تخطَّ إلى المحتوى

المرأة في البرلمان المصري: قصة الكوتا صعودًا وهبوطًا وعودة

من مقعد راوية عطية التاريخي عام 1957 إلى ضمانة دستورية بربع مقاعد مجلس النواب: الصعود والهبوط والعودة الموثقة للكوتا النسائية التي شكلت تمثيل المرأة في البرلمان المصري عبر سبعة عقود.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
قاعة جلسات البرلمان المصري من الداخل والأعضاء في مقاعدهم خلال جلسة عامة

في عام 1957 جلست امرأة واحدة في مقعدها بالبرلمان المصري فصنعت تاريخًا على مستوى العالم العربي. واليوم يضمن الدستور نفسه للنساء ما لا يقل عن ربع مقاعد مجلس النواب. وبين اللحظتين تمتد قرابة سبعة عقود من التجربة الموثقة: كوتا أُقرت ثم أُلغيت ثم أُعيدت ثم رُسخت أخيرًا. وقصة تمثيل المرأة في البرلمان المصري هي، إلى حد لافت، قصة إطار الكوتا ذاته — وهي جديرة بأن تُروى بوصفها سلسلة محطات قابلة للتحقق لا شعارات.

نقطة البداية دستور 1956 الذي منح المرأة المصرية للمرة الأولى حق التصويت والترشح. وفي انتخابات 1957 فازت راوية عطية بمقعد لتصبح أول امرأة عضوًا في برلمان مصري — وتوصف على نطاق واسع بأنها أول برلمانية في العالم العربي. ودخلت أمينة شكري المجلس في الفترة نفسها. سقط الحاجز، لكن الأرقام التي تلت أظهرت المسافة التي يمكن أن تفصل حقًا قانونيًا عن واقع اجتماعي.

وطوال الستينيات ومعظم السبعينيات ظل حضور النساء في البرلمان هامشيًا — حفنة من العضوات في مجلس من مئات الأعضاء. وكانت العقبات هي المألوفة الموثقة في مصر وغيرها: أحزاب تُحجم عن ترشيح نساء في مقاعد قابلة للفوز، وتكاليف الحملات، ومواقف اجتماعية من الأدوار العامة. ومن دون أي ضمانة مؤسسية كانت كل دورة انتخابية تعيد إنتاج النتيجة نفسها تقريبًا. وعلى هذه الخلفية جربت مصر أول علاج هيكلي.

ففي عام 1979، في عهد الرئيس أنور السادات، خصص تعديل لقانون الانتخاب كتلة لا تقل عن ثلاثين مقعدًا للنساء في مجلس الشعب. وكان الأثر فوريًا وقابلًا للقياس: قفزت أعداد النساء إلى أعلى مستوى لها حتى ذلك التاريخ، وصارت مصر مثالًا إقليميًا مبكرًا على الكوتا النسائية المقننة. وارتبط الإجراء شعبيًا بإصلاحات تلك الحقبة الأوسع في قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، وأثبت نمطًا سيتكرر — حين توجد الضمانة ترتفع الأرقام.

وسرعان ما ثبت العكس أيضًا. ففي منتصف الثمانينيات أُلغي تخصيص المقاعد وسط طعون دستورية متلاحقة على النظام الانتخابي، فانهار تمثيل النساء عائدًا نحو مستويات ما قبل الكوتا في الانتخابات التالية. ولقرابة عقدين خاضت مصر التجربة المضادة: لا كوتا، وحضور نسائي ضئيل باستمرار — كثيرًا ما كان دون ثلاثة في المئة من المجلس. وهكذا يقدم السجل المصري الموثق مقارنة نادرة الوضوح بين ما قبل إلغاء الكوتا وما بعده.

وجاءت المحاولة التالية عام 2009 حين أضاف قانونٌ أربعة وستين مقعدًا مخصصة للنساء، كان مقررًا أن تسري لدورتين برلمانيتين. وأُجريت انتخابات 2010 بهذا النظام فأنتجت ارتفاعًا حادًا في أعداد النساء. غير أن ذلك البرلمان حُل في أعقاب ثورة يناير 2011، فقُطعت التجربة قبل اكتمالها. وفي الانتخابات الانتقالية 2011-2012 لم تشترط القاعدة سوى وجود امرأة واحدة على الأقل في كل قائمة حزبية دون أي ضمانة للترتيب — فهبطت حصة النساء من المقاعد فورًا إلى بضعة في المئة.

وشكّل دستور 2014 تحولًا في الفلسفة. فقد ألزمت مادته الحادية عشرة الدولة بضمان تمثيل مناسب للمرأة في المجالس النيابية، وكتبت — وهذا لافت — ضمانة ثابتة في صلب الدستور للمجالس المحلية: ربع مقاعدها. وفي مجلس النواب المنتخب عام 2015 رفع إطار القوائم الحزبية ذات الأماكن المحجوزة للنساء، مع التعيينات الرئاسية، نسبة النساء إلى نحو خمسة عشر في المئة من المجلس — وهي أعلى نسبة في التاريخ البرلماني المصري حتى ذلك الحين، وإن ظلت دون الطموح الدستوري.

أما الخطوة الحاسمة فجاءت مع التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019. فالمادة 102 المعدلة تنص على ألا يقل تمثيل المرأة عن ربع مقاعد مجلس النواب. وللمرة الأولى لم تعد الكوتا حكمًا في قانون انتخاب يمكن لأغلبية مقبلة إلغاؤه بهدوء؛ بل رُسخت في النص الدستوري ذاته. وهذا الفارق مهم تحديدًا بسبب التاريخ السابق — فمصر عاشت بالفعل إلغاء كوتا قانونية وعرفت عواقبه.

وأنتجت انتخابات 2020، أول انتخابات تُجرى في ظل المادة المعدلة، أكبر كتلة نسائية تجلس في برلمان مصري على الإطلاق: فبفضل مقاعد القوائم والفوز الفردي والتعيينات صارت النساء يشغلن أكثر من ربع مجلس النواب. وحمل مجلس الشيوخ، الذي أعيد في العام نفسه، ضمانته الخاصة — إذ اشترط قانون إنشائه ألا تقل حصة النساء عن عشرة في المئة من مقاعده. كما سُميت نساء في مواقع قيادية داخل الغرفتين، بينها مناصب وكيل المجلس ورئاسة اللجان.

ويستحق الجدل حول الكوتا ذاته عرضًا أمينًا. فالمؤيدون يرون أنها تصحح حواجز هيكلية لم تُذبها عقود من المساواة الشكلية، ويشيرون إلى أن نسبة كبيرة من برلمانات العالم تعتمد اليوم آلية كوتا ما. والمنتقدون يخشون أن تُعامل المقاعد المحجوزة سقفًا لا أرضية، أو أن تعفي الأحزاب من بناء قيادات نسائية حقيقية. وما يضيفه السجل المصري إلى هذا الجدل معطى تجريبي: ففي كل دورة موثقة كان وجود الضمانة أو غيابها هو المتنبئ الأقوى بأعداد النساء.

والأرقام ليست القصة كلها أيضًا. فالتمثيل يفتح أسئلة أخرى يتتبعها الباحثون على حدة: أي لجان ترأسها النساء، وكم مرة يتولين حقائب وزارية، وهل يُترجم الربع الدستوري إلى تأثير في التشريع. وإلى جانب البرلمان تدخل محطات مثل تعيين النساء في القضاء وعمل المجلس القومي للمرأة في الملف نفسه. وتبقى ضمانة دستورية واحدة غير مختبرة عمليًا: ربع مقاعد المجالس المحلية المحجوز للنساء ينتظر إجراء الانتخابات المحلية التي لم تُعقد منذ عام 2008.

بعد سبعة عقود من دخول راوية عطية القاعة وحدها، تحول الإطار الذي دشنته بالقدوة إلى نص دستوري. والتطور الموثق — حقوق 1956، أول مقعد 1957، كوتا 1979، إلغاء منتصف الثمانينيات، إعادة 2009، مبادئ 2014، ترسيخ 2019، أرقام قياسية 2020 — يمنح المصريين شيئًا نادرًا في النقاش العام: قضية سياسات يقدم تاريخ بلدهم نفسه الدليل فيها. وأيًا كان موقف المرء من الكوتا مبدئيًا، فإن مسار حضور المرأة في البرلمان المصري لم يعد موضع تخمين. إنه سجل.

مواد ذات صلة

مجلس الشيوخ

من الشكوى إلى القانون: رحلة قضية المواطن داخل البرلمان المصري

من الشكوى المكتوبة إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى، فطلب الإحاطة والسؤال البرلماني، وأحيانًا قانون جديد: دليل خطوة بخطوة إلى الطريق الموثق الذي تسلكه قضية المواطن داخل البرلمان المصري.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة