تخطَّ إلى المحتوى

اقتصاد مصر بين رقمين: نمو 5.2% وسيناريوهات التصعيد

الحكومة تعلن نموًا بنسبة 5.2% في تسعة أشهر، وتراجع في الوقت نفسه سيناريوهات محدثة لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي، فيما صعد التضخم إلى 14.9% واستقر الدولار قرب 50 جنيهًا. فماذا يعني الرقمان لجيب المواطن؟

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
متسوقون يتفحصون البضائع في شارع سوق مزدحم بالقاهرة وتظهر واجهات المحال والسلع المعروضة
ويكيميديا كومنز — ملكية عامة/CC0

يعيش الاقتصاد المصري هذا الصيف على وقع رقمين لا يجتمعان عادة في نشرة واحدة: نمو بلغ 5.2% في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026 وفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وسيناريوهات طوارئ «محدثة» تراجعها الحكومة تحسبًا لتداعيات التصعيد في المنطقة. وبين الرقمين يقف المواطن متسائلًا عمّا يعنيه ذلك لأسعاره ووظيفته.

الرقم الأول أعلنته وزارة التخطيط مطلع يونيو: الناتج المحلي الإجمالي نما 5.2% بين يوليو 2025 ومارس 2026، بواقع 5.3% في كل من الربعين الأول والثاني، ثم 5% في الربع الثالث (يناير–مارس) الذي تزامن مع اندلاع الجولة الأخيرة من التصعيد الإقليمي. وتُرجع الوزارة الأداء إلى تعافي نشاط القطاع الخاص.

أما الرقم الثاني فلا يظهر على شاشة، لكنه حاضر في كل اجتماع حكومي. فقد خصص مجلس الوزراء جانبًا من اجتماعه الأسبوعي بمدينة العلمين الجديدة منتصف أغسطس لاستعراض «السيناريوهات المحدثة» التي أعدتها الوزارات للتعامل مع التداعيات المحتملة للتوترات، من غزة ولبنان إلى التصعيد بين واشنطن وطهران، وفق بيان رئاسة الوزراء. وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد وجّه منذ مطلع مارس بتحديث «السيناريوهات المتكاملة»، وبإعداد خطة بالتنسيق مع البنك المركزي لتوفير النقد الأجنبي اللازم للسلع الغذائية والمنتجات البترولية ومستلزمات الإنتاج.

خطوط الدفاع تتحرك حتى الآن في الاتجاه الصاعد. فبحسب ما أعلنه مدبولي في الاجتماع نفسه، بلغ احتياطي النقد الأجنبي 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو، بزيادة نحو 1.2 مليار دولار عن يونيو، فيما تقول الحكومة إن مخزون بعض السلع الأساسية — ومنها السكر — يغطي نحو عام كامل. وتكثف الدولة منذ يوليو بناء مخزونها من الوقود تحسبًا لأي اضطراب في الملاحة قرب مضيق هرمز، وفق ما أوردته منصة «AGBI» الاقتصادية.

على جبهة الأسعار، حيث يلمس المواطن التوتر أولًا، أنهى التضخم موجة تهدئة قصيرة وعاد للصعود: 14.9% في المدن خلال يوليو مقابل 14.3% في يونيو، بدفع رئيسي من أسعار الغذاء، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وكان المعدل عند 11.9% في يناير قبل اشتداد التصعيد، أي أن وتيرة الغلاء تسارعت ثلاث نقاط مئوية في نصف عام.

وسعر الصرف يروي نصفي القصة معًا. ففي ذروة التصعيد نهاية أبريل بلغ الدولار رسميًا نحو 53 جنيهًا واقترب من 54 في بعض البنوك مطلع مايو وفق تغطية «العربية»، قبل أن يعود هذا الأسبوع إلى نحو 50.2 جنيه بحسب أسعار البنك المركزي. تعافي الجنيه النسبي يخفف كلفة الاستيراد، لكنه يظل مرهونًا باستمرار تدفق الدولار من السياحة والقناة وتحويلات العاملين بالخارج.

قناة السويس، أكثر موارد الدولة حساسية لمزاج المنطقة، تتعافى ولم تتعافَ بعد. فقد بلغت إيراداتها 4.67 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026 بزيادة 23%، بمتوسط شهري نحو 390 مليون دولار وفق صندوق النقد الدولي — أي أقل من نصف ذروتها التاريخية البالغة نحو 10 مليارات دولار سنويًا قبل أزمة البحر الأحمر. وكل شهر دون تلك الذروة يعني عملة صعبة لا تدخل خزينة الدولة ولا تسند الجنيه.

السياحة قدمت حتى الآن الاستثناء الإقليمي. فقد زاد عدد الوافدين 16% في الربع الأول من 2026 بينما تراجعت السياحة في الشرق الأوسط ككل 14%، وفق بيانات الأمم المتحدة للسياحة التي أوردتها «الأهرام»، وبلغ الزوار 6.1 مليون في الأشهر الأربعة الأولى بزيادة 7%. كما ارتفعت إيرادات القطاع إلى 10.2 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية بزيادة 17.3% بحسب بيانات رسمية نقلتها «إيجيبت إندبندنت». لكن تباطؤ النمو التراكمي من 16% إلى 7% مع دخول أبريل يُظهر سرعة تأثر قطاع يعيش منه ملايين الأسر بأي تصعيد.

وعلى صعيد الوظائف، تنسب وزارة التخطيط النمو إلى نشاط أقوى للقطاع الخاص، وهو المشغّل الأول في الاقتصاد. غير أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته لنمو العام المالي 2026/2027 إلى نحو 4.4%، عازيًا ذلك إلى تراجع الاستثمار وارتفاع كلفة التمويل وحالة عدم اليقين المرتبطة بالصراع — وهي عوامل تبطئ عادة وتيرة خلق فرص العمل قبل أن تظهر في أي مؤشر آخر.

وللجاهزية ثمن أيضًا. فقد أقرت لجنة إدارة الأزمات برئاسة مدبولي في أبريل حزمة إجراءات لترشيد الإنفاق العام والاستهلاك، فيما يستهلك بناء المخزون السلعي والبترولي جزءًا من موارد النقد الأجنبي الشحيحة. والمعادلة الحكومية المعلنة: طمأنة الأسواق دون استنزاف الاحتياطي الذي تعرضه دليلًا على الصلابة.

في الأسابيع المقبلة، ثلاثة مؤشرات سترسم ملامح «جيب المواطن»: بيانات تضخم أغسطس ومدى استمرار موجة الغذاء، ووتيرة عودة الخطوط الملاحية إلى القناة، ومسار أسعار النفط الرهين بحالة الترقب الإقليمي — وكلها عوامل ستزن على قرارات البنك المركزي بشأن الفائدة.

الخلاصة أن الرقمين صحيحان معًا: اقتصاد ينمو بأحد أسرع معدلاته منذ سنوات، داخل منطقة قادرة على قضم هذا النمو من أطرافه في أي لحظة. صعود الاحتياطي وامتلاء المخازن لا يتركان مبررًا للهلع، وتضخم يقارب 15% وقناة عند أقل من نصف طاقتها الإيرادية لا يتركان مجالًا للاسترخاء.

مواد ذات صلة

سوق شعبي مصري مزدحم يعرض فيه الباعة الخضار والفاكهة على البسطات بينما يتفحص المتسوقون البضائع ويقارنون الأسعار.
الأخبار العامة

الجنيه وسلة التسوق: كيف يعمل التضخم في السوق وكيف تتكيف الأسر المصرية؟

لماذا تزداد سلة الأرز والزيت والخضار نفسها غلاءً كل موسم حتى في السلع المزروعة محليًا؟ شرح مبسط لكيفية انتقال أثر التضخم وقيمة الجنيه من الموانئ إلى بسطات السوق، ودور الدعم في تخفيف الصدمة، والاستراتيجيات المجربة التي تتكيف بها الأسر.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

منظر للعاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة يُظهر أفق حي المال والأعمال مع البرج الأيقوني والمباني الحكومية الجديدة وسط الصحراء.
الأخبار العامة

العاصمة الإدارية الجديدة: ما هي وكيف تنتقل الحكومة ولماذا يستمر الجدل حول التكلفة؟

على بعد نحو 45 كيلومترًا شرق القاهرة تبني مصر مقرًا جديدًا للحكم من الصفر. ما العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف يجري الانتقال المرحلي للوزارات؟ وكيف ترتبط بالقاهرة؟ ولماذا تظل تكلفتها موضع جدل حقيقي وموثق؟

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

رسم توليدي: مغلف مرتبات تحت عدسة مكبرة وعلامات استفهام تتحول إلى علامة تأكيد
الحقيقةزائف

«تبكير مرتبات أغسطس 2026» ادعاء زائف.. والصرف يبدأ يوم 23 كما هو معلن

تداولت صفحات وحسابات أنباء عن تبكير صرف مرتبات أغسطس 2026، لكن وزارة المالية نفت ذلك وأكدت الالتزام بالجدول المعلن، على أن يبدأ إيداع الرواتب في حسابات نحو 5.5 مليون موظف يوم 23 أغسطس.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٤ دقائق قراءة

اقتصاد مصر بين رقمين: نمو 5.2% وسيناريوهات التصعيد | صوت المواطن