تخطَّ إلى المحتوى

ماذا نفعل لو اهتزّت الأرض؟ درس 12 أكتوبر 1992: «انبطِح واحتمِ وتمسّك».. ولا تجرِ نحو السلّم

في زلزال دهشور سنة 1992 لم يسقط كل الضحايا تحت الأنقاض؛ كتبت الصحافة يومها أنّ كثيرًا منهم تلاميذ سُحقوا وهم يفرّون من فصولهم. بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين ويوم 13 أكتوبر الدولي للحدّ من الكوارث، نروي الزلزال بأرقامه منسوبةً إلى مصادرها، ونشرح القاعدة الدولية التي تحمي طفلك في ستين ثانية، وخطة أسرة من خمس خطوات تُعلَّق خلف الباب.

هيئة التحرير·نُشر في ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
تلاميذ يتدربون على الانبطاح والاحتماء تحت مقاعد الدراسة أثناء تمرين إخلاء زلزالي في الفصل
Jim Holmes for AusAID / Department of Foreign Affairs and Trade / Wikimedia Commons (CC BY 4.0)

في الحصة الثالثة، والشمس مائلة على زجاج النافذة، يسمع تلاميذ فصلٍ في الطابق الثالث صوتًا خافتًا كأنّ أحدًا يهزّ الباب من الخارج. يرتجّ المصباح المعلّق ويرتعش الزجاج في إطاره، فيصرخ أحدهم كلمةً واحدة: «زلزال!». في ثانيةٍ واحدة تنقلب المقاعد، ويندفع ثلاثون طفلًا نحو الباب ثم نحو السلّم الضيّق، تتعثّر الحقائب في الدرج ويدفع بعضهم بعضًا. هذه اللحظة — لا الاهتزاز نفسه — هي أخطر ما في المشهد، وهذا ما تقوله ذكرى يومٍ مصريٍّ لم يُنسَ.

يوم الاثنين 12 أكتوبر 1992، نحو الثالثة وتسع دقائق عصرًا بحسب التقارير المنشورة عن ذلك اليوم، اهتزّت الأرض تحت القاهرة والجيزة ثوانيَ معدودة. لم يكن زلزالًا هائلًا بمقاييس العالم، لكنّ الأدبيات العلمية تصفه بأنّه واحدٌ من أشدّ الأحداث تدميرًا في تاريخ مصر الحديث؛ والسبب لم يكن قوة الهزّة وحدها، بل هشاشة المباني وما فعله الناس أنفسهم في تلك الثواني.

يسجّل تقرير هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية عن زلزال دهشور بمصر في 12 أكتوبر 1992 أنّ قوّته بلغت 5.9 بمقياس ريختر، وأنّ عمق بؤرته نحو خمسة وعشرين كيلومترًا، وأنّ تمزّق الصدع لم يصل إلى سطح الأرض. ويضع التقرير مركزها قرب قرية دهشور على نحو ثمانية عشر كيلومترًا من القاهرة إلى الجنوب، بينما تصفها المصادر المصرية وصحافة ذلك اليوم بأنّها جنوب غرب العاصمة. وتعتمد مراجعةٌ علمية للشبكة القومية لرصد الزلازل، نُشرت سنة 2020 في دورية المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، قوّةً مقدارها 5.8، والاختلاف اليسير طبيعيّ لأنّ لكلّ مقياسٍ طريقته. وخلاصة التقرير الأمريكي جملةٌ تستحق أن تُعلَّق في كل مدرسة: زلزالٌ متوسط القوة يكفي لدمارٍ واسع إذا وجد أمامه مبانيَ هشّة، وقد أحصى نحو ثمانية آلاف وثلاثمائة مبنى بين متضرّر ومنهار.

أمّا عدد الضحايا فمختلَفٌ عليه إلى اليوم، ومن الأمانة أن نذكره منسوبًا إلى مصادره لا رقمًا وحيدًا. نقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية يوم 14 أكتوبر 1992 عن السلطات المصرية 370 قتيلًا على الأقل وأكثر من ثلاثة آلاف مصاب، ونقلت في الخبر نفسه عن مسؤولين في الصليب الأحمر بجنيف أنّ فرعهم المصري أبلغ عن ألفٍ على الأقل بين قتيلٍ ومفقود وعشرة آلاف مصاب. ويذكر تقرير المساحة الجيولوجية الأمريكية أكثر من خمسمائة وفاة وأكثر من ستة آلاف وخمسمائة مصاب. الرقم إذن لم يُحسم يومًا، والذي لا يختلف عليه أحد أنّ عشرات الآلاف فقدوا مأواهم في ليلة.

لكنّ الرقم الذي يعنينا في هذه الصفحة رقمٌ من نوعٍ آخر. الصحيفة نفسها كتبت أنّ كثيرًا من القتلى كانوا تلاميذ سُحقوا وهم يفرّون من فصولهم المهتزّة، وأنّ جانبًا من الإصابات وقع في تدافع السكان المذعورين. ويذكر «مرصد العمران» — وهو مبادرة بحثية مصرية تُعنى بشؤون العمران والإسكان — في مراجعته المنشورة لذكرى الزلزال أنّ من بين الضحايا أطفالًا ديسوا في التدافع داخل ثلاث مدارس بالقاهرة. أي أنّ الخطر لم يكن كلّه في سقفٍ يسقط، بل في سلّمٍ ضيّق يهبطه ثلاثون طفلًا معًا وهم لا يرون مواضع أقدامهم.

ولماذا يقتل الجريُ في تلك الثواني؟ لأنّ الأرض تتحرك تحت قدميك فتفقد توازنك وتقع، ولأنّ السلالم من أكثر أجزاء المبنى اهتزازًا، ولأنّ المصعد قد يحبسك بين طابقين إذا انقطعت الكهرباء. ولأنّ الشرفات والزجاج وأصص النباتات ولافتات المحلات أول ما يسقط إلى الشارع، فمن خرج مسرعًا استبدل بسقفٍ فوق رأسه سماءً تتساقط. الأمتار القليلة بين مقعد الطفل وباب الفصل هي أخطر أمتار المبنى وقت الهزّة.

لذلك اتفقت أدلة السلامة في العالم — ومنها إرشادات مكتب الأمم المتحدة للحدّ من مخاطر الكوارث، وحملة التدريب العالمية على الزلازل المعروفة باسم ShakeOut — على قاعدةٍ من ثلاث كلمات: انبطِح، واحتمِ، وتمسّك. انبطِح فورًا على يديك وركبتيك قبل أن تُسقطك الهزّة، واحتمِ تحت مكتبٍ متين وغطِّ رأسك ورقبتك بذراعك، وتمسّك بقائمته حتى يتوقف الاهتزاز فإن تحرّك تحرّكتَ معه. وإن لم يكن قربك مكتبٌ فالتصق بجدارٍ داخليّ بعيدًا عن النوافذ والأرفف العالية، وغطِّ رأسك ورقبتك بذراعيك.

وللقاعدة استثناءاتٌ يحفظها الطفل بسهولة: من كان في سريره يبقى فيه ويقلب وجهه إلى أسفل ويغطّي رأسه ورقبته بالوسادة؛ ومن كان على كرسيٍّ متحرك يثبّت العجلات وينحني ويحمي رأسه بذراعيه؛ ومن كان في الخارج يبقى فيه ويبتعد إلى مساحةٍ مفتوحة عن المباني والأشجار وأسلاك الكهرباء؛ ومن كان في سيارة يقف بها على الجانب بعيدًا عن الكباري والأنفاق وأسلاك الكهرباء، ويشدّ فرملة اليد، ويبقى داخل السيارة حتى يسكن الاهتزاز. وتنبّه الأدلة نفسها إلى أنّ الوقوف في إطار الباب لم يعد نصيحةً صحيحة في المباني الحديثة، فهو لا يقي من الأشياء المتساقطة.

وبعد أن يتوقف الاهتزاز — بعده لا أثناءه — يأتي دور الخروج. يخرج الأطفال في صفٍّ هادئ خلف المعلّم، طابقًا بعد طابق، من السلّم لا المصعد، وكلٌّ يضع حقيبته فوق رأسه، إلى ساحةٍ مفتوحة بعيدة عن الأسوار والأشجار والأعمدة. وتوصي الأدلة الدولية بتوقّع هزّاتٍ ارتدادية بعد الهزّة الرئيسة، وتكرار «انبطِح واحتمِ وتمسّك» عند كل هزّةٍ جديدة، وعدم العودة إلى مبنى ظهرت فيه شروخ أو رائحة غاز إلا بإذن المختصين.

وماذا تعلّمت مصر بعد ذلك اليوم؟ أنشأت الدولة الشبكة القومية لرصد الزلازل تحت إشراف المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان. وتذكر المراجعة العلمية المنشورة سنة 2020 عن الشبكة بعد عشرين عامًا من التشغيل أنّ إنشاءها جاء في أعقاب زلزال أكتوبر 1992، وأنّها بدأت العمل سنة 1997 بستٍّ وستين محطة، ترسل تسجيلاتها عبر خمسة مراكز فرعية إلى المركز الرئيسي بحلوان، وسجّلت عشرات الآلاف من الأحداث منذ تشغيلها. وبقيت في القاهرة والمدن الجديدة أحياءٌ تُعرف إلى اليوم باسم «مساكن الزلزال»، شاهدةً على ما جرى.

ومن الإنصاف أن نقول للطفل ولوالده ما يقوله العلم بلا مواربة: لا أحد يستطيع التنبؤ بزلزالٍ بعينه، لا يومه ولا ساعته ولا مكانه بالتحديد. ما يستطيعه أن يرصد ما وقع في ثوانٍ، وأن يرسم خرائط المناطق الأكثر نشاطًا، وأن يضع اشتراطات بناءٍ تجعل المبنى يتمايل ولا ينهار. ولهذا فالرسالة التي تدور على «واتساب» كل عام بأنّ «عالِمًا يحذّر من زلزالٍ يوم كذا» كاذبةٌ بالضرورة مهما بدت مقنعة، وإعادة إرسالها ذعرٌ مجانيّ يُوزَّع على الجيران.

ولأنّ الاستعداد هو البديل الوحيد المتاح عن التنبؤ، خصّصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 64/200 الصادر في 21 ديسمبر 2009 يومَ 13 أكتوبر من كل عام يومًا دوليًّا للحدّ من الكوارث، ثم صار يُعرف باليوم الدولي للحدّ من مخاطر الكوارث. وفي الخميس الثالث من الشهر نفسه تجري حملة التدريب العالمية على الزلازل بروفتها السنوية التي لا تتجاوز دقيقة على «انبطِح واحتمِ وتمسّك». وفي مصر أصدرت وزارة التربية والتعليم في فبراير 2023 — بحسب ما نشرته الصحافة المصرية — تعليماتٍ للمدارس بالبقاء داخل المبنى وعدم الخروج أثناء الهزّة، والاحتماء تحت المكاتب المتينة مع حماية الرأس والنصف الأعلى من الجسم، والالتصاق بأركان الجدران الداخلية عند غياب المكتب، ثم الإخلاء المنظّم طابقًا بعد طابق بعد توقّف الاهتزاز تفاديًا للتدافع. وعلى حدّ علمنا وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، لا نستند إلى قرارٍ منشور يُلزم كل مدرسة مصرية ببروفةٍ سنوية من دقيقة، ولذلك نكتب ما يلي بوصفه إرشادًا دوليًّا وخطةً أسرية.

خطة البيت خمس خطوات تُكتب على ورقةٍ واحدة وتُعلَّق خلف باب الشقة. الأولى: ركن آمن في كل غرفة، منضدةٌ متينة أو جدارٌ داخلي بعيد عن الزجاج، يعرفه الصغار بالاسم. والثانية: تثبيت ما يمكن أن يسقط، الدولاب العالي والمرآة وسخّان المياه والرفّ فوق السرير. والثالثة: حقيبة صغيرة قرب الباب فيها ماء وكشاف وصفّارة ونسخة من أوراق الأسرة. والرابعة: مكان لقاءٍ متفق عليه أمام البيت، ورقم قريبٍ بعيد الدار يتصل به الجميع إذا انشغلت الشبكة. والخامسة: بروفةٌ من ستين ثانية مرتين في السنة، يعرف فيها الأب أين مفتاح الغاز والكهرباء، ويعرف الطفل أنّ اللعبة اسمها انبطِح واحتمِ وتمسّك.

عُد الآن إلى ذلك الفصل في الطابق الثالث. لو تكرّر المشهد وقد تدرّب الأطفال دقيقةً واحدة في السنة، فسيحدث شيءٌ مختلف: ينزلق الصغار تحت مقاعدهم، يغطّون رؤوسهم ورقابهم، ويعدّون في صمت حتى يسكن الزجاج، ثم يخرجون في صفٍّ هادئ خلف معلّمهم إلى الفناء. لا صراخ ولا تدافع على السلّم. هذا كلّ الفارق الذي تصنعه دقيقة، وهو الدرس الذي دفعت مصر ثمنه غاليًا قبل أربعة وثلاثين عامًا. علّق الورقة خلف الباب الليلة، واقرأها مع أولادك مرّة، ثم اطمئن ونم: نحن لا نخوّف أحدًا، نحن فقط نتدرّب.

مشاركة

مواد ذات صلة

أطفال بالزي المدرسي الأحمر يجلسون حول طاولة في روضة أطفال بالقاهرة يلوّنون رسومات بإشراف معلمتين
بوابة النشء

١٦٠٠٠.. رقم يحفظه كل طفل: كيف يعمل خط نجدة الطفل في مصر ومتى نتصل به؟

رقم من خمس خانات، مجاني ويعمل ليلًا ونهارًا، لكن قليلين يعرفون من يردّ خلفه، وما الفرق بينه وبين النجدة ١٢٢، وماذا يحدث بعد أن تُغلق السماعة. نقرأ معًا تعريف «الطفل المعرّض للخطر» في المادة ٩٦ من قانون الطفل، ونمشي خطوة بخطوة في طريق البلاغ حتى لجان حماية الطفولة.

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

تلاميذ يحملون حقائبهم الظهرية على رصيف مظلل بالأشجار أمام سور مدرسة في القاهرة
بوابة النشء

شنطة أثقل من الطفل: كم يجب أن تزن الحقيبة المدرسية وكيف تحمي ظهر ابنك؟

مع أول أسبوع في المدارس يتردد في كل بيت سؤال واحد: كم كيلوجرامًا يحتمل ظهر الطفل؟ نشرح قاعدة الـ15% التي توصي بها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ونقرأ دراسة مصرية من منوف وجدت أن ثلاثة أرباع التلاميذ يشكون آلام الظهر، ثم نقدم طريقة الوزن بميزان الحمام وخطوات يومية بسيطة تخفف الحمل قبل أن يصير وجعًا يرافقه طول العمر.

١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

برطمان زجاجي بغطاء أحمر مملوء بعملات معدنية وورقة نقدية، وبجواره أقلام تلوين على ورق ملوّن
بوابة النشء

المصروف أول درس في الاقتصاد: كيف تُعلّم طفلك قيمة النقود والادخار؟

قبل الجبر والهندسة، يتلقى طفلك أول دروس الاقتصاد على باب الكشك وفي حصالته الصغيرة. دليل عملي بحسب المرحلة العمرية: متى يبدأ المصروف، وكيف يُقسَّم بين إنفاق وادخار وعطاء، ولماذا لا يصح أبدًا ربطه بالدرجات أو تحويله إلى سلاح عقاب.

٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة