تخطَّ إلى المحتوى

نجيب محفوظ: الحكّاء الذي وضع حواري القاهرة على خريطة الأدب العالمي

من حارات الجمالية إلى منصة نوبل، حوّل نجيب محفوظ القاهرة إلى كون روائي كامل. هذه قصة موظف حكومي هادئ كتب في صمت لعقود، فصار أول أديب عربي ينال أرفع جائزة أدبية في العالم، وترك إرثاً ما زال يتجدد.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
صورة للأديب المصري نجيب محفوظ، صاحب نوبل في الأدب

في خريف عام 1988، أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل في الآداب لروائي مصري في السادسة والسبعين من عمره اسمه نجيب محفوظ. كان أول كاتب بالعربية ينال الجائزة منذ تأسيسها، ولم يسافر إلى ستوكهولم لتسلمها، فقد كان رجلاً مطمئناً إلى عاداته اليومية في القاهرة، وأنابت عنه ابنتاه بينما قُرئت كلمته التي حيّا فيها الحضارتين الفرعونية والإسلامية اللتين قال إنه ابنهما معاً.

وُلد محفوظ في ديسمبر 1911 في حي الجمالية بقلب القاهرة الفاطمية، بين الأزقة والأسبلة والمآذن التي ستصبح لاحقاً مسرح أعظم أعماله. ومع أن أسرته انتقلت وهو صبي إلى حي العباسية، ظل قلبه معلقاً بالحارة القديمة، حتى صارت الحارة عنده كوناً كاملاً تُختبر فيه أسئلة العدل والسلطة والإيمان.

درس الفلسفة في الجامعة المصرية، وتردد في شبابه بين الفكر والأدب قبل أن يحسم أمره للرواية. وطوال عقود عمل موظفاً حكومياً في أجهزة الثقافة والأوقاف والسينما، يكتب في ساعات محددة بدقة صارمة: فقد كان يؤمن بأن الإلهام لا يغني عن النظام، وظل حتى شيخوخته وفياً لمواعيد الكتابة والمشي والمقهى.

بدأ مشواره بروايات تاريخية تدور في مصر الفرعونية، مثل «عبث الأقدار» و«رادوبيس» و«كفاح طيبة»، متأثراً بحلم قومي كان يرى في الماضي البعيد مرآة للحاضر. لكنه سرعان ما اكتشف أن مادته الحقيقية تسكن الحاضر، فانعطف إلى الواقعية بروايات مثل «القاهرة الجديدة» و«خان الخليلي» و«زقاق المدق» التي رسمت خريطة اجتماعية نابضة لقاهرة الأربعينيات.

ثم جاءت القمة التي استقر عندها تقييم النقاد: الثلاثية. في «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، التي صدرت في خمسينيات القرن الماضي، تابع محفوظ ثلاثة أجيال من أسرة السيد أحمد عبد الجواد بين ثورة 1919 والحرب العالمية الثانية، فكتب من خلال بيت واحد تاريخ أمة كاملة وهي تتحول، وقدّم شخصيات — من الأب المهيب إلى أمينة الصابرة — دخلت الوجدان المصري كأنها من لحم ودم.

ولم يكن طريقه بلا عواصف. فرواية «أولاد حارتنا»، التي نُشرت مسلسلة في الأهرام عام 1959، أثارت جدلاً دينياً واسعاً بسبب بنائها الرمزي، فلم تصدر في كتاب داخل مصر لعقود، وطُبعت في بيروت. وظل الجدل يلاحقها حتى بلغ ذروته المأساوية عام 1994، حين طعن شاب متطرف محفوظ في عنقه أمام بيته، فنجا الكاتب الثمانيني بأعجوبة، لكن الإصابة أضعفت يده التي يكتب بها، فصار يملي نصوصه القصيرة الأخيرة إملاءً.

بين هذه المحطات، جدد محفوظ أدواته مرة بعد مرة. ففي الستينيات كتب روايات القلق الوجودي والنقد المضمر مثل «اللص والكلاب» و«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار»، وفي أعماله المتأخرة مثل «حكايات حارتنا» و«أصداء السيرة الذاتية» بلغ نثره صفاء الحكمة الصوفية، مثبتاً أن الحكّاء الكبير لا يشيخ بل يتقطر.

وارتبط اسمه بالسينما المصرية في عصرها الذهبي ارتباطاً وثيقاً؛ فقد عمل كاتباً للسيناريو ومسؤولاً في أجهزة السينما، وتحولت عشرات من رواياته وقصصه إلى أفلام صارت كلاسيكيات، من «زقاق المدق» إلى «بداية ونهاية» و«القاهرة 30». وبفضل الشاشة وصلت شخصياته إلى ملايين لم يقرأوا رواياته قط.

أما طقوسه اليومية فصارت جزءاً من أسطورته: المشي الطويل صباحاً، وجلسات المقاهي من الفيشاوي في خان الخليلي إلى مقاهي وسط البلد، ولقاء أصدقائه الأسبوعي الذي عُرف بشلة «الحرافيش». في هذه الجلسات كان يستمع أكثر مما يتكلم، ويلتقط من أفواه الناس ما يحوله لاحقاً إلى أدب.

رحل نجيب محفوظ في أغسطس 2006 عن أربعة وتسعين عاماً، وشُيّع في جنازة عسكرية وشعبية معاً. واليوم تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، ويقصد الزوار متحفه في تكية أبو الدهب قرب الأزهر، ويظل سؤاله الكبير معلقاً في كل حارة من حواريه: كيف يعيش الإنسان عادلاً حراً في عالم لا يكف عن التغير؟ ولأن الإجابة لم تكتمل بعد، سيظل محفوظ يُقرأ.

مواد ذات صلة

صورة بالأبيض والأسود من العصر الذهبي للسينما المصرية تُظهر أحد نجوم الكلاسيكيات أو إحدى دور العرض التاريخية في القاهرة
الفن والثقافة

هوليوود على النيل: العصر الذهبي للسينما المصرية

على مدى ثلاثة عقود جعلت استوديوهات القاهرة مصرَ عاصمة السينما في العالم العربي. من تأسيس استوديو مصر عام 1935 إلى فاتن حمامة وعمر الشريف و«باب الحديد»، هكذا بُني العصر الذهبي، ولماذا ما زالت كلاسيكياته بالأبيض والأسود تُعرض حتى اليوم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

مآذن وواجهات أثرية مرمّمة على امتداد شارع المعز في القاهرة التاريخية والمارة يسيرون بين المعالم.
الفن والثقافة

القاهرة الإسلامية والقبطية: متحف مفتوح من باب الفتوح إلى الكنيسة المعلقة

قلّة من المدن تستطيع أن تمشي بزائرها عبر ألف عام من العمارة في نزهة واحدة. القاهرة التاريخية، المسجلة في قائمة التراث العالمي منذ 1979، تفعل ذلك: من شارع المعز ومساجده إلى كنائس مصر القديمة ومعبد بن عزرا، وقصة ترميم أعادت للحجر حياته.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

نجيب محفوظ: الحكّاء الذي وضع حواري القاهرة على خريطة الأدب العالمي | صوت المواطن