تخطَّ إلى المحتوى

قبل الثامنة عشرة: ماذا يقول القانون المصري عن زواج الصغيرات؟ ولماذا يدفع الأطفال ثمن عقد لا يُوثَّق؟

الدستور يعتبر كل من لم يبلغ الثامنة عشرة طفلًا، والقانون يمنع توثيق عقد زواجه. لكن المنع ينصبّ على التوثيق لا على الواقعة، فيهرب العقد إلى «العرفي» وتبدأ الخسائر عند أول ورقة يحتاجها المولود. في اليوم الدولي للطفلة نشرح النصوص كما هي، والأرقام كما هي، ولماذا يظل مقعد المدرسة أقوى من كل موعظة.

هيئة التحرير·نُشر في ١١ أكتوبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
مجموعة من تلميذات مصريات بملابس ملونة وحجاب في رحلة مدرسية أمام معبد إيزيس بجزيرة فيلة
Spielvogel / Wikimedia Commons (CC0)

في مدرسة إعدادية على أطراف مركز صغير، يقف مدرّس الفصل أمام كشف الغياب في نوفمبر فيجد مقعدًا في الصف الثالث فارغًا منذ أسبوعين. يسأل، فيأتيه الردّ الذي سمعه قبل ذلك أكثر من مرة: «البنت اتخطبت». لا أحد يكذب عليه؛ فكلمة «خطوبة» في العرف واسعة، تتّسع لما بعدها وتستر ما بعدها. ثم يمضي العام الدراسي والمقعد فارغ كأن أحدًا لم يجلس عليه، ومشهد كهذا يتكرّر في المدينة كما في الريف وإن بنسب مختلفة.

بعد عامين يتغيّر المشهد ولا تتغيّر الحكاية. الفتاة نفسها، وقد صارت أمًّا في السابعة عشرة، تقف مع أهلها أمام مكتب الصحة من أجل ورقة تخصّ طفلها. الموظف لا يماطل؛ هو يطلب مستندًا رسميًا لا تملكه الأسرة، لأن العقد لم يُوثَّق أصلًا بل كُتب «عرفيًا» على ورقة عند شاهدين. وهنا تبدأ رحلة قد تطول أمام محكمة الأسرة لإثبات النسب، ويدفع ثمنها طفل لم يشارك في القرار.

نكتب هذا الكلام في الحادي عشر من أكتوبر، اليوم الدولي للطفلة، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار 66/170 الصادر في 19 ديسمبر 2011. وكان أول احتفال به في 11 أكتوبر 2012، وخُصِّصت دورته الأولى لإنهاء زواج الأطفال تحت شعار «حياتي، حقي: أوقفوا زواج الأطفال»، وظلّ هذا الملفّ في صدارة اليوم منذ ذلك الحين. والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح بهدوء: ما القاعدة القانونية المصرية بالضبط، كما هي مكتوبة في الدستور والقوانين النافذة؟

البداية من الدستور. تنصّ المادة 80 على أنه «يُعدّ طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره»، وتقرّر له — من بين حقوق أخرى تعدّدها المادة نفسها — الحقّ في اسم وأوراق ثبوتية، وفي تطعيم إجباري مجاني، ورعاية صحية وأسرية، ومأوى آمن. النص إذن لا يترك مساحة للاجتهاد في تعريف الطفل: ثمانية عشر عامًا هي الحدّ، للذكر والأنثى. ولاحظ أن الحق في «الاسم والأوراق الثبوتية» في صدر المادة، وهو تحديدًا الحق الذي يتعثّر أولًا حين لا يُوثَّق العقد.

أما القاعدة العملية فتقع في قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994، في المادة 31 مكرراً المضافة بالقانون رقم 126 لسنة 2008 المعدِّل لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، والمنشور في الجريدة الرسمية بالعدد 24 مكرر في 15 يونيو 2008. مؤدّى النص أنه لا يجوز توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ ثماني عشرة سنة ميلادية من الجنسين، وأن التوثيق يستلزم فحصًا طبيًا للراغبين في الزواج للتأكّد من خلوّهما من الأمراض التي تؤثّر في صحتهما أو في صحة النسل، مع إخطارهما بالنتيجة.

وهنا تلزم الدقة. فالقانون — بحسب هذه النصوص — يمنع «التوثيق» لمن هم دون الثامنة عشرة، ولا يجرّم واقعة الزواج ذاتها تجريمًا مباشرًا؛ فقول إن «زواج القاصرات جريمة يعاقب عليها القانون» على إطلاقه غير دقيق. لكن الباب ليس مفتوحًا: تعاقب المادة 227 من قانون العقوبات كل من أدلى أمام السلطة المختصة، بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السنّ المحدَّدة قانونًا، بأقوال يعلم أنها غير صحيحة أو قدّم أوراقًا كذلك، متى ضُبط العقد على أساسها؛ وتقرّر المادة نفسها عقوبة مستقلّة لمن خوّله القانون سلطة ضبط العقد وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السنّ.

وقد وافق مجلس الوزراء في 2022 على مشروع قانون لحظر زواج الأطفال بعقوبات أشدّ، وفي أبريل 2026 أحال رئيس مجلس النواب إلى لجان مختصة مشروعات قوانين مقدَّمة من نواب لتجريم تزويج من دون الثامنة عشرة وتوسيع المساءلة لتشمل من يشارك فيه أو ييسّره. وعلى حد علمنا، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم يصدر بعد نصّ نافذ يجرّم ذلك تجريمًا مستقلًّا، وما يُتداول لا يزال في نطاق المشروعات لا القوانين المعمول بها. فإن صدر تشريع جديد فسيغيّر الصورة، والأصل أن يتحقّق القارئ من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

ما الذي يحدث فعليًا إذن؟ حين يُغلق باب التوثيق، لا تتوقّف الواقعة في كثير من الحالات، بل تنزلق إلى الورقة العرفية. وهنا يتكلّم القانون بوضوح: تنصّ المادة 17 من القانون رقم 1 لسنة 2000 على أن الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج لا تُقبل عند الإنكار ما لم يكن الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية، ولا تُقبل أصلًا إذا كان سنّ الزوجة يقلّ عن ست عشرة سنة أو سنّ الزوج عن ثماني عشرة وقت رفع الدعوى، ويُستثنى من ذلك دعوى التطليق أو الفسخ وحدها متى ثبت الزواج بأية كتابة. أي أن الورقة العرفية تترك باب الخروج مواربًا وتغلق ما عداه، فتصير النفقة والحقوق المالية محلّ نزاع عند أول إنكار.

وحين يأتي الطفل ينتقل الضرر جيلًا كاملًا إلى الأمام، لكن العملي هنا أهمّ من التهويل: القانون لا يترك المولود بلا ورقة إلى حين صدور الحكم. فالمادة 15 من قانون الطفل، بتعديل 2008، تجعل والدة الطفل من المكلَّفين بالتبليغ عن الولادة، وللأمّ أن تقيّد وليدها في سجلات المواليد وتستخرج له شهادة ميلاد مدوَّنًا بها اسمها، على ألّا يُعتدّ بهذه الشهادة في غير إثبات واقعة الميلاد. أي أن الطفل ينال أول أوراقه، وتبقى بيانات النسب مؤجَّلة إلى أن تفصل المحكمة.

عمليًا، ولمن يواجه هذا الموقف اليوم، الطريق ليس مسدودًا وإن كان طويلًا: تُرفع دعوى إثبات نسب أمام محكمة الأسرة المختصة، وتُستكمل بيانات القيد بعد ذلك بناءً على الحكم. ومن حق الأسرة أن تطلب المساعدة القانونية من مكاتب المساعدة القضائية بالمحاكم، أو من مكتب شكاوى المرأة بالمجلس القومي للمرأة على الرقم 15115، أو من خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة على الرقم 16000. ولأن الإجراءات تتفاوت من حالة إلى أخرى، الأصحّ أن تُستشار جهة مختصة مبكرًا.

وثمة وجه صحي لا يجوز تجاهله، وقد التفت إليه المشرّع نفسه حين ربط التوثيق بالفحص الطبي. فبحسب منظمة الصحة العالمية، الأمهات بين العاشرة والتاسعة عشرة أكثر عرضة لتسمّم الحمل والتهاب بطانة الرحم النفاسي والعدوى الجهازية مقارنةً بالنساء بين العشرين والرابعة والعشرين، ومواليدهنّ أكثر عرضة لانخفاض الوزن عند الولادة وللولادة المبكرة وللحالات الوليدية الشديدة. والفتاة التي تتزوّج مبكرًا تكون غالبًا أقلّ قدرة على طلب رعاية صحية بنفسها.

لكن الصورة ليست سوداء، وهذا مهم. بحسب بيانات 2021 المنشورة على قاعدة بيانات زواج الأطفال العالمية، تزوّجت 16% من النساء في الفئة العمرية 20–24 عامًا في مصر قبل بلوغ الثامنة عشرة، و2% قبل الخامسة عشرة، مقابل 27.3% في بيانات 1996. أي أن ربع قرن أنزل النسبة بأكثر من الثلث: من نحو ربع النساء إلى نحو السدس. هذا انحدار حقيقي يستحقّ أن يُقال، لأنه يعني أن الظاهرة قابلة للتراجع بالسياسات، لا قدَرًا اجتماعيًا ثابتًا.

وتفصيل الأرقام أهمّ من إجماليها. الفجوة بين الريف والحضر واضحة في البيانات نفسها: 20.6% في الريف مقابل 8.7% في الحضر. أما التوزيع بحسب التعليم فيكسر الحدس الشائع: 31.5% بين من لم يلتحقن بالتعليم، و36.4% بين الحاصلات على تعليم ابتدائي — وهي النسبة الأعلى — و13.7% بين الحاصلات على تعليم ثانوي فأعلى. أي أن الأمر ليس سلّمًا خطيًا يقول «كلما قلّ التعليم زاد الزواج المبكر»؛ القفزة الحقيقية تحدث عند الوصول إلى الثانوي والبقاء فيه.

وهذه الملاحظة وحدها تعيد ترتيب الأولويات. المسألة ليست وعظًا لأسرة توصف ظلمًا بأنها «متخلّفة» — فالأسر تحسب تكلفة المواصلات وبُعد المدرسة الثانوية عن القرية وتقرّر تحت ضغط اقتصادي حقيقي — بل هي أن نجعل بقاء البنت في التعليم بعد الإعدادية ممكنًا وغير مكلف. ويشير تقرير اليونيسف السنوي عن مصر لعام 2025 إلى نحو 1.4 مليون طفل خارج المدرسة، وإلى أن الالتحاق بالمرحلة الثانوية يهبط إلى 69% بين الأسر الأفقر مقابل 87% بين الأغنى. فاسأل عن الطالبة الغائبة قبل أن يُشطب اسمها، وابحث عن حلّ للمواصلات أو التحويل لمدرسة أقرب قبل أن يصير التسرّب أمرًا واقعًا، واعلم أن انتظار الثامنة عشرة يعني عقدًا موثّقًا وحقوقًا قابلة للمطالبة وطفلًا مكتمل الأوراق. المقعد الفارغ في الصف الثالث الإعدادي ليس تفصيلة في كشف غياب؛ إنه أول ورقة في ملفّ طويل، وأسهل لحظة يمكن أن يتوقّف عندها كل ما بعدها.

مشاركة

مواد ذات صلة

طبيبة بالمعطف الأبيض تجلس إلى مكتبها أمام حاسوب محمول، وسماعة طبية ودفاتر وأوراق على الطاولة
الأسرة والمجتمع

قبل «كتب الكتاب»: شهادة الفحص الطبي التي يشترطها القانون.. ماذا تكشف ولماذا لا تمنع الزواج؟

فحص طبي إلزامي قبل توثيق عقد الزواج، تنتهي به ورقة بشيفرة QR يطلبها المأذون أو الجهة الكنسية. ما الذي يكشفه هذا الفحص فعلًا، وكم يكلف، وأين يُجرى، ولماذا يهم مصر تحديدًا؟ والأهم: لماذا لا تمنع نتيجته الزواج مهما كانت؟ دليل هادئ لكل خطيبين قلقين من «لو طلع فيّ حاجة».

١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٩ دقائق قراءة

رسم توليدي: طفل نائم في غرفته ليلاً وساعة منبه وهلال خلف النافذة وجهاز لوحي مبعد عن السرير
الأسرة والمجتمع

قبل جرس 12 سبتمبر.. خطة أسبوعين لإعادة ضبط ساعة نوم الأطفال

قبل انطلاق العام الدراسي في 12 سبتمبر، ينصح أطباء النوم بتقديم نوم الطفل واستيقاظه 15-20 دقيقة كل ليلة بدءاً من الآن، مع ضبط الشاشات وضوء الصباح. الخطة كاملة والساعات الموصى بها لكل عمر.

٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

شارع طلعت حرب المزدحم بالمارة من الرجال والنساء والسيارات بالقرب من ميدان التحرير في وسط القاهرة
كده غلط

«كده غلط»: التحرش ليس «معاكسة».. الحبس سنتين أو غرامة مائة ألف على الكلمة، والسجن خمس سنوات على المساومة

كلمةٌ تُلقى في الطريق يسمّيها صاحبها «مزحًا»، وطريقٌ أطول تحفظه أمٌّ لابنتها لأنه «أأمن». في «كده غلط» نضع السلوك أمام نص القانون 141 لسنة 2021 بلا تهويل ولا تهوين: الحبس من سنتين إلى أربع سنوات أو غرامة مائة ألف على القول والإشارة، والسجن خمس سنوات فأكثر على المساومة الجنسية. ونسأل عن الطرف الثالث: مَن يسمع ولا يتدخل.

١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة