تخطَّ إلى المحتوى

قبل أن تشرق الشمس على الغيط: يوم عمل كامل لا يظهر في أي كشف رواتب

في الخامس عشر من أكتوبر يقف العالم أمام يوم عمل يبدأ قبل شروق الشمس في القرى المصرية ولا يظهر في أي كشف رواتب. قرار أممي من 2007، وأحدث أرقام الجهاز المركزي عن أسر الريف وقوة عمله وعن مليون وستمائة ألف امرأة محسوبات في الزراعة، وقانون تأمينات ينتظر من يقيّد نفسه فيه: قراءة هادئة لعمل يأكل منه الجميع ولا يُحسب في الدفاتر.

هيئة التحرير·نُشر في ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
امرأة ريفية مصرية بطرحة داكنة تنحني وسط حقل أخضر من البرسيم تجمعه بيدها في ضوء الصباح الباكر، وعامل آخر يحمل حزمة من المحصول في مقدمة الصورة
Mohamed shokry algarnosy / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

قبل أن تشرق الشمس على الغيط يكون يوم كامل قد بدأ في آلاف القرى المصرية، وفي الدلتا كما في الصعيد يتشابه أول الخيط: حركة في الحوش، وماء يُسخَّن، وعجين يدخل الفرن، ودواجن تُطعَم، ولبن يُحلب ويُصفّى ويُعبَّأ قبل أن يمرّ من ينقله إلى مركز التجميع. لا شيء في هذا يُسجَّل في دفتر ولا أحد يوقّع في كشف حضور. ومع ذلك فما يخرج من هذا البيت قبل السابعة صباحًا هو أول حلقة في سلسلة غذاء تنتهي على موائد المدن.

ومع أول ضوء يبدأ الشقّ الثاني من اليوم: أرض تُروى، وحشائش تُنقّى، وثمار تُجمع وتُفرز في صناديق قبل أن تتحرك بها السيارة إلى السوق. وفي مواسم بعينها — جني القطن، أو نقاوة الطماطم، أو قصّ الورد — يطول النهار حتى لا يبقى منه فضلة. ثم يعود الطريق إلى البيت: غداء، وواجب مدرسي، وزيارة إلى الوحدة الصحية لتطعيم طفل أو دواء ضغط لجدٍّ. ولا ينتهي اليوم عند الغروب، بل عند آخر عمل يمكن إنجازه على ضوء لمبة.

في الخامس عشر من أكتوبر من كل عام يقف العالم أمام هذا اليوم الطويل ويمنحه اسمًا. فالجمعية العامة للأمم المتحدة قضت بموجب قرارها رقم 62/136 الصادر في 18 ديسمبر 2007 اعتبار 15 أكتوبر يومًا دوليًا للمرأة الريفية، اعترافًا — بنصّ القرار — بدورهنّ الحاسم في تعزيز التنمية الزراعية والريفية، وتحسين الأمن الغذائي، والقضاء على الفقر في الأرياف. أي أن المناسبة في أصلها ليست باقة ورد، بل محاولة لجعل عمل غير محسوب مرئيًا في الأرقام أولًا، ثم في السياسات.

وفي مصر ليست القرية هامشًا في الصورة. فوفق بيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في 15 مايو 2025، بلغ عدد الأسر 26.5 مليون أسرة في أول يناير 2025، منها 14.7 مليون أسرة — أي 55.6% — تقيم في الريف، مقابل 11.8 مليون في الحضر. أي أن أكثر من نصف البيوت المصرية بيوت ريفية، وفي كثير منها يقوم شقٌّ أصيل من الاقتصاد اليومي على عمل نساء بلا عقد ولا مسمّى وظيفي.

وفي سوق العمل الرسمي تميل الكفّة إلى الريف. فنشرة الجهاز المركزي عن بحث القوى العاملة في الربع الثاني من عام 2026، الصادرة في السادس من أغسطس 2026 وهي أحدث ما نُشر حتى تاريخ كتابة هذه السطور، قدّرت قوة العمل بنحو 35.6 مليون فرد، منهم 20.2 مليون في الريف مقابل 15.4 مليون في الحضر، والإناث نحو 7.8 مليون مقابل 27.8 مليون من الذكور، وبطالة الإناث 14.4% مقابل 3.4% للذكور. وفي البيان نفسه تصدّر نشاط الزراعة واستغلال الغابات وقطع الشجر وصيد الأسماك الأنشطة الاقتصادية بنحو 6.25 مليون مشتغل، أي 18.6% من الإجمالي، منهم نحو 1.62 مليون من الإناث.

غير أن هذه الأرقام، على رصانتها، لا تلتقط اليوم الذي بدأ قبل الشروق. فهي مصمَّمة لقياس من يعمل بأجر أو يبحث عن عمل وفق تعريف فني محدد، وحتى المليون والستمائة ألف امرأة المحسوبات في الزراعة هنّ من انطبق عليهنّ ذلك التعريف. أما ساعات التنور والحلابة ونقاوة الأرض في حيازة الأسرة فتقع في منطقة رمادية: عمل حقيقي غير مدفوع وغير مسجّل. وهذه ملاحظة تفسيرية لا رقمًا؛ فحين لا يوجد أجر ولا عقد ولا سجل، لا يوجد ما يُحصى أصلًا، ويصير غياب الرقم جزءًا من المشكلة لا دليلًا على غياب العمل.

وما يقرّب هذه الملاحظة من اليقين هو ما تُظهره أبحاث استخدام الوقت. ففي تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة «دور اقتصاد الرعاية في تعزيز المساواة بين الجنسين — تقدّم النساء في الدول العربية»، الصادر في ديسمبر 2020، أن المتزوجات في مصر يقضين في أعمال الرعاية غير المدفوعة نحو سبعة أضعاف ما يقضيه المتزوجون، وأن غير المتزوجات يقضين نحو ستة أضعاف ونصف ما يقضيه نظراؤهنّ، وأن المرأة العاملة لا تتخفّف من هذا العبء بل تحمله فوق عملها المأجور. والتقدير هنا وطني لا ريفي، لكنه يضيء فارقًا يظهر في القرية بأوضح صوره.

وعلى المستوى العالمي تضع الأمم المتحدة، في صفحتها الخاصة بهذا اليوم، ثلاثة أرقام: النساء يشكّلن قرابة 40% من قوة العمل الزراعية في تقدير عام 2023، ولا يملكن سوى نحو 15% من الأراضي الزراعية، ويحصلن على 82 سنتًا مقابل كل دولار يحصل عليه الرجل في العمل الزراعي بأجر. وهي أرقام عالمية لا مصرية، ولا يجوز تحويلها إلى نسبة محلية. أما حصة النساء من الحيازات المصرية فأحدث ما تستند إليه القواعد الدولية فيها قديم: بيانات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ترجع إلى التعداد الزراعي 1999/2000، حين لم تتجاوز نسبة الحائزات نحو 5%. وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لا يتوافر — على حد علمنا — رقم رسمي حديث يحلّ محلّه.

وهنا يبدأ الشقّ العملي من الحكاية، وهو شقّ ورق قبل أن يكون شقّ حقول. فبطاقة الرقم القومي أول مستند يثبت وجود صاحبتها أمام الدولة، ومن دونها يتعذّر فتح حساب بنكي أو قيد حيازة زراعية أو الاشتراك في التأمينات. ولهذا ينفّذ المجلس القومي للمرأة منذ سنوات «مبادرة المواطنة المصرية — بطاقتك حقوقك» بالتعاون مع مصلحة الأحوال المدنية، عبر مأموريات متنقلة تستخرج البطاقات مجانًا لغير القادرات في المناطق الأكثر احتياجًا، ووفق ما ينشره المجلس على موقعه استُخرج نحو 2.8 مليون بطاقة منذ إنشائه، ولم يُعلَن حتى تاريخ كتابة هذه السطور رقم أحدث. أما الإعفاء من الغرامات فقد صاحب الحملات في فترات بقرارات محددة المدة لا بوصفه قاعدة دائمة، والأسلم السؤال في السجل المدني عمّا هو ساري وقت التقدّم.

والورقة الثانية تأمينية. فقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 وسّع المظلة لتشمل العمالة غير المنتظمة، ومنها العمال المؤقتون في الزراعة في الحقول والبساتين ومشروعات تربية الماشية والدواجن، وحائزو الأراضي الزراعية وملاكها ممن تقل حيازتهم أو ملكيتهم عن فدان. ووفق تعريف القانون ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2437 لسنة 2021، يدخل في هذا الباب من تقل مدة عمله لدى صاحب العمل عن ستة أشهر متصلة، أو كان عمله لا يدخل بطبيعته فيما يزاوله صاحب العمل من نشاط، بشرط ألا يكون خاضعًا لأحكام القانون بصفته عاملًا لدى الغير أو صاحب عمل، وألا يقلّ سنّه عن ثماني عشرة سنة. والمعنى في القرية بسيط: موسم الجني غير المقيَّد مجهود بلا أثر، أما الاشتراك المسجَّل فيتحوّل بعد سنوات إلى معاش أو تعويض عند العجز، والمرجع العملي أقرب مكتب للتأمينات الاجتماعية.

ثم تأتي طبقة ثالثة لا تخصّ الأوراق بل المسافة: بُعد الوحدة الصحية، وحال الطريق بين البيت والمدرسة، ووصول مياه الشرب النقية والصرف الصحي إلى داخل البيت لا إلى طرف القرية. وكل خدمة من هذه، حين تقترب خطوة، تُعيد إلى المرأة الريفية ساعات كانت تُنفَق في الطريق أو نقل الماء أو انتظار دور. وهذا هو المحور الذي يقوم عليه المشروع القومي لتطوير الريف المصري «حياة كريمة»، ومردوده الحقيقي يُقاس في الساعات التي تُوفَّر يوميًا لا في الافتتاحات.

وليس المقصود مما سبق شفقة ولا صورة قاتمة. فالقرية المصرية ليست متأخرة عن أحد، وفيها من المعرفة العملية ما لا تعرفه المدينة: مواعيد الري ودورات المحاصيل وأمراض الطيور وحساب الموسم قبل أن يبدأ. والمطلوب ليس ترقيقًا للعبارة، بل ثلاث خطوات: أن يُقيَّد العمل حتى يُحسب، وأن يُقيَّد صاحبه في التأمينات حتى يُحمى، وأن تُقرَّب الخدمة حتى تُختصر الساعات. وما عدا ذلك من كلام في المناسبات يمرّ في يومه وينتهي مع غروب الشمس نفسها التي بدأ العمل قبل شروقها.

وفي المدينة، حين يُوضع رغيف على المائدة وكوب لبن بجواره وطبق طماطم في منتصفها وباقة ورد في زاوية الحجرة، يكون كل صنف قد مرّ بيدٍ بدأت يومها قبل الشروق ولم تُدرَج في أي كشف رواتب. والخامس عشر من أكتوبر لا يغيّر هذا اليوم ولا يقصّره، لكنه يمنحه اسمًا ومكانًا في الحساب. وربما كانت أنفع طريقة لتذكّره ليست تهنئة تُرسل بل سؤالين عمليين: هل تحمل النساء في بيت أهلك في القرية بطاقات رقم قومي سارية؟ وهل يعرف أحدهنّ أن هناك اشتراكًا تأمينيًا يمكن قيده باسمها؟

مشاركة

مواد ذات صلة

حارة قاهرية ليلاً تضيئها لافتات المحال وأنوار معلقة، وطاولات مقهى وشباب جالسون في العمق
صوت المواطن

بعد جرس الانصراف يبدأ اليوم الثاني: أمسيات «السناتر» في الشارع المصري

في السابعة مساءً يضيء شارعٌ جانبي بلافتات مراكز الدروس أكثر مما تضيئه أعمدة الإنارة: تاكسيات تقف وتنطلق، حقائب تحمل «الشيت» بدل الكتاب، وصفوف انتظار على السلالم. ريبورتاج من الرصيف، في يوم المعلم العالمي، عن مشهدٍ يعرفه كل بيت مصري، وعن مسار السياسات التي حاولت تغييره منذ 2022.

٥ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

رجل يقود دراجة محمّلة بقفصين كبيرين من العيش وسط السيارات في شارع مزدحم
صوت المواطن

على عجلتين وسط الزحام: أين تقف الدراجة في شوارع مصر في يوم بلا سيارات؟

في 22 سبتمبر يحتفل العالم بيوم بلا سيارات، بينما تمرّ الدراجة في شوارعنا بين الميكروباصات وفوق حارة مرسومة تقف عليها سيارة. من «كايرو بايك» إلى «دراجتك صحتك» إلى صينية العيش على رأس صبي في شارع جانبي: ريبورتاج عمّا يراه أي مارّ، وسؤال واحد: لمن الدراجة في مصر، ولماذا تظل الحارة الآمنة حلماً؟

٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

واجهة مبنى دار القضاء العالي في وسط القاهرة، بأعمدته الحجرية الكلاسيكية ورمزي ميزان العدالة المنحوتين على جانبي الواجهة وعلم مصر يعلوها
منصة التشريع

قانون الإجراءات الجنائية الجديد 174 لسنة 2025 بدأ العمل به: ما الذي تغيّر فعلًا في حياة المواطن؟

بعد نحو ستة وسبعين عامًا، توقّف العمل بقانون الإجراءات الجنائية القديم وبدأ سريان القانون رقم 174 لسنة 2025 مع بداية العام القضائي. شرح هادئ لما تغيّر بالضبط: بدائل الحبس الاحتياطي من ثلاثة إلى سبعة، مدد الحبس وسقوفها، حضور المحامي، الإعلان بالوسائل الحديثة، وضمانات المجني عليه والشهود.

١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة