على عجلتين وسط الزحام: أين تقف الدراجة في شوارع مصر في يوم بلا سيارات؟
في 22 سبتمبر يحتفل العالم بيوم بلا سيارات، بينما تمرّ الدراجة في شوارعنا بين الميكروباصات وفوق حارة مرسومة تقف عليها سيارة. من «كايرو بايك» إلى «دراجتك صحتك» إلى صينية العيش على رأس صبي في شارع جانبي: ريبورتاج عمّا يراه أي مارّ، وسؤال واحد: لمن الدراجة في مصر، ولماذا تظل الحارة الآمنة حلماً؟

الساعة تقترب من الثامنة صباحاً في أحد شوارع وسط البلد. على حافة الطريق خطٌّ من الحواجز البلاستيكية القصيرة يرسم حارة ضيقة لا يتجاوز عرضها متراً أو مترين، وفي منتصفها تماماً سيارة متوقفة بمصابيح الانتظار مضاءة، وسائقها ينزل ليشتري شيئاً من الكشك المجاور. خلفها يظهر شاب على دراجة توصيل بصندوق خلفي، يبطئ لحظة، ثم ينحرف إلى يسار الحاجز ليندسّ بين ميكروباص يقف فجأة وسيارة أجرة تنادي على الركاب. لا أحد ينظر إليه. المشهد عادي إلى درجة أن أحداً لا يراه، وهذا بالضبط ما يستحق أن نقف عنده اليوم.
اليوم هو الثاني والعشرون من سبتمبر، اليوم العالمي بلا سيارات. الفكرة لم تولد في مصر ولا في المنطقة؛ بحسب ما هو موثق، انطلق برنامجه العالمي عام 2000 على يد شبكة «كاربَسترز» التي صارت لاحقاً «الشبكة العالمية للمدن الخالية من السيارات»، وتقول الشبكة، دون إحصاء مستقل يؤكد ذلك، إن أكثر من مئة مليون شخص في نحو ألف وخمسمئة مدينة يشاركون فيه بطرق وتواريخ متفاوتة. وفي أوروبا تبنّت المفوضية الأوروبية اليوم منذ عام 2000 تحت شعار «في المدينة بلا سيارتي»، وهي فكرة وُلدت في فرنسا عام 1998، ثم جعلته منذ 2002 خاتمة «أسبوع التنقل الأوروبي» الذي يُقام من السادس عشر إلى الثاني والعشرين من سبتمبر، فتُغلق في مدن كثيرة شوارع أمام السيارات لساعات ويخرج الناس إليها مشياً وعلى الدراجات.
في مصر يمرّ هذا اليوم في الغالب دون أن يلاحظه أحد. لا شارع يُغلق، ولا سيارة تتراجع خطوة. لكن من يمشي في أي مدينة مصرية بعين مفتوحة سيكتشف أن الدراجة لم تغب أصلاً عن الشارع؛ هي فقط لا تُحسب. صبيّ يحمل صينية العيش فوق رأسه ويقود بيد واحدة في شارع جانبي، وعامل يعبر الطريق الزراعي فجراً على دراجة بلا مصباح خلفي والشاحنات تمرّ بجواره، وبائع يعلّق على المقود أكياساً لا يعرف أحد كيف تتوازن. الدراجة في مصر موجودة بكثرة، لكنها موجودة في الهامش، بين الأسفلت والرصيف، حيث لا يُخصَّص لها مكان.
المكان المخصص جاء متأخراً وصغيراً. في أكتوبر 2022 أطلقت محافظة القاهرة مشروع «كايرو بايك» لمشاركة الدراجات، بوصفه أول منظومة عامة من نوعها في مصر بحسب توصيف المحافظة نفسها، بمئتين وخمسين دراجة موزعة على نحو خمس وعشرين محطة في وسط البلد وعابدين والأزبكية والسيدة زينب وجاردن سيتي ورمسيس والزمالك، مع حارات دراجات يتراوح عرضها بين متر ومترين وطولها نحو كيلومترين، محمية بحواجز بلاستيكية. الشراكة ضمّت برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ومؤسسة دروسوس ومعهد سياسات النقل والتنمية، وكانت المرحلة الثانية تستهدف خمسمئة دراجة على خمس وأربعين محطة.
عند الإطلاق كان السعر رمزياً: جنيه واحد للساعة عبر التطبيق أو بطاقات مسبقة الدفع، والمحطات تعمل بالطاقة الشمسية، وكانت المدينة تتحدث عن خطة لإنشاء أربعة عشر كيلومتراً من الحارات المحمية. ثم تعثّر المشغّل الأول، فأنهت المحافظة عقده في فبراير 2023 وتعاقدت مع شركة مصرية جديدة هي «بدّل»، وأُعيد تشغيل المشروع في سبتمبر 2023 بحسب ما نُشر في أكتوبر من العام نفسه: مئتان وخمسون دراجة على ست وعشرين محطة، والساعة بخمسة جنيهات زائد جنيهين رسم استخدام، والدفع كله عبر التطبيق ومسح رمز على الدراجة، بلا عمال في المحطات، مع وعد بالتوسع إلى الزمالك وجاردن سيتي. أما حال المشروع اليوم، في سبتمبر 2026، فلم نتمكن من التحقق منه بأنفسنا حتى تاريخ كتابة هذه السطور؛ آخر أرقام رسمية أُعلنت كانت في ديسمبر 2023 أمام لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب: نحو عشرين ألف مستخدم وعشرين ألف رحلة وحصيلة قرابة مئتي ألف جنيه، ووعد بإطلاق المرحلة الثانية خلال ثلاثة أشهر، ولم نجد ما يؤكد أنها أُطلقت.
من يمرّ بمدخل مترو في وسط البلد قد يلمح إحدى هذه المحطات: لوح شمسي فوق عمود معدني، وصف من الدراجات المقيدة إلى أرصفتها الحديدية، وشاشة صغيرة أو ملصق يشرح خطوات الاستخدام. المحطة تقف كأنها من مدينة أخرى: نظيفة، مرتبة، تعمل بضوء الشمس، بينما على بعد أمتار تُفرَغ بضاعة من صندوق سيارة نصف نقل فوق الحارة المرسومة للدراجات على طلعت حرب أو قصر النيل.
وهنا السؤال الذي يتكرر في كل شارع: لماذا تظل الحارة الآمنة حلماً حتى بعد أن تُرسَم فعلاً؟ يكفي الوقوف عشر دقائق لتعرف: الحارة تُستخدم انتظاراً للسيارات، وموقفاً للميكروباص حين يلتقط راكباً، ومساحة لعرض بضاعة، ومساراً للدراجات النارية حين يزدحم الطريق. الحواجز البلاستيكية خفيفة، تُزاح باليد، وبعضها ينكسر أو يختفي. وحين تصبح الحارة غير صالحة يخرج راكب الدراجة إلى الطريق العام، فيصبح في نظر السائقين عائقاً لا مستخدماً للطريق، ويصبح وصوله سالماً مسألة حظ أكثر منها مسألة تصميم.
ومع ذلك تبقى الدراجة، لأن الذين يركبونها لا يملكون رفاهية التخلي عنها. دراجات التوصيل التي انتشرت في السنوات الأخيرة بصناديقها الخلفية الملونة صارت جزءاً من المشهد الحضري في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن؛ يقودها شبان في الحر والبرد، يحملون وجبات وأدوية وطلبات، ويسابقون تطبيقاً يحسب الدقائق. وعلى الطرق الزراعية وأطراف المدن تظهر دراجة أخرى أقدم وأثقل، بمقعد جلدي متهالك وحامل خلفي، تنقل عاملاً إلى ورشة أو مزرعة قبل أن تشرق الشمس. هذه الدراجة لا تنتظر يوماً عالمياً؛ هي وسيلة الذين لا وسيلة لهم.
وفي المقابل هناك دراجة ثالثة، تُرى في صباحات الجمعة على طرق المدن الجديدة وداخل النوادي والمجمعات السكنية المسورة: خفيفة، بإطارات رفيعة وخوذة وملابس ملونة، تسير في مجموعات، وثمنها قد يبلغ أضعاف ثمن دراجة المبادرة الحكومية التي سنأتي إليها. ليس في ذلك عيب، فالرياضة حق، لكن المشهدين حين يوضعان جنباً إلى جنب يكشفان الحقيقة الصامتة: في مصر دراجتان لا دراجة واحدة، واحدة ضرورة الفقراء وواحدة رفاهية المستطيعين، وبينهما شارع لا يحمي أياً منهما.
الدولة حاولت أن تقرّب المسافة من جهة السعر على الأقل. مبادرة «دراجتك صحتك» التي تتبناها وزارة الشباب والرياضة طرحت في فبراير 2024 الدفعة الثانية من مرحلتها الرابعة: ألف دراجة جبلية بسعر أربعة آلاف ومئتين واثنين وأربعين جنيهاً للدراجة، أو أربعة آلاف وخمسمئة وسبعين جنيهاً شاملة الشحن، مع تقسيط يصل إلى أربعة وعشرين شهراً بقسط شهري قدره مئتان وأربعة وعشرون جنيهاً، أي أقل من ثمانية جنيهات في اليوم بحسب إعلان الوزارة نفسه، وبدأ التسليم في المحافظات في الخامس والعشرين من فبراير 2024. الفكرة نبيلة، لكن المبادرة تسلّم دراجة ولا تسلّم حارة، وتُخرج الناس إلى شارع لم يتغير.
ولماذا كل هذا الاهتمام بالعجلتين؟ لأن الجسد له حسابه أيضاً. منظمة الصحة العالمية توصي البالغين، بحسب صحيفة وقائعها عن النشاط البدني، بما لا يقل عن مئة وخمسين دقيقة أسبوعياً من النشاط البدني متوسط الشدة، وتقدّر أن نحو ثلث بالغي العالم، أي واحداً وثلاثين في المئة أو ما يقارب مليار وثمانمئة مليون شخص، لا يبلغون هذا الحد. والأهم أن المنظمة لا تكتفي بمخاطبة الأفراد؛ فهي تدعو السياسات العامة صراحة إلى ضمان الوصول إلى المشي وركوب الدراجات والنقل غير الآلي. بعبارة أبسط: الدراجة ليست هواية فحسب، بل جزء من صحة عامة تُبنى في تخطيط الشوارع لا في نصائح الأطباء.
يوم بلا سيارات في مصر لا يعني، على حد علمنا، أن أحداً سيغلق كورنيش النيل غداً. لكنه يمكن أن يعني أشياء أصغر وأقرب: أن تبقى الحارة المرسومة خالية من السيارات المتوقفة ولو ليوم واحد، وأن تُثبَّت الحواجز الخفيفة أو تُستبدل بأخرى لا تُزاح باليد، وأن يوضع عمود لربط الدراجات عند كل مدخل مترو، وأن ينتبه سائق الميكروباص، حين يقف فجأة ليلتقط راكباً، إلى أن خلفه شخصاً على عجلتين لا صفيحة تحميه. أشياء لا تحتاج إلى ميزانيات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى عين ترى الدراجة.
غداً صباحاً سيعود المشهد نفسه إلى الشارع نفسه: الحارة الضيقة بحواجزها البلاستيكية، والسيارة المتوقفة فوقها، والشاب الذي ينحرف إلى الطريق العام بين الميكروباصات. إن كنت تقود سيارة فربما تتذكر، قبل أن تركنها فوق الخط، أن هذا المتر الواحد هو كل ما تملكه الدراجة في المدينة. وإن كنت ممن يركبونها للرزق أو للرياضة أو لأنها الأرخص، فاعلم أنك لست هامشاً في الطريق، حتى لو عاملك الطريق كذلك. اليوم العالمي بلا سيارات يمرّ في يوم واحد، أما الدراجة فتمرّ كل يوم، وتستحق أن يراها أحد.
مواد ذات صلة

من الطابور إلى الشاشة: المواطن والمصلحة الحكومية ومصر الرقمية
من طابور الفجر إلى شباك «تعالَ بكرة»، ظلت رحلة المصلحة الحكومية تجربة وطنية مشتركة. واليوم تعيد حملة تحول رقمي موثّقة — بوابة مصر الرقمية، وتوصيل الوثائق إلى المنازل، والدفع الإلكتروني — كتابة العلاقة بين المواطن والشباك بهدوء.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

في طابور العيش: طقس المصريين اليومي حيث يُعجن الصبر مع الرغيف
قبل الفجر، أمام كل مخبز مصري، ينعقد برلمان صغير يحكم نفسه بنفسه: طابور العيش البلدي. صورة من مستوى الشارع لهذا الطقس اليومي — قواعده غير المكتوبة، وبطاقاته الذكية، ومساواته الخشنة، ولماذا كان الصف أمام المخبز دائمًا مقياسًا لحال البلد.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

هواء القاهرة قضية وطن: من «السحابة السوداء» إلى الأتوبيس الكهربائي.. معركة كل نفَس
كل خريف تعود «السحابة السوداء» لتخنق القاهرة الكبرى، لكن ما يقتل فعلاً هو ما لا نراه: جسيمات أدق من شعرة تتسلل إلى الرئة والدم. عشية اليوم العالمي بلا سيارات، نفتح ملف واحدة من أخطر المشكلات البيئية الصحية في القاهرة الكبرى: ما هي الأرقام، ما الذي يُفعل، وماذا يمكن أن تفعل أنت في يومك.
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة