هوليوود على النيل: العصر الذهبي للسينما المصرية
على مدى ثلاثة عقود جعلت استوديوهات القاهرة مصرَ عاصمة السينما في العالم العربي. من تأسيس استوديو مصر عام 1935 إلى فاتن حمامة وعمر الشريف و«باب الحديد»، هكذا بُني العصر الذهبي، ولماذا ما زالت كلاسيكياته بالأبيض والأسود تُعرض حتى اليوم.

لنحو ثلاثة عقود، من أواخر الثلاثينيات حتى أواخر الستينيات، كانت القاهرة عاصمة الفن السابع بلا منازع في العالم العربي. كانت استوديوهاتها تُخرج الميلودراما والاستعراض الغنائي والكوميديا بوتيرة لم يجارِها فيها أي بلد مجاور، وكان نجومها معروفين من الدار البيضاء إلى بغداد. يسمي النقاد والمؤرخون تلك الحقبة «العصر الذهبي للسينما المصرية»، ونالت المدينة نفسها لقبًا ظل ملازمًا لها: «هوليوود الشرق» أو «هوليوود على النيل». هذه حكاية بناء تلك الصناعة، والوجوه التي صنعت بريقها، وسر بقاء أفلامها على الشاشات إلى اليوم.
وصلت السينما إلى مصر مبكرًا على نحو مدهش؛ فقد عُرضت الصور المتحركة في الإسكندرية عام 1896، بعد أشهر قليلة من أولى عروض الأخوين لوميير في باريس، وسرعان ما ظهرت دور عرض دائمة في الإسكندرية والقاهرة. ولعقود ظلت الشاشات تعرض أفلامًا مستوردة في الغالب، لكن المصريين انتقلوا تدريجيًا إلى خلف الكاميرا. ويُحتفى بالفيلم الصامت «ليلى» (1927)، الذي أنتجته وقامت ببطولته الرائدة عزيزة أمير، بوصفه أول فيلم روائي طويل مصري، ودليلًا — في وقت لم يصدّق فيه كثيرون — على أن قيام سينما وطنية أمر ممكن.
ثم جاء الصوت فغيّر كل شيء. في عام 1932 أنتجت مصر أولى أفلامها الناطقة، ومنها «أولاد الذوات» والفيلم الغنائي «أنشودة الفؤاد»، فاكتشف الجمهور أن الشاشة يمكن أن تحمل أصواتًا مصرية وأغنيات مصرية. وبعد ثلاث سنوات جاءت الخطوة الحاسمة: افتتاح «استوديو مصر» عام 1935 على يد الاقتصادي طلعت حرب ضمن مجموعة بنك مصر الصناعية. وبمراحل تصويره الحديثة ومعامله وفنييه المدرَّبين في أوروبا، كان أول استوديو متكامل التجهيز في المنطقة، ومنح السينما المصرية عمودها الفقري الصناعي.
ودارت آلة الاستوديوهات على الغناء. فالأفلام الاستعراضية المبنية حول الموسيقار محمد عبد الوهاب والمحبوبة ليلى مراد ملأت دور العرض، ووضع إنتاج استوديو مصر المبكر «وداد» (1936) المطربة الكبيرة أم كلثوم على الشاشة. وأضاف فريد الأطرش سلسلته من الرومانسيات الغنائية، غالبًا إلى جوار الراقصة سامية جمال، بينما جعلت تحية كاريوكا من الرقص الشرقي فنًا سينمائيًا قائمًا بذاته. وكانت الأفلام تسافر بأغانيها: أغنية ناجحة في إنتاج قاهري يدندنها العالم العربي كله في غضون أشهر من عرضها الأول.
وكانت الكوميديا والميلودراما الركيزتين الأخريين للصناعة. حمل عملاق المسرح نجيب الريحاني فكاهته الإنسانية اللاذعة إلى الشاشة في أفلام مثل «غزل البنات» (1949)، ثم أصبح إسماعيل ياسين لاحقًا وجه الكوميديا الشعبية ببطولته سلسلة كاملة من الأفلام حملت اسمه. وعلى الضفة العاطفية المقابلة وقف يوسف وهبي، أرستقراطي الميلودراما المسرحية، الذي علّمت مواعظه المدوّية جيلًا من الممثلين كيف يملأ اللقطة القريبة. وبين الضحك والدموع تعلمت الاستوديوهات أن تخدم كل الأذواق في البرنامج نفسه.
وإلى جانب آلة الترفيه تشكّلت سينما أكثر جدية. تتبّع فيلم كمال سليم «العزيمة» (1939) ناسًا عاديين في حارة قاهرية شعبية، ويُعد الفيلم المؤسس للواقعية المصرية. وعمّق صلاح أبو سيف هذه المدرسة بعد الحرب، ومنحها يوسف شاهين تحفة خالدة بفيلم «باب الحديد» (1958) الذي أدى فيه بنفسه دور بائع صحف أعرج يلتهمه الهوس. وتغذّت الشاشة من الرواية أيضًا: فقد بيّن «دعاء الكروان» (1959) لهنري بركات، المأخوذ عن رواية طه حسين، كيف يمكن للاقتباس الأدبي أن يبلغ النقاد والجمهور معًا.
وسكّ العصر الذهبي نجومًا ما زالت أسماؤهم تفتح الأحاديث. جمعت فاتن حمامة، «سيدة الشاشة العربية»، بين الرهافة والصلابة عبر أربعة عقود من الأدوار. وقفز عمر الشريف، شريكها في البطولة والحياة، من القاهرة إلى العالمية عبر «لورنس العرب» (1962) و«دكتور جيفاجو». وأشاعت هند رستم بريقًا ونارًا، وتنقّلت شادية بخفة بين الغناء والدراما، وفي الستينيات جاءت الشابة سعاد حسني — «سندريلا الشاشة المصرية» — لتفتن المنطقة بأسرها. كان نظام النجوم يبيع التذاكر، لكنه أرسى أيضًا معايير باقية للحِرفة.
ولم تبقَ الأفلام المصرية حبيسة الداخل؛ إذ حملها الموزعون إلى كل عاصمة عربية، حيث التقى الجمهور شوارع مصر ونكاتها وأغانيها أسبوعًا بعد أسبوع. وهذا التصدير المتواصل أحد أسباب تحوّل اللهجة المصرية إلى أوسع صور العربية المحكية فهمًا، فقد شبّت أجيال في المنطقة كلها على سماعها في دور العرض. وفي الداخل، أرست قصور السينما في وسط القاهرة والإسكندرية ثقافة مدينية كاملة من العروض الأولى ومجلات الفن وأخبار النجوم، وصار الذهاب إلى السينما طقسًا أسبوعيًا لدى الأسر من كل الطبقات.
وجاءت الستينيات بنقطة تحوّل؛ إذ أمّمت الدولة قسطًا كبيرًا من الصناعة، وضمّت الاستوديوهات ودور العرض إلى قطاع عام أنتج أفلامًا طموحة — بينها اقتباسات أدبية كبرى — لكنه أنتج أيضًا بيروقراطية وديونًا. ويؤرّخ كثير من المؤرخين لنهاية العصر الذهبي بأواخر الستينيات، حين وهن نظام الاستوديوهات وتفرّق النجوم والمخرجون. وانتعش الإنتاج بأيدٍ خاصة في السبعينيات، غير أن الآلة المتكاملة القديمة — استوديو ونجم وملحّن وسلسلة دور عرض تعمل كيدٍ واحدة — لم تعد قط بهيئتها الكلاسيكية.
غير أن التراث نفسه صار في مأمن. فحين احتفلت السينما المصرية بمئويتها عام 1996 اختار النقاد أهم مئة فيلم مصري، وتصدّر «العزيمة» القائمة — وهي قائمة ما زالت تهدي المشاهدين حتى اليوم. ويُبقي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي تأسس عام 1976 وهو من أعرق مهرجانات المنطقة، المدينة على خريطة السينما العالمية، وتتواصل مشروعات الترميم لإنقاذ نسخ الكلاسيكيات كي تشاهدها أجيال جديدة كما شاهدها جمهورها الأول.
ولو سُئلنا لماذا تصمد هذه الأفلام لكان الجواب بسيطًا: لأنها لا تزال تُشاهد. فالقنوات الفضائية ومنصات البث تعرض كلاسيكيات الأبيض والأسود يوميًا، وأغانيها حية في الراديو والهواتف، وجُملها تُقتبس كأنها أمثال. وبالنسبة إلى صنّاع الأفلام يبقى العصر الذهبي درسًا رفيعًا في الحرفة: الحكاية والنجم والأغنية في توازن منضبط. أما لسائر الناس فهو ألبوم عائلي: صورة القاهرة الأنيقة الشقية التي أحبّها العالم العربي كله، بأربع وعشرين صورة في الثانية.
مواد ذات صلة

في اليوم العالمي للترجمة: من «مدرسة الألسن» 1835 إلى المركز القومي.. كيف ترجمت مصر العالم إلى العربية؟
في 30 سبتمبر يحتفل العالم بالترجمة، ووراء الكتاب المترجم الذي تحمله من معرض الكتاب قصة مصرية عمرها قرنان: شيخ أزهري عاد من باريس فأسس أول مدرسة حديثة للمترجمين في مصر عام 1835، ولجان ومشروعات تعثر بعضها واكتمل بعضها، حتى قام المركز القومي للترجمة عام 2006. هذه هي الحكاية كاملة، وما تعنيه لك.
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

27 سبتمبر 1822: اليوم الذي عاد فيه صوت المصريين القدماء.. حكاية حجر رشيد ومفتاحه
في قاعة بباريس قرأ شاب في الحادية والثلاثين رسالة أعادت للجدران المصرية القدرة على الكلام بعد صمت طويل. من رشيد 1799 إلى لندن 1802 إلى قاعة الأكاديمية 1822، ثم إلى أحمد كمال باشا وقاموسه الذي لم يُطبع في حياته، وصولًا إلى سؤال اليوم: هل يعود الحجر؟ حكاية مفتاح ضاع وعاد.
٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

حسن فتحي: «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر عمارة أدهشت العالم
في زمن يلتهم فيه التكييف دخل البيوت، تعيد سيرة حسن فتحي طرح سؤال قديم: لماذا هجرنا عمارة تُبرِّد بيوتنا بلا كهرباء؟ حكاية «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر قرية كاملة، وكتب كتابًا ترجمه العالم، وسبق موجة البناء الأخضر بعقود.
٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة