بعد جرس الانصراف يبدأ اليوم الثاني: أمسيات «السناتر» في الشارع المصري
في السابعة مساءً يضيء شارعٌ جانبي بلافتات مراكز الدروس أكثر مما تضيئه أعمدة الإنارة: تاكسيات تقف وتنطلق، حقائب تحمل «الشيت» بدل الكتاب، وصفوف انتظار على السلالم. ريبورتاج من الرصيف، في يوم المعلم العالمي، عن مشهدٍ يعرفه كل بيت مصري، وعن مسار السياسات التي حاولت تغييره منذ 2022.

في السابعة مساءً، حين تكون المدارس قد أغلقت أبوابها منذ ساعات، يستيقظ شارع جانبي في حيٍّ مصري عادي على يومٍ دراسي ثانٍ. لا تحتاج أن تبحث عن المكان؛ الضوء يدلّك عليه. لافتات مراكز الدروس، بألوانها الصارخة وأسماء المواد مكتوبة بخطٍّ عريض، تضيء الرصيف أكثر مما تضيئه أعمدة الإنارة العامة التي يُطفأ نصفها أو يرمش. ثلاثة أبواب متجاورة، كل باب يعلوه اسم مختلف، وأمامها عربات تاكسي تتوقف وتنطلق في إيقاع منتظم كأنه جدول مواصلات غير معلن.
من الرصيف المقابل يمكنك أن تقرأ الشارع كله من غير أن تدخل أي باب. ميكروباص يفرغ حمولته من التلاميذ عند الناصية، وبائع الكشك جهّز أقلامًا ودفاتر صغيرة وأكوابًا من الشاي لمن ينتظر. عند مدخل العمارة الأولى يقف حارس أو موظف استقبال يحمل كشفًا بالأسماء، ويرفع صوته بين الحين والآخر بكلمة واحدة: «الصف الثالث». تتحرك مجموعة، وتحل محلها أخرى، وتستمر الحركة على هذا النحو حتى ما بعد العاشرة.
أول ما يلفت النظر هو الحقائب. حقائب المدرسة الثقيلة التي حملها هؤلاء الأطفال في الصباح غابت، وحلّ محلها حقائب أخف تحمل «الشيتات»: أوراق مصوّرة ومدبّسة، لكل حصة شيتها، ولكل مركز شيته الذي يميزه عن المركز المجاور. الكتاب المدرسي غائب تمامًا عن هذا المشهد، وكأنه ينتمي إلى اليوم الأول لا الثاني. وعلى سلالم العمارات، في انتظار انتهاء المجموعة السابقة، يجلس الطلاب صفوفًا صفوفًا يراجعون ورقة أو يتبادلون الهواتف، بينما يقف أولياء الأمور على الرصيف ينتظرون، أو ينتظرون داخل سياراتهم والمحرك دائر.
كم تكلف هذه الأمسيات البيوت التي أرسلت أبناءها؟ نحيل القارئ إلى ما نشرته البوابة في مقال «العودة إلى المدارس بذكاء» مطلع هذا العام الدراسي، نقلًا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء: الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية تستحوذ على 28.3% من إنفاق الأسر التي لديها طلاب على التعليم، وقد بدأت الدراسة في 12 سبتمبر 2026. ونكتفي هنا بإضافة رقم أقدم يُذكر بتاريخه لا أكثر: في يوليو 2016 نقلت الأهرام أونلاين عن الجهاز نفسه أن الأسرة الحضرية التي لديها طلاب كانت تنفق نحو 5,500 جنيه سنويًا على التعليم، أي 11% من دخلها، مقابل نحو 2,333 جنيهًا للأسرة الريفية، أي 6.7%. تغيرت الأرقام كثيرًا منذ ذلك الحين، لكن الفجوة بين المدينة والقرية ما زالت تُقرأ في الشارع: اللافتات المضيئة أكثر حضورًا في المدن.
لكن السؤال الذي يثيره الرصيف ليس سؤال المال وحده. السؤال هو لماذا يوجد هذا الشارع أصلًا. والإجابة الأمينة تبدأ من المدرسة لا من المركز. في مايو 2025 قال وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، في ندوة نظمها مجلس الأعمال المصري الكندي بالقاهرة، بحسب ما نقلته الأهرام أونلاين، إن العجز في المعلمين يقارب 470 ألف معلم على مستوى الجمهورية، وإن الكثافة في بعض فصول المدارس الحكومية كانت تتجاوز مائتي طالب في الفصل قبل خطة خفض الكثافات. فصل بهذا الحجم، ومعلم يقف أمامه وحده، يفسران الكثير مما يحدث على الرصيف في السابعة مساءً من غير أن يُتهم أحد بشيء.
ولأن هذا المقال يُنشر في اليوم العالمي للمعلمين، فمن الإنصاف أن نقول ما يعرفه كل من وقف على هذا الرصيف: المعلم الذي يصعد سلالم المركز في المساء هو في أحيان كثيرة المعلم نفسه الذي وقف في فصل الصباح. لم يخترع هو الفصل المكتظ، ولا حدد راتبه، ولا قرر أن يكون الطريق إلى الجامعة امتحانًا واحدًا يتحدد به مصير سنوات. هو، على حد ما نرى، الحلقة الأكثر إرهاقًا في سلسلة طويلة، يعمل يومين في يوم واحد، ويُلام في الاتجاهين.
الدولة نفسها اعترفت بحجم المشهد قبل أربع سنوات. في أكتوبر 2022 أعلن وزير التربية والتعليم آنذاك، الدكتور رضا حجازي، خطة لترخيص مراكز الدروس الخصوصية والسماح لمعلمي المدارس بالعمل فيها مقابل رسوم تُدفع للوزارة، وقدّر حجم هذا السوق بنحو 47 مليار جنيه سنويًا. الرقم وحده كان كافيًا لأن يشعل مجلس النواب: أمر رئيس المجلس لجنة التعليم بعقد جلسات استماع، واعترض نواب كثيرون على القرار، ووصفه بعضهم بأنه يقضي على المدرسة الحكومية لا يصلحها.
ولم يصمد القرار طويلًا. بحسب ما نقلته صحيفة «ذا ناشيونال» في فبراير 2023، تراجعت الوزارة عن ترخيص المراكز بعد أسابيع من إعلانه، وقال الوزير أمام البرلمان إن التراجع جاء خوفًا من أساليب التدريس فيها ومن أن تجعل المدارس الحكومية بلا معنى، وأعلنت بدلًا من ذلك مجموعات تقوية داخل المدارس برسوم رمزية يذهب أغلبها إلى المعلم. أي نقل الشارع المضيء إلى داخل سور المدرسة. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لا يمكننا من الرصيف أن نحكم إلى أي مدى تحقق ذلك.
ثم جاء رهان آخر على المدرسة نفسها. في 29 أكتوبر 2024 نقلت اليوم السابع عن وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قوله إن اعتماد الطلاب على سناتر الدروس الخصوصية انخفض بنسبة 50% بعد تطبيق أعمال السنة والتزام الطلاب بالحضور إلى المدارس. ننقل الرقم بصيغته: تصريحٌ من الوزير، لا إحصاء مستقلًا اطلعنا عليه، والفكرة وراءه واضحة على أي حال: حين تصبح درجات الحضور والأداء داخل الفصل جزءًا من النتيجة النهائية، يصبح للصباح ثمنٌ لا يستطيع المساء أن يعوضه.
وفي الندوة نفسها عرض الوزير أرقامًا عن الجانب الآخر من المعادلة: إضافة 98 ألف فصل خلال عام دراسي واحد، وخفض الكثافة من أكثر من مائتي طالب في بعض الفصول إلى أقل من خمسين في المتوسط في 99.9% من المدارس، وتعيين 30 ألف معلم سنويًا بمبادرة رئاسية، وموافقة على تعيين 72 ألفًا خلال العام. أرقام منسوبة إلى صاحبها، لكنها تقول شيئًا واحدًا على الأقل: أن الحكومة صارت تصف بالأرقام مشكلة كان الشارع يعرفها بالضوء واللافتات.
فهل تغير الشارع؟ الأمانة تقتضي أن نقول إن ما يُرى من الخارج لا يسمح بإجابة قاطعة. اللافتات ما زالت مضاءة في شوارع كهذه، والتاكسيات ما زالت تقف وتنطلق، والسلالم ما زالت مقاعد انتظار. ربما قلّ عدد الأبواب في شوارع أخرى، وربما انتقل بعض الطلاب إلى مجموعات المدرسة. الوضع القانوني لهذه المراكز نفسه متغير، وعلى حد علمنا لا يوجد حتى تاريخ كتابة هذه السطور إطارٌ نهائي مستقر يحكمها، فنكتفي بما وُثّق من قرارات وتصريحات ولا نضيف إليها.
ما يمكن قوله بيقين هو ما يقوله الرصيف نفسه في يوم المعلم: إن هذه الأمسيات كلها، بأضوائها وشيتاتها وصفوف انتظارها، ليست إلا شهادة على قيمة المعلم. الأسر التي تقتطع أكثر من ربع إنفاقها التعليمي لتشتري ساعة إضافية معه لم تفعل ذلك لأنها لا تثق به، بل لأنها تثق به أكثر مما يتيحه له الفصل المكتظ. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح في هذا اليوم ليس «لماذا يذهب المعلم إلى المركز؟» بل «ماذا ينقص فصل الصباح حتى يحتاج الجميع إلى فصل المساء؟».
عند العاشرة تقريبًا يبدأ الشارع في الانطفاء. تُطفأ لافتة، ثم أخرى، ويهبط الأطفال السلالم أسرع مما صعدوها، وتنطلق آخر التاكسيات، ويطوي بائع الكشك بضاعته. تعود المدرسة إلى صمتها، ويبقى على الرصيف أثر خفيف من أوراق مصوّرة سقطت من حقيبة ما. غدًا في الصباح سيُقرع الجرس مرة، وفي المساء سيُقرع مرة أخرى بلا صوت.
وأنت، الذي تقرأ هذه السطور على الأرجح وأنت تنتظر في سيارتك أو على الرصيف، تعرف هذا الشارع أفضل مما وصفناه. لسنا هنا لنقول لك أن تتوقف عن الذهاب إليه، فليس هذا قرارنا ولا نملك أن نحكم عليه. كل ما نرجوه في يوم المعلم أن يأتي عامٌ يكون فيه جرس الانصراف نهاية اليوم فعلًا، لا بداية يومه الثاني، وأن يعود المعلم إلى بيته في الوقت الذي يعود فيه تلاميذه إلى بيوتهم.
مواد ذات صلة

على عجلتين وسط الزحام: أين تقف الدراجة في شوارع مصر في يوم بلا سيارات؟
في 22 سبتمبر يحتفل العالم بيوم بلا سيارات، بينما تمرّ الدراجة في شوارعنا بين الميكروباصات وفوق حارة مرسومة تقف عليها سيارة. من «كايرو بايك» إلى «دراجتك صحتك» إلى صينية العيش على رأس صبي في شارع جانبي: ريبورتاج عمّا يراه أي مارّ، وسؤال واحد: لمن الدراجة في مصر، ولماذا تظل الحارة الآمنة حلماً؟
٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

«الأمريكان ما نزلوش على القمر».. ادعاء يعود كل عام، والقمر نفسه يردّ عليه بأعلام واقفة وآثار أقدام تُرى من المدار
مع افتتاح أسبوع الفضاء العالمي، تعود المقاطع القصيرة التي تقسم أن هبوط أبولو صُوّر في استوديو. نفحص الادعاء لا بشهادات الرواد، بل بما يمكن لأي عالم في العالم أن يفحصه اليوم: صور المدار، والصخور القمرية في المختبرات، والعاكسات التي تُقاس بها المسافة إلى القمر كل ليلة.
٤ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937
جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.
٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة