تخطَّ إلى المحتوى

على أرصفة مكسورة.. المشاة في المدن المصرية يبحثون عن حقهم في الطريق

عبور شارع رئيسي في مدينة مصرية مهارة يتقنها الملايين اضطرارا: خطوة، توقف، قراءة سريعة لنوايا السائقين، ثم ركضة محسوبة. حكاية المشاة الذين يشكلون أغلبية مستخدمي الطريق، ويحصلون على أقل نصيب منه.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة

في كل مدينة مصرية مشهد يتكرر آلاف المرات يوميا: رجل أو امرأة أو تلميذ يقف على حافة شارع عريض متعدد الحارات، يرقب السيارات المندفعة، يتحين ثغرة في السيل المعدني، ثم يعبر في مسار متعرج محسوب بدقة من اكتسب المهارة بالممارسة القسرية. عبور الشارع في مصر ليس فعلا عابرا، بل مهارة حياتية كاملة يتعلمها الناس صغارا ويمارسونها يوميا على مسؤوليتهم، في غياب شبه تام لوسائل العبور الآمن.

والأرقام الكبرى للقضية معروفة وموثقة منذ سنوات: فحوادث الطرق تحصد في مصر آلاف الأرواح سنويا وتصيب عشرات الآلاف، وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية المتعاقبة إلى أن المشاة يمثلون نسبة كبيرة من ضحايا الطرق في البلدان النامية عموما، حيث يتقاسم الإنسان الأعزل الطريق مع مركبات مسرعة دون فواصل تحميه. وخلف كل رقم في هذه الإحصاءات أسرة فقدت عائلها أو ابنها في طريقه إلى عمل أو مدرسة.

تبدأ الحكاية من الرصيف، وهو المساحة التي يفترض أنها ملك المشاة وحدهم. لكن جولة قصيرة في أي حي تكشف واقعا مختلفا: أرصفة مرتفعة ارتفاعا يعجز عنه كبار السن، أو مكسورة تتربص بالكواحل، أو محتلة بالكامل بسيارات متوقفة وبضائع محال وأكشاك ومقاهي رصيف، أو مقطوعة فجأة بلا بديل. والنتيجة التي يعرفها الجميع: ينزل الماشي إلى نهر الأسفلت مضطرا، ليتقاسم الحارة مع السيارات والدراجات النارية في أخطر ترتيب ممكن.

أما العبور فقصة أطول. فالخطوط البيضاء المخصصة لعبور المشاة نادرة الوجود، وحيث توجد نادرا ما تحترمها المركبات، وإشارات المرور المخصصة للمشاة أندر. وتبقى كباري المشاة الحل الرسمي الأكثر شيوعا، لكنها كثيرا ما تقام متباعدة بمسافات طويلة، وتتطلب صعود عشرات الدرجات التي تمثل عقبة حقيقية أمام مسن أو مريض أو أم تحمل طفلا، فيفضل كثيرون المخاطرة بالعبور السطحي على الالتفاف الشاق، ويلومهم البعض على ذلك دون النظر في معقولية البديل المتاح.

ويدفع الأطفال حصة موجعة من الثمن. فرحلة الذهاب إلى المدرسة سيرا، وهي في بلدان أخرى تمرين صحي محبب، تتحول قرب مدارس كثيرة إلى مصدر قلق يومي للأهالي، حيث تختلط أبواب المدارس بالمرور السريع دون مطبات مهدئة كافية أو ممرات عبور أو مشرفي عبور. ويحرص أهال كثيرون على مرافقة أبنائهم حتى أعمار متقدمة لا خوفا من ضياعهم بل خوفا من الشارع نفسه، وهو جهد ووقت يوميان تدفعهما الأسر ثمنا لغياب التصميم الآمن.

وكبار السن وذوو الإعاقة هم الأكثر إقصاء من المشهد كله. فالرصيف غير الممهد يستحيل على كرسي متحرك، والعبور الذي يحتاج ركضة سريعة يستبعد من لا يقدر عليها، والمدينة التي لا يستطيع الإنسان التحرك فيها مشيا باستقلالية تصادر جزءا من حياته اليومية وكرامته. ورغم أن أكواد البناء والاشتراطات الحديثة باتت تنص على اعتبارات الإتاحة، يظل تطبيقها على أرض الشارع القائم فعلا هو الاستثناء لا القاعدة.

وجذر المشكلة، كما يجمع مخططون عمرانيون، هو فلسفة تصميم ظلت لعقود تنحاز للسيارة على حساب الإنسان. فالشارع يقاس نجاحه بسيولة حركة المركبات لا بسلامة مستخدميه، والتوسعات تلتهم الأرصفة لصالح حارات إضافية، والكباري والأنفاق تصمم لعبور السيارات بينما يطلب من الماشي أن يتدبر أمره. وهي فلسفة أخذت مدن كثيرة حول العالم تراجعها جذريا بعدما ثبت أن الشوارع الأكثر أمانا للمشاة أكثر أمانا للجميع، بمن فيهم السائقون أنفسهم.

والحلول ليست سرا ولا ترفا؛ فالخبرة العالمية التي توثقها منظمة الصحة العالمية وهيئات سلامة الطرق تلخصها إجراءات معروفة: خفض السرعات داخل الأحياء السكنية ومحيط المدارس، ومطبات ومرتفعات تهدئة مدروسة، وممرات عبور واضحة بإشارات ضوئية تمنح المشاة زمنا كافيا، وأرصفة متصلة ممهدة بمنحدرات للكراسي المتحركة، وإنارة جيدة، وإنفاذ حقيقي لقواعد أولوية المشاة. وقد أثبتت التجارب أن خفض السرعة وحده ينقذ الأرواح، لأن فارق كيلومترات قليلة في سرعة الاصطدام يصنع الفارق بين إصابة ونجاة.

وليست مصر خارج هذا المسار؛ فقانون المرور يقرر أصلا حقوقا للمشاة وواجبات على السائقين تجاههم، ومشروعات التطوير الحضري الأحدث، من ممشيات النيل إلى إعادة تخطيط بعض الميادين وشوارع المدن الجديدة، تظهر وعيا متزايدا بقيمة المشي في المدينة. ويطالب مهتمون بأن تمتد هذه العناية من المشروعات الجديدة إلى الشارع العادي في الحي الشعبي، حيث يعيش ويمشي معظم المصريين فعلا، فجودة المدينة تقاس بأرصفتها العادية لا بواجهاتها.

وللمشي مردود يتجاوز السلامة. فالمدينة الصالحة للمشي أنشط اقتصاديا لأن المارة هم زبائن المحال، وأنظف هواء لأن كل رحلة سير تعني رحلة أقل بمحرك، وأصح سكانا لأن المشي أرخص نشاط بدني وأكثره ديمقراطية، وأقوى نسيجا اجتماعيا لأن الشارع الآمن مساحة لقاء. ولهذا لم تعد قضية المشاة في أدبيات التخطيط قضية مرورية فرعية، بل مدخلا رئيسيا لجودة الحياة والصحة العامة والاقتصاد المحلي معا.

يبقى جوهر القضية بسيطا: المشاة ليسوا فئة هامشية، بل هم الجميع؛ فكل سائق يصبح ماشيا لحظة يغلق باب سيارته. والملايين الذين يشقون طريقهم يوميا فوق أرصفة مكسورة وبين سيارات مسرعة لا يطلبون امتيازا، بل حقا أصيلا في مدينة يمكن عبور شوارعها دون مقامرة. وحين تعاد للأرصفة وظيفتها وللعبور أمانه، لن يكون ذلك مكسبا للمشاة وحدهم، بل علامة على مدينة صارت أرحم وأذكى بأهلها جميعا.

مواد ذات صلة

صوت المواطن

من الطابور إلى الشاشة: المواطن والمصلحة الحكومية ومصر الرقمية

من طابور الفجر إلى شباك «تعالَ بكرة»، ظلت رحلة المصلحة الحكومية تجربة وطنية مشتركة. واليوم تعيد حملة تحول رقمي موثّقة — بوابة مصر الرقمية، وتوصيل الوثائق إلى المنازل، والدفع الإلكتروني — كتابة العلاقة بين المواطن والشباك بهدوء.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

أرغفة العيش البلدي المصري الطازج مرصوصة على قفص خشبي أمام مخبز في الحي
صوت المواطن

في طابور العيش: طقس المصريين اليومي حيث يُعجن الصبر مع الرغيف

قبل الفجر، أمام كل مخبز مصري، ينعقد برلمان صغير يحكم نفسه بنفسه: طابور العيش البلدي. صورة من مستوى الشارع لهذا الطقس اليومي — قواعده غير المكتوبة، وبطاقاته الذكية، ومساواته الخشنة، ولماذا كان الصف أمام المخبز دائمًا مقياسًا لحال البلد.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

رصيف مزدحم في إحدى محطات مترو القاهرة بينما يستقل الركاب القطار في ساعة الذروة
صوت المواطن

رحلة الملايين اليومية.. المواصلات العامة كما يعيشها المصريون من الداخل

بين زحام المترو وفوضى الميكروباص وطول الانتظار، يقضي ملايين المصريين ساعات من أعمارهم يوميا في رحلة الذهاب والعودة من العمل. قصة يومية يعرفها الجميع، ومطالب بسيطة يرددها الركاب أينما سألتهم: انتظام وكرامة وسعر عادل.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة