تخطَّ إلى المحتوى

في طابور العيش: طقس المصريين اليومي حيث يُعجن الصبر مع الرغيف

قبل الفجر، أمام كل مخبز مصري، ينعقد برلمان صغير يحكم نفسه بنفسه: طابور العيش البلدي. صورة من مستوى الشارع لهذا الطقس اليومي — قواعده غير المكتوبة، وبطاقاته الذكية، ومساواته الخشنة، ولماذا كان الصف أمام المخبز دائمًا مقياسًا لحال البلد.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
بائعة عيش بلدي وأرغفة مرصوصة على عربة في شارع قاهري
Oliver Kloss / Wikimedia Commons (CC BY 4.0)

يبدأ النهار بالدخان. قبل أن يخفت صدى أول أذان، تكون مدخنة المخبز في الحي قد بدأت تتنفس، ورائحة العجين المخبوز تتسلل في شوارع ما زالت نائمة. وحين يُرفع الباب المعدني بصوته المألوف، يكون الصف قد اكتمل: رجال بجلاليبهم، ونساء بأكياس القماش، وصبي نعسان أرسلته أمه وفي قبضته البطاقة الذكية للأسرة. لقد انعقد طابور العيش — واحد من أقدم مؤسسات الحياة اليومية المصرية وأكثرها عاديةً وأشدها كشفًا عن حال البلد.

موضوع كل هذا الاهتمام رغيف مستدير مفرود: العيش البلدي، يُخبز داكنًا من دقيق خشن، منتفخًا ساخنًا من فرن مستعر. وفي العامية المصرية يسمى الخبز «عيشًا» — أي الحياة حرفيًا — واللغة هنا لا تبالغ. فالعيش البلدي المدعوم ظل ركيزة المائدة المصرية لأجيال، وحمت الدولة سعره عقودًا طويلة عند مستوى يُقاس بالقروش، حتى يستطيع أفقر بيت في الشارع أن يضع الخبز على مائدته كل يوم بلا استثناء.

وللطابور دستوره غير المكتوب. يد على كتف تحجز مكانًا بينما صاحبها يقضي حاجة سريعة. رجل مسن يُدفَع إلى الأمام بلا نقاش. امرأة تحمل طفلها تتسلم أرغفتها أولًا ويتظاهر الجميع بأن هذا كان الترتيب دائمًا. يحاول أحدهم أن يتخطى الدور فيثور الصف ويجادل ويتفاوض ثم يسوّي أمره في دقيقة — برلمان صغير يحكم نفسه بنفسه، ينعقد كل صباح بلا رئيس جلسة وبلا محاضر.

وانضمت التقنية إلى الطقس. فمنذ سنوات يقوم الدعم على البطاقات الذكية: كل فرد مسجل في الأسرة يمنحها عددًا محددًا من الأرغفة المدعومة يوميًا، وتُمرَّر البطاقة أو تُناوَل عبر الشباك قبل أن يُناوَل الخبز. وصارت صفارة قارئ البطاقات الخافتة جزءًا من موسيقى الطابور، إلى جانب احتكاك المجرفة الخشبية بأرض الفرن، والسؤال الأزلي الذي يُصاح به من آخر الصف: «فيه عيش ولا مفيش؟»

وفي الداخل تجري حركة دقيقة محسوبة. عامل يرصّ أقراص العجين على مجرفة خشبية طويلة ويقذف بها إلى اللهب؛ وآخر يتلقى الأرغفة الناضجة وهي تنتفخ وتتورد؛ وثالث يعدّها عبر الشباك بسرعة لا يجاريها أمهر أمين صندوق، وهو يقلب الأرغفة على الصواني الممدودة والصحف المفروشة. والحرارة عند فم الفرن قاسية في الصيف، والرجال الذين يعملون هناك يفعلون ذلك في صيام رمضان وظهيرات أغسطس على السواء.

ثم يأتي مشهد من أكثر المشاهد مصريةً: خروج العيش. فالأرغفة الساخنة لا تُكيَّس — إذ تتبخر فتترطب — بل تسافر في الهواء الطلق، محمولة مفرودة على أقفاص الجريد والصواني السلكية، متوازنة فوق الرؤوس وعلى مقاود الدراجات وأسطح السيارات، مبسوطة لتبرد على أي سطح نظيف يوفره الشارع. ورصيف المخبز في السابعة صباحًا فسيفساء من خبز يبرد وحديث لا يستعجل شيئًا.

والحديث هو المقصود، أو نصفه على الأقل. فالطابور هو المكان الذي يتبادل فيه الشارع أخباره: أسعار عربة الخضار، وفرح يوم الخميس، وجار في المستشفى، ونتيجة الامتحانات، والماتش. يعرف الدائمون طلبات بعضهم وهموم بعضهم. ولكبار السن الذين يعيشون وحدهم، قد تكون رحلة الصباح إلى المخبز الحدث الاجتماعي الرئيس في اليوم، لقاء مضمونًا بوجوه مألوفة في ساعة ثابتة.

وما يعلّمه الطابور ضرب من المساواة الخشنة. فأسرة الطبيب وأسرة البواب تتسلمان الرغيف نفسه من الشباك نفسه بالسعر نفسه. وقليلة هي الأماكن المتبقية في مدينة متفاوتة الطبقات يصدق فيها ذلك. أناس ما كانوا ليلتقوا أبدًا يقفون كتفًا إلى كتف، يجمعهم المشوار المتواضع نفسه، والخبز الذي يخرج واحد للجميع — ساخن، غير كامل الاستدارة، مغبر بالردة، وديمقراطي تمامًا.

وبحلول منتصف الضحى تنقضي الموجة الأولى؛ وستجذب خبزة ثانية طابورًا أصغر قبيل الغداء. يجري الصبي إلى البيت والأرغفة مرصوصة على ساعده والبطاقة في جيبه، وقد اقتُطع من أحدها طرف وأُكل — الضريبة التي يفرضها كل طفل في مصر في طريق العودة. وغدًا، قبل الفجر، ستتنفس المدخنة من جديد وينعقد برلمان الرصيف مرة أخرى. وما دام ينعقد، فإن شيئًا جوهريًا في الحياة اليومية للبلد ما زال متماسكًا.

مشاركة

مواد ذات صلة

رجل يقود دراجة محمّلة بقفصين كبيرين من العيش وسط السيارات في شارع مزدحم
صوت المواطن

على عجلتين وسط الزحام: أين تقف الدراجة في شوارع مصر في يوم بلا سيارات؟

في 22 سبتمبر يحتفل العالم بيوم بلا سيارات، بينما تمرّ الدراجة في شوارعنا بين الميكروباصات وفوق حارة مرسومة تقف عليها سيارة. من «كايرو بايك» إلى «دراجتك صحتك» إلى صينية العيش على رأس صبي في شارع جانبي: ريبورتاج عمّا يراه أي مارّ، وسؤال واحد: لمن الدراجة في مصر، ولماذا تظل الحارة الآمنة حلماً؟

٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

طبيبة تجلس إلى مكتبها وتبتسم لسيدة ترتدي إيشارباً تجلس أمامها، وسماعة طبية حول عنقها
الأخبار الطبية

أكتوبر الوردي: فحص مجاني في أقرب وحدة صحية.. لماذا يغيّر الكشف المبكر مصير الست المصرية؟

«مفيش وجع» ليست سببًا للتأجيل. منذ يوليو 2019 تفتح الوحدات الصحية أبوابها مجانًا لكل سيدة من 18 عامًا، وحتى يونيو 2026 هبطت نسبة الاكتشاف المتأخر من 60% إلى 19.5% بحسب وزارة الصحة. في شهر التوعية بسرطان الثدي نشرح ماذا يحدث في الوحدة، وما العلامات التي تستدعي الزيارة، ولماذا يؤخر الخوف والوصمة أهم كشف في حياة السيدة المصرية.

٢ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة