تخطَّ إلى المحتوى

سيوة.. واحة على حافة بحر الرمال حيث الملح والنخيل ومعبد التنبؤات

على بعد مئات الكيلومترات من صخب المدن، تنام واحة سيوة بين بحيرات الملح وبساتين النخيل والزيتون، حاملة إرثا أمازيغيا فريدا ومعبدا قصده الإسكندر الأكبر قبل أكثر من ألفي عام بحثا عن نبوءة غيرت مجرى التاريخ.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
أطلال قلعة شالي الطينية ترتفع فوق بساتين النخيل في واحة سيوة، ويظهر أفق الصحراء في الخلفية

في أقصى الصحراء الغربية المصرية، وعلى مسافة تزيد على سبعمائة كيلومتر من القاهرة وقرابة خمسين كيلومترا من الحدود الليبية، تستلقي واحة سيوة في منخفض يهبط عن مستوى سطح البحر. هذه العزلة الجغرافية التي فرضتها الصحراء لقرون طويلة لم تكن لعنة على الواحة، بل كانت سر تفردها؛ فقد حفظت لسيوة لغتها وعمارتها وعاداتها التي تميزها عن سائر مدن مصر وقراها، حتى وصلها الطريق الممهد في ثمانينيات القرن العشرين وفتح بابها أمام الزائرين.

تدين سيوة بشهرتها التاريخية لمعبد آمون في قرية أغورمي، ذلك المعبد الذي ذاع صيته في العالم القديم بوصفه مقرا لواحدة من أشهر دور التنبؤ والعرافة. وإلى هذا المعبد جاء الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، قاطعا الصحراء في رحلة محفوفة بالمخاطر، ليخرج من لقائه بالكهنة وقد أعلن ابنا للإله آمون، وهي اللحظة التي رسخت شرعيته حاكما لمصر وظلت من أكثر وقائع التاريخ القديم إثارة للجدل والخيال.

وفي قلب الواحة تنتصب أطلال قلعة شالي، المدينة القديمة التي بناها السيويون من مادة الكرشيف، وهي خليط من الطين المشبع بالملح والحصى. صمدت شالي قرونا في وجه الغزاة وقسوة الصحراء، لكن أمطارا غزيرة نادرة في مطلع القرن العشرين أذابت جدرانها الملحية، فهجرها أهلها إلى بيوت أحدث حولها. واليوم تبدو القلعة عند الغروب كأنها نحت طبيعي ضخم، وتجري جهود متواصلة لترميم أجزاء منها بالمواد التقليدية نفسها.

سيوة ليست حجارة وتاريخا فحسب، بل ثقافة حية. فأهلها من الأمازيغ يتحدثون إلى جانب العربية لغتهم السيوية المتوارثة، ويحافظون على تقاليد عريقة في الزواج والأعياد واللباس، وتشتهر نساؤها بالتطريز الفضي والحلي التقليدية وصناعة السلال من خوص النخيل. وهذه الخصوصية الثقافية تجعل زيارة الواحة تجربة إنسانية قبل أن تكون سياحية، شرط أن يتحلى الزائر باحترام عادات المجتمع المحافظ.

أما بحيرات الملح فهي نجمة سيوة الصاعدة في السنوات الأخيرة. مياه فيروزية صافية تحيط بها حواف بيضاء من بلورات الملح النقي، يطفو فيها السابح بلا جهد بسبب الكثافة الملحية العالية، في مشهد يقارنه كثيرون بالبحر الميت. وقد تحولت صور هذه البحيرات إلى واحدة من أكثر الصور المصرية انتشارا على مواقع التواصل، جاذبة نوعية جديدة من الزوار الباحثين عن الطبيعة البكر.

وتتناثر في أرجاء الواحة مئات العيون والينابيع، أشهرها عين كليوباترا، وهي بركة حجرية دائرية تتدفق فيها المياه العذبة منذ آلاف السنين، وذكرها الرحالة القدماء في كتاباتهم. وعلى أطراف بحر الرمال يقصد الزوار عين بير واحد، حيث يجتمع الماء الساخن والبارد على مقربة من الكثبان، بينما تظل جزيرة فطناس الموعد الأثير لمشاهدة الشمس وهي تغرق خلف النخيل والبحيرة في واحد من أجمل غروبات مصر.

وعلى مشارف المدينة يرتفع جبل الموتى، وهو تل مثقوب بمئات المقابر المنحوتة في الصخر تعود إلى العصور الفرعونية المتأخرة والعصرين اليوناني والروماني. وقد لجأ إليه أهالي سيوة للاحتماء خلال الحرب العالمية الثانية، فاكتشفوا بين جنباته مقابر مزينة برسوم جدارية ملونة ما زال بعضها محتفظا بألوانه، في شاهد على عمق التاريخ الذي تقف عليه الواحة.

اقتصاديا، تقوم حياة سيوة منذ القدم على النخيل والزيتون. فتمور سيوة وزيتونها وزيتها من الأجود في مصر، وتصدر منتجاتها إلى الأسواق المحلية والخارجية، كما اشتهرت الواحة بمياهها المعدنية الطبيعية التي تعبأ من ينابيعها. ويحرص كثير من الزوار على العودة محملين بالتمر والزيت والملح الصخري الذي يصنع منه الحرفيون مصابيح وقطعا تزيينية باتت علامة سيوية مميزة.

ولعشاق المغامرة، تفتح سيوة بوابة بحر الرمال الأعظم، أحد أكبر حقول الكثبان الرملية في العالم، الممتد على مساحات شاسعة بين مصر وليبيا. رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي، والتزلج على الرمال، والمبيت في مخيمات صحراوية تحت سماء صافية تكتظ بالنجوم بعيدا عن أي تلوث ضوئي، كلها تجارب جعلت من الواحة مقصدا مفضلا لسياحة الصحراء والتخييم.

يصل الزائر إلى سيوة عادة عبر طريق مرسى مطروح البري، في رحلة تستغرق ساعات عدة من الساحل الشمالي، وتظل الفترة من الخريف إلى الربيع الأنسب للزيارة، إذ يعتدل الطقس نهارا ويميل إلى البرودة ليلا، بينما يشتد حر الصيف. وتتنوع أماكن الإقامة بين فنادق بسيطة ونزل بيئية بنيت بالطراز السيوي التقليدي من الكرشيف وجريد النخيل، توفر تجربة إقامة لا تشبه سواها.

تبقى سيوة نموذجا نادرا لتوازن هش بين الانفتاح السياحي وصون الهوية. فالواحة التي عاشت قرونا في عزلتها تستقبل اليوم زوارها بكرم، لكنها تراهن على سياحة مسؤولة تحترم بيئتها وثقافتها. ومن يقصدها باحثا عن الهدوء والأصالة سيدرك سريعا لماذا يصفها عاشقوها بأنها ليست مكانا يزار، بل حالة تعاش.

مواد ذات صلة

دير سانت كاترين بأسواره الحجرية المحصنة عند سفح جبال الجرانيت في جنوب سيناء
مصر الجميلة

جبال سيناء العالية: سانت كاترين ودير عريق ودروب يقودها البدو

فوق منتجعات سيناء الساحلية ترتفع أعلى أرض في مصر: جبل موسى وجبل كاترين، ودير من القرن السادس لم يُغلق أبوابه قط، وبساتين بدوية في الوديان العالية، و«درب سيناء» — مسار مشي طويل أنشأته القبائل البدوية وتقوده بنفسها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

شعاب مرجانية ملونة في البحر الأحمر قبالة الساحل المصري وأسراب من الأسماك تسبح فوق رؤوس المرجان
مصر الجميلة

البحر الأحمر بعيدًا عن الشاطئ: شعاب وقواعد غوص وأطوم وبيوت للدلافين

ساحل البحر الأحمر المصري أكثر بكثير من منتجعات: مرجان مقاوم للحرارة يدرسه علماء العالم، وقواعد غوص صارمة، وخلجان حشائش بحرية يرعى فيها الأطوم، وبحيرات شعابية تستريح فيها الدلافين الدوّارة. دليل إلى البحر الذي وراء الرمال، وكيف تزوره من دون أن تؤذيه.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

معبد حتشبسوت الجنائزي بشرفاته المتدرجة عند الدير البحري تحتضنه جبال صحراوية ذهبية في البر الغربي بالأقصر
مصر الجميلة

البر الغربي بالأقصر.. حيث دفنت مصر ملوكها وحفظت ذاكرتها الخالدة

على الضفة الغربية للنيل في الأقصر، حيث تغرب الشمس خلف جبال طيبة، شيد المصريون القدماء مدينة أبدية لملوكهم وملكاتهم: وادي الملوك ومعبد حتشبسوت وتمثالا ممنون وقرية عمال بنوا التاريخ بأيديهم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

سيوة.. واحة على حافة بحر الرمال حيث الملح والنخيل ومعبد التنبؤات | صوت المواطن