جبال سيناء العالية: سانت كاترين ودير عريق ودروب يقودها البدو
فوق منتجعات سيناء الساحلية ترتفع أعلى أرض في مصر: جبل موسى وجبل كاترين، ودير من القرن السادس لم يُغلق أبوابه قط، وبساتين بدوية في الوديان العالية، و«درب سيناء» — مسار مشي طويل أنشأته القبائل البدوية وتقوده بنفسها.

تُظهر معظم صور سيناء سواحلها: منتجعات شرم الشيخ ودهب، وأرصفة الغوص، ومقاهي الشاطئ. لكن قلب شبه الجزيرة يروي حكاية مختلفة. ففي جنوبها ترتفع عقدة من جبال الجرانيت الداكنة إلى سقف مصر، وعلى ارتفاع نحو 1600 متر فوق سطح البحر تقع بلدة سانت كاترين الصغيرة، قاعدة الحجاج والمتنزهين الجبليين والرحالة الذين يجتذبهم واحد من أقدم المواقع الدينية المأهولة باستمرار على وجه الأرض.
الأرقام ترسم المشهد: جبل موسى، القمة التي حددتها التقاليد العريقة موضعًا لطور سيناء المذكور في الكتب المقدسة، يرتفع نحو 2285 مترًا. وجاره جبل كاترين يبلغ نحو 2642 مترًا، وهو أعلى نقطة في مصر كلها. الشتاء هنا بارد حقًا، والثلج يكسو القمم أحيانًا، وهو مشهد يفاجئ من لا يربطون مصر إلا بحر الصحراء. أما الربيع والخريف فيحملان النهارات المعتدلة والليالي الباردة المرصعة بالنجوم التي يعشقها المشاؤون.
عند سفح جبل موسى يقوم دير سانت كاترين. بُنيت أسواره المحصنة في القرن السادس بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان، لتحيط بموقع كانت التقاليد المسيحية قد ربطته منذ زمن طويل بالعليقة الملتهبة في قصة موسى. صُممت القلعة الجرانيتية لحماية رهبان تخوم نائية، ونجحت نجاحًا استثنائيًا: فقد ظل الدير عاملًا بلا انقطاع منذ ذلك الحين، ما يجعله من أقدم الأديرة المسيحية العاملة في العالم.
وأنتج هذا التاريخ المتصل إرثًا لا نظير له. فمكتبة الدير، التي كثيرًا ما توصف بأنها من أقدم المكتبات العاملة باستمرار في أي مكان، تحفظ آلاف المخطوطات باليونانية والعربية والسريانية والجورجية وغيرها. وهنا تعرّف الدارسون في القرن التاسع عشر إلى المخطوطة السينائية، وهي مخطوطة من القرن الرابع تُعد من أقدم النسخ الوافية للكتاب المقدس المسيحي؛ ومعظم أوراقها الباقية محفوظ اليوم في الخارج، وأبرزها في المكتبة البريطانية. وفي عام 2002 أدرجت اليونسكو منطقة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي.
والجبل أرض مقدسة لأكثر من ديانة. فداخل أسوار الدير يقوم مسجد، ويحفظ الرهبان تقليدًا وثائقيًا — «العهدة النبوية» المنسوبة إلى النبي محمد — يَعِد بحماية الدير، وهو تقليد استشهدت به الجماعة الرهبانية عبر قرون من تبدّل الحكام. وقد صعد هذه المنحدرات رحالة يهود ومسيحيون ومسلمون على مدى قرون، وكثيرًا ما تُروى قصة المنطقة مثالًا على تعايش طويل في أرض قاسية.
ويظل صعود جبل موسى التجربة الكلاسيكية. طريقان يقودان إلى الأعلى: درب الجِمال الطويل العريض المتدرج، و«درج التوبة»، وهو سلم من نحو 3750 درجة حجرية يقال تقليديًا إن راهبًا نحتها. يبدأ معظم الزوار في الظلام ليبلغوا القمة عند الشروق، حين تتحول سلاسل الجرانيت المحيطة من الأسود إلى الأحمر فالذهبي. وتتقاسم القمةَ كنيسةٌ صغيرة ومسجد، ويكشف النزول في ضوء النهار حجم ما تسلّقه المرء على ضوء المصابيح.
ولا شيء من هذا يستقيم من دون الجبالية، القبيلة البدوية التي يتشابك تاريخها مع تاريخ الدير. يقول التقليد إن أسلافهم أُرسلوا قبل قرون لخدمته وحمايته، وقد أقامت القبيلة حول سانت كاترين منذ ذلك الحين، ترعى بساتين جبلية مسوّرة من اللوز والزيتون والفاكهة في الوديان العالية. وصار الإرشاد اليوم ركيزة للاقتصاد المحلي، ويُنتظر من الزوار المتجولين في الجبال العالية أن يصطحبوا مرشدين بدوًا محليين — وهي قاعدة تصون سلامة المشائين وأرزاق الأهالي معًا.
أما التعبير الأكثر طموحًا عن تقليد الإرشاد هذا فهو «درب سيناء»، الذي أُطلق عام 2015 مسارًا للمشي لمسافات طويلة أنشأته وتديره تعاونية من قبائل بدوية. ربط المسار الأصلي ساحل خليج العقبة بمرتفعات سانت كاترين في نحو اثني عشر يومًا من المشي؛ ثم توسع المشروع لاحقًا إلى شبكة أطول بكثير تعبر أراضي عدة قبائل، تقود كل قبيلة منها المسافرين عبر أرضها هي. ويوصف على نطاق واسع بأنه أول مسار مشي طويل من نوعه في مصر.
والجبال نفسها منطقة محمية. فمحمية سانت كاترين تغطي منظومة بيئية مرتفعة لا شبيه لها في مصر، تعيش فيها نباتات متبقية من عصور أقدم فوق قمم تلتقط رطوبة الشتاء. وتتشبث هنا أنواع متوطنة، منها فراشة «أزرق سيناء» التي تُعد من أصغر فراشات العالم وتعتمد على زعتر سيناء المحلي. وتتقاسم الوديان بساتين ووعول وقنوات مياه عمرها قرون، ولا تنفصل جهود الصون هنا عن البساتين البدوية التي شكلت هذا المشهد أصلًا.
أما النصيحة العملية للمسافرين فبسيطة: تعالَ في الربيع أو الخريف طلبًا لألطف طقس، واستعد جديًا لليالي الباردة إن كنت ستبيت على الجبل. التزم اللباس المحتشم في الدير وتحقق من مواعيد الزيارة، فهي محدودة وتراعي تقويم الدير. استعن بمرشدين محليين، واحمل نفاياتك عائدًا، وامشِ برفق: فهذه الجبال ليست خلفية للصور بل جماعة حية من رهبان وبدو حفظوا العهد مع هذه الأرض نحو أربعة عشر قرنًا — ويرحبون اليوم بمن يعاملها بالاحترام نفسه.
مواد ذات صلة

البحر الأحمر بعيدًا عن الشاطئ: شعاب وقواعد غوص وأطوم وبيوت للدلافين
ساحل البحر الأحمر المصري أكثر بكثير من منتجعات: مرجان مقاوم للحرارة يدرسه علماء العالم، وقواعد غوص صارمة، وخلجان حشائش بحرية يرعى فيها الأطوم، وبحيرات شعابية تستريح فيها الدلافين الدوّارة. دليل إلى البحر الذي وراء الرمال، وكيف تزوره من دون أن تؤذيه.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

البر الغربي بالأقصر.. حيث دفنت مصر ملوكها وحفظت ذاكرتها الخالدة
على الضفة الغربية للنيل في الأقصر، حيث تغرب الشمس خلف جبال طيبة، شيد المصريون القدماء مدينة أبدية لملوكهم وملكاتهم: وادي الملوك ومعبد حتشبسوت وتمثالا ممنون وقرية عمال بنوا التاريخ بأيديهم.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

سيوة.. واحة على حافة بحر الرمال حيث الملح والنخيل ومعبد التنبؤات
على بعد مئات الكيلومترات من صخب المدن، تنام واحة سيوة بين بحيرات الملح وبساتين النخيل والزيتون، حاملة إرثا أمازيغيا فريدا ومعبدا قصده الإسكندر الأكبر قبل أكثر من ألفي عام بحثا عن نبوءة غيرت مجرى التاريخ.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة