أو عبر بوابات الشكاوى الحكومية إذا رُفض طلبه شفهيًا. ليست هذه أدوات كاملة، لكنها تحول «مش من حقك تعرف» من كلمة تُقال عند الشباك إلى واقعة موثقة لها تاريخ ورقم.

وفي المساء، يعود الرجل إلى بيته بلا الورقة التي جاء من أجلها، لكنه ربما يعود بشيء آخر لو قرأ هذه السطور: أن ما طلبه ليس فضولًا ولا تطفلًا، وأن الدستور الذي علّقته الدولة على جدرانها كتب اسمه، هو ومن معه في الطابور، مالكًا لتلك المعلومة. وحين يفتتح مجلس النواب دورته في أكتوبر، سيكون بين أوراقه مشروع يجيب عن السؤال الذي يطرحه هذا الرجل منذ اثني عشر عامًا: متى تصبح الكلمة الأولى في المادة 68 قاعدة في كل شباك، لا مجرد كلمة في كتاب؟

مشاركة

مواد ذات صلة

الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة: مبانٍ متماثلة تصطف على جانبي ممر مائي ونخيل
منصة التشريع

موازنة 2026/27 تحت مجهر المواطن: قانون نافذ منذ يوليو وفوائد الدين أكبر بنوده

الموازنة التي تناقلتها الأخبار كمشروعات قوانين قيد المناقشة صارت قانوناً نافذاً منذ الأول من يوليو: 8.19 تريليون جنيه استخدامات، فوائد الدين أكبر البنود، والحد الأدنى للأجور 8 آلاف جنيه. نفككها بلغة الأسرة ونقيس جودة عمليتها التشريعية.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

حجر رشيد: لوح من الجرانيت الداكن نُقشت عليه ثلاثة نصوص بخطوط مختلفة، معروضاً على قاعدة في متحف
الفن والثقافة

27 سبتمبر 1822: اليوم الذي عاد فيه صوت المصريين القدماء.. حكاية حجر رشيد ومفتاحه

في قاعة بباريس قرأ شاب في الحادية والثلاثين رسالة أعادت للجدران المصرية القدرة على الكلام بعد صمت طويل. من رشيد 1799 إلى لندن 1802 إلى قاعة الأكاديمية 1822، ثم إلى أحمد كمال باشا وقاموسه الذي لم يُطبع في حياته، وصولًا إلى سؤال اليوم: هل يعود الحجر؟ حكاية مفتاح ضاع وعاد.

٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

مدرجات ملعب مكتظة بالجماهير ليلاً والمباراة جارية على الأرضية الخضراء تحت أضواء الكشافات
صوت الجماهير

أكثر من مباراة: قرن من «القمة» بين الأهلي والزمالك كما تعيشه البيوت المصرية

منذ أول لقاء عام 1917 وحتى نهائي أفريقيا 2020، لم تكن مباراة الأهلي والزمالك مجرد تسعين دقيقة، بل موعدًا يقسم الغرفة الواحدة إلى أحمر وأبيض ثم يجمعها من جديد. قراءة هادئة في نشأة الناديين وأرقامهما وطقوس يوم القمة في البيوت المصرية.

٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة