تخطَّ إلى المحتوى

الزيادة السكانية: كيف نحوّلها من عبء يلتهم التنمية إلى ثروة بشرية؟

تجاوز عدد سكان مصر مئة مليون نسمة، وكل زيادة في التنمية يلتهم النمو السكاني جانباً كبيراً منها. لكن تجارب إيران وبنغلاديش وإندونيسيا وتونس وكوريا الجنوبية تثبت أن التحول ممكن: من عبء يستنزف الاقتصاد إلى ثروة بشرية تصنع النهضة. هذه خريطة الحلول العملية: ما تفعله الأسرة، وما تفعله الدولة، وما يفعله الإعلام.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
مشهد لشارع شديد الازدحام في القاهرة يعج بالمشاة والسيارات وواجهات المحال، يجسد الضغط اليومي للنمو السكاني المتسارع على الخدمات والمساحات.

في فبراير 2020 تجاوز عدد سكان مصر رسمياً مئة مليون نسمة، واليوم يزيد العدد على ستة ومئة مليون. كل عام تبني الدولة مدارس ومستشفيات وتضيف وظائف ووحدات سكنية، وكل عام يأتي النمو السكاني فيبتلع جانباً كبيراً من هذه الزيادة قبل أن يشعر بها المواطن. ليست هذه شعارات، بل حساب يعيشه كل بيت يومياً في كثافة الفصول، وطوابير المستشفيات، والتزاحم على فرص العمل.

حساب العبء بسيط: النمو الاقتصادي يُقسم على عدد السكان. فمهما أضاف الاقتصاد، فإن نمواً سكانياً أسرع يأكل نصيب الفرد منه: من المياه التي يتراجع نصيب الفرد منها عاماً بعد عام، ومن التعليم، ومن السكن، ومن مئات آلاف فرص العمل التي يجب توفيرها سنوياً لمجرد استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، قبل أن نتحدث عن تحسين أوضاع من سبقوهم.

ولنكن دقيقين فيما نقول وما لا نقول: هذه ليست حملة ضد الإنجاب، بل ضد الإنجاب غير المخطط. فالإنسان أعظم ثروات الأمم إذا تعلم وصحّ وعمل، وإنما يكمن العبء في الفجوة بين سرعة تزايد البشر وسرعة تزايد الموارد والمدارس والوظائف. وسدّ هذه الفجوة هو القضية كلها.

ولم تقف مصر مكتوفة الأيدي؛ فحملة «اتنين كفاية» التي أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعي عام 2018 حملت التوعية بتنظيم الأسرة إلى البيوت الريفية، وتقدم الوحدات الصحية خدمات تنظيم الأسرة، وتضع الاستراتيجيات القومية للسكان أهدافاً متعاقبة. وتشير المسوح الرسمية إلى تراجع معدل الإنجاب في السنوات الأخيرة — وهو تقدم حقيقي، لكن المعدل ما زال فوق مستوى الإحلال، والزيادة السنوية ما زالت ضخمة. ودرس تجارب العالم الناجحة أن هذه الجهود يجب أن تستمر عقوداً لا مواسم.

تأملوا تجربة إيران في التسعينيات — أحد أسرع انخفاضات الخصوبة الموثقة في التاريخ. أيدت القيادة الدينية تنظيم الأسرة علناً، وحملت شبكة «بيوت الصحة» الريفية الخدمات المجانية إلى القرى، وتلقى المقبلون على الزواج دورات تثقيفية. وفي نحو عقد ونصف هبط المتوسط من نحو ستة أطفال لكل امرأة في منتصف الثمانينيات إلى نحو طفلين مع مطلع الألفية.

وتأملوا بنغلاديش التي كانت أفقر من مصر حين بدأت. طرقت عاملات الصحة الأبواب حاملات المشورة والوسائل إلى نساء لا يصلن إلى العيادات، وتوسع تعليم الفتيات، ومنحت القروض الصغيرة والعمل في صناعة الملابس ملايين النساء دخلاً ومكانة. فهبطت الخصوبة من أكثر من ستة أطفال للمرأة في السبعينيات إلى نحو طفلين اليوم.

وتأملوا إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. منذ عام 1970 بنت هيئتها الوطنية لتنظيم الأسرة برنامجاً وصل إلى كل قرية، وأشركت شيوخ المجتمع وعلماء الدين بدلاً من مصادمتهم — دليلاً على أن هذه القضية يمكن الدفاع عنها من داخل إيمان المجتمع وقيمه لا ضدهما.

وتأملوا تونس، الرائدة عربياً. فمنذ أواخر الخمسينيات والستينيات رفعت سن الزواج، واستثمرت في تعليم الفتيات، ووسعت حقوق المرأة، وأتاحت وسائل تنظيم الأسرة، وحافظت لعقود على معدلات خصوبة من الأدنى في العالم العربي.

ثم يأتي النصف الآخر من الحكاية: تحويل الطفرة الشبابية إلى هبة ديموغرافية. كانت كوريا الجنوبية حوالي عام 1960 عند معدل خصوبة يقارب ستة أطفال ودخل متواضع، فخفضت الإنجاب وهي تضخ الاستثمار في تعليم عالي الجودة وصناعات تصديرية، فدخل جيلها الشاب الكبير سوق العمل عمالةً ماهرة لا شباباً عاطلاً. وينسب الاقتصاديون جانباً كبيراً من «المعجزة الآسيوية» إلى هذه الهبة تحديداً: معالون أقل، وعاملون أكثر، ومدخرات أعلى — بشرط أن يكون العاملون متعلمين وأن تكون الوظائف موجودة.

وفي كل هذه النماذج تتكرر الخيوط نفسها. تعليم البنات وتشغيل النساء هما أقوى رافعتين جُرّبتا على الإطلاق: فالمرأة المتعلمة العاملة تختار زواجاً أنضج وأطفالاً أقل وأوفر صحة. والخدمات يجب أن تسافر إلى الناس لا أن تنتظرهم. والقيادات الدينية والمجتمعية يجب أن تكون شريكاً. والتزام الدولة يجب أن يمتد عبر العقود والحكومات، محصناً من تقلب الأمزجة.

ماذا تفعل الأسرة؟ تخطط وتباعد بين الولادات، وتسأل السؤال الصادق: هل أستطيع أن أعلّم هذا الطفل وأطعمه وأعالجه كما ينبغي؟ فطفلان أحسنّا تعليمهما ورعايتهما يرفعان الأسرة أعلى مما يرفعها كثيرون تُركوا للمصادفة. ومن دور الأسرة أيضاً رفض تزويج القاصرات وختان الإناث — الجريمة التي يعاقب عليها القانون المصري — فكلاهما حلقة في سلسلة الفقر نفسها تتوارثها الأجيال.

وماذا على الدولة؟ أن تديم الحملات وتوسعها بدلاً من أن تشتعل وتخبو، وأن تجهز الوحدات الصحية الريفية حتى لا تبعد أي امرأة أكثر من مشوار قصير عن خدمات تنظيم أسرة مجانية، وأن تواصل التوسع في تعليم الفتيات ومحو الأمية، وأن تفتح مسارات عمل حقيقية للنساء، وأن تربط — حيث أمكن — برامج الدعم بصحة الطفل وانتظامه في التعليم. وفوق ذلك كله: الاستمرارية، بحيث تبني كل حكومة على ما شيدته سابقتها.

والإعلام — ونحن منه؟ التزامنا أن نبقي هذه القضية حية في الصدارة لا موضوعاً موسمياً، وأن نعرض نماذج العالم الناجحة بأمانة، وأن نفند الشائعات والخرافات التي تحيط بتنظيم الأسرة، وأن نخاطب المواطن بلغة تحترمه ولا تحاضر فيه أو تلومه؛ فالناس يستجيبون للاحترام لا للتقريع.

لم يكن الفارق بين العبء والثروة يوماً هو عدد البشر، بل ما تستثمره الأمة فيهم. تملك مصر اليوم جيلاً شاباً ضخماً يمكن أن يكون وقود انطلاقة اقتصادية حقيقية — لكن النافذة الديموغرافية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. الدول التي خططت حولت شعوبها إلى أعظم أصولها. وهذا الخيار خيارنا، ووقته هو الآن.

مواد ذات صلة

دارسون كبار في فصل لمحو الأمية يتابعون درسًا على سبورة كُتبت عليها حروف عربية.
قضايا الوطن الكبرى

محو الأمية في مصر: حجم التحدي والفصول التي تغيّر حياة الكبار

تشير التعدادات الحديثة إلى أن نحو ربع المصريين فوق سن العاشرة أميون — ملايين من الكبار لم يتعلموا القراءة. من الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار إلى فصول الجمعيات الأهلية وطلاب الجامعات المتطوعين، جولة في البرامج التي تعلّمهم، وما الذي ينجح فعلًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

قضايا الوطن الكبرى

السلامة على الطرق في مصر: مخاطر موثقة وحلول أثبتت جدواها

كل عام يفقد آلاف المصريين حياتهم على الطرق. الأسباب موثقة: السرعة الزائدة، ومركبات غير صالحة، وإنفاذ متقطع للقانون. والحلول التي خفّضت الوفيات بشدة في دول أخرى موثقة أيضًا. قراءة في ما يقوله الدليل العلمي، ولماذا لا وفاة على الطريق قدرًا محتومًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة