حسن فتحي: «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر عمارة أدهشت العالم
في زمن يلتهم فيه التكييف دخل البيوت، تعيد سيرة حسن فتحي طرح سؤال قديم: لماذا هجرنا عمارة تُبرِّد بيوتنا بلا كهرباء؟ حكاية «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر قرية كاملة، وكتب كتابًا ترجمه العالم، وسبق موجة البناء الأخضر بعقود.

قف لحظة في شقة خرسانية في ظهيرة أغسطس، والمروحة تدور فوق رأسك كأنها تعتذر عن عجزها، وتذكّر أن على بُعد خطوات من معابد الأقصر بيوتًا من طين تدخلها فتلفحك برودة لطيفة بلا مكيف ولا فاتورة. هذه ليست معجزة، بل هندسة. وصاحبها مصري وُلد مع بداية القرن العشرين وأمضى عمره يقول لنا شيئًا بسيطًا رفضنا سماعه: الحل تحت أقدامكم. اسمه حسن فتحي، والعالم يعرفه بلقب لا يشبه ألقاب النجوم: «مهندس الفقراء».
وُلد حسن فتحي في الإسكندرية عام 1900، ودرس العمارة في القاهرة وتخرّج في عشرينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه الحداثة تعني شيئًا واحدًا: الأسمنت والحديد والطراز الأوروبي المستورد. كان يمكن أن يمضي في الطريق المضمون، فيصمم فيلات للأثرياء وعمارات للمدن ويعيش مرتاحًا. لكنه التفت إلى حيث لا يلتفت أحد: الريف المصري، حيث يسكن ملايين الفلاحين بيوتًا متداعية لا يطالها معمار ولا مهندس. ومن هذه الالتفاتة وُلدت واحدة من أهم التجارب المعمارية في القرن العشرين.
السؤال الذي أرّق فتحي كان اقتصاديًا قبل أن يكون جماليًا: كيف تبني بيتًا كريمًا لمن لا يملك ثمن الأسمنت والحديد والخشب؟ كل مواد البناء «الحديثة» كانت مستوردة، وأسعارها فوق طاقة الفلاح بمراحل. فقلب المعادلة رأسًا على عقب: بدل أن نسأل كيف نأتي بالمال للمواد، نسأل أي مواد يملكها الناس فعلًا. والإجابة كانت أقدم إجابة في وادي النيل: الطوب اللبن، طين الأرض نفسها مخلوطًا بالتبن ومجففًا في الشمس، المادة التي بُنيت بها القرى المصرية منذ آلاف السنين. المشكلة الوحيدة كانت السقف، فالأسقف تحتاج خشبًا غاليًا أو خرسانة أغلى.
وهنا تأتي لحظة الكشف التي يرويها فتحي في كتابه كأنها فصل من رواية. في أسوان وجد بنّائين نوبيين يسقفون البيوت بقباب وأقبية من الطوب اللبن نفسه، يبنونها بأيديهم صفًّا مائلًا فوق صف، من دون شدّة خشبية ولا هيكل حديدي ولا حتى لوح واحد من الخشب. كانت حرفة متوارثة تحل بضربة واحدة أصعب معادلة في البناء الشعبي: سقف متين من مادة مجانية تقريبًا. وقف المهندس المتعلم في مدارس العمارة الحديثة يتعلم من أسطوات لم يجلسوا يومًا في قاعة محاضرات، ولم يجد في ذلك غضاضة بل وجد فيه فلسفة كاملة. الخلاصة التي خرج بها تصلح لكل مهنة: أحيانًا يكون «التقدم» هو أن تنحني لتتعلم مما كان الناس يجيدونه قبلك.
جاءت الفرصة الكبرى في منتصف الأربعينيات، حين أرادت مصلحة الآثار نقل أهالي القرنة القديمة الذين كانت بيوتهم قائمة فوق مقابر النبلاء في البر الغربي بالأقصر، حمايةً للآثار من العبث. كُلِّف فتحي بتصميم قرية بديلة كاملة هي القرنة الجديدة، فلم يصمم صفوفًا متطابقة من علب الإسكان كما تفعل المشروعات الحكومية عادة، بل قرية حية فيها مسجد وسوق ومسرح وخان للحرف، وبيوت لا يشبه أحدها الآخر لأن العائلات لا تتشابه. والأهم أنه أشرك الأهالي في البناء بأيديهم، ليكتسبوا حرفة تبقى معهم بعد انتهاء المشروع. كان يسمي ذلك عمارةً مع الناس لا عمارةً تُفرَض عليهم، وهي فكرة سبقت بعقود كل ما نسميه اليوم «مشاركة مجتمعية».
ولمن يظن أن الطين مجرد فقر وحنين، انظر إلى الفيزياء التي وظّفها فتحي قبل أن تصبح كلمة «استدامة» موضة عالمية. الجدران الطينية السميكة تختزن حرارة النهار ببطء وتفرج عنها ليلًا، فيظل البيت أبرد من الخارج في الظهيرة وأدفأ منه في ليالي الشتاء. الفناء الداخلي يعمل كبئر هواء يسحب النسيم ويحبس الظل، والملقف ذلك البرج المائل فوق السطح يلتقط الرياح العليا الباردة ويصبّها في قلب البيت، والمشربية تكسر وهج الشمس وتسمح للهواء بالمرور وتحفظ خصوصية أهل الدار. قبل المكيفات، كانت العمارة نفسها هي جهاز التكييف. وهذا درس عملي لكل من يبني اليوم: اتجاه البيت ونوافذه وسمك حوائطه قرارات مجانية تقريبًا، لكنها تحدد فاتورة كهربائك لعقود.
لكن القصة ليست نشيد انتصار، وفتحي نفسه رفض أن يرويها كذلك. القرنة الجديدة لم تكتمل: قاوم كثير من الأهالي تركَ بيوتهم القديمة ومصادر رزقهم المرتبطة بها، وتباطأت البيروقراطية وتعثر التمويل، وتوقف المشروع قبل أن يبلغ غايته. وكان بوسع فتحي أن يدفن التجربة ويمضي، لكنه فعل عكس ذلك تمامًا: كتبها كاملة بنجاحها وإخفاقها، ولم يُعفِ نفسه من النقد. ومن هذا الصدق النادر وُلدت قيمته الحقيقية، لأن العالم لم يتعلم من القرنة بوصفها مدينة فاضلة اكتملت، بل بوصفها تجربة أمينة قال صاحبها بالضبط ماذا جرّب ولماذا تعثر. خذها قاعدة في أي عمل: التجربة الموثقة بصدق أنفع للناس من نجاح مزعوم لا يعلّم أحدًا.
هذا الصدق تجسد في كتاب صدر بالقاهرة عام 1969 بعنوان «قصة قريتين»، ثم أعادت جامعة شيكاغو نشره عام 1973 بعنوانه الذي طار في الآفاق: «عمارة الفقراء». تُرجم الكتاب إلى لغات عدة، وتحول إلى ما يشبه البيان التأسيسي لكل من يبحث عن عمارة إنسانية رخيصة نظيفة في بلدان الجنوب وخارجها. صار طلاب العمارة في قارات شتى يقرؤون عن قرية طينية على البر الغربي للأقصر، وعن مهندس يجادل بأن لكل شعب عمارته كما أن له لغته، وأن استيراد البيوت الجاهزة كاستيراد لسان غريب تتكلم به بلا روح. قلة من الكتب المصرية في القرن العشرين عبرت الحدود بهذه القوة، وأغلبها أدب، أما هذا فكان كتابًا في الطين.
ولم يتوقف الرجل عند القرنة. في الستينيات صمم قرية باريس الجديدة في الوادي الجديد لخدمة مشروع زراعي في قلب الصحراء، وابتكر لها حلول تبريد للسوق والمخازن تعمل بالهواء والظل، قبل أن تتوقف الأعمال مع حرب 1967. وفي مطلع الثمانينيات عبرَت قبابه المحيط، حين صمم مجمع «دار الإسلام» في ولاية نيومكسيكو الأمريكية، فقامت في صحراء أمريكا قباب وأقبية من الطوب تحمل توقيع تلميذ أسطوات النوبة. وفي القاهرة ظل بيته القديم في درب اللبانة قرب القلعة صالونًا يقصده المعماريون والباحثون من كل مكان. هكذا تتصرف الأفكار الأصيلة: تولد محلية جدًا، ثم يتبناها العالم لأنها تلمس شيئًا مشتركًا في حاجات البشر.
ثم جاء الاعتراف العالمي متأخرًا لكنه جاء مدويًا. في عام 1980 حصل فتحي على جائزة «رايت لايفليهود» السويدية التي تُعرف بنوبل البديلة في دورتها الأولى، ونال في العام نفسه الجائزة التقديرية الأولى لرئيس مجلس جائزة الآغا خان للعمارة. وفي عام 1984 منحه الاتحاد الدولي للمعماريين ذهبيته، وهي من أرفع ما يناله معماري في العالم. وامتد أثره في تلاميذ حملوا نهجه إلى مشروعات نالت بدورها جوائز عالمية، وفي أجيال من المعماريين العرب والأجانب تعلمت أن التراث ليس متحفًا بل صندوق حلول. توفي في القاهرة عام 1989، وكان قد رأى بعينيه فكرته المحتقَرة تتحول إلى مدرسة عالمية.
واليوم، في زمن تغير المناخ وارتفاع كلفة الطاقة، يبدو فتحي وكأنه كتب لنا لا لجيله. أنصار البناء الأخضر حول العالم يعيدون اكتشاف ما بشّر به: مواد محلية لا تقطع آلاف الكيلومترات محمّلة بالانبعاثات، وتبريد سلبي بالتصميم لا بالكهرباء، وبيوت تُبنى بأيدي أهلها فتوزع المهارة كما توزع السكن. المعارض والجامعات تدرس تجربته ضمن مراجع العمارة الترابية والمستدامة، وصارت القباب والملاقف تظهر في مشروعات معاصرة من إفريقيا إلى الخليج. المفارقة أن كثيرًا من هذه الأفكار يعود إلينا اليوم مغلفًا بمصطلحات إنجليزية، ونحن أصحابها الأصليون. فلا تدع الاسم الأجنبي يبهرك: خلف كل «عمارة مستدامة» فكرة قديمة كان جدك يعيش فيها.
أما القرنة الجديدة نفسها فقصتها درس آخر. القرية تقع داخل نطاق طيبة القديمة المسجل ضمن التراث العالمي، وقد أطلقت منظمات دولية في العقود الأخيرة جهودًا لصون ما تبقى من عمارة فتحي فيها بعدما نال الزمن والإهمال والبناء العشوائي من كثير من بيوتها، وإن ظل مسجدها شاهدًا مدهشًا على التجربة. تأمل المفارقة: العالم يتحرك لإنقاذ قرية طينية في الأقصر بوصفها كنزًا إنسانيًا، بينما نهدم نحن ما يشبهها كل يوم ونراه عارًا نستبدله بالخرسانة. حماية العمارة ليست ترفًا ولا حنينًا، بل هي حفظ لذاكرة حلول قد نحتاجها غدًا. وأول خطوة متاحة لأي منا: أن ننظر إلى القديم قبل هدمه بسؤال واحد، ماذا كان يعرف من بناه؟
وأنت، ماذا تأخذ من حكاية مهندس الفقراء إلى بيتك وحياتك؟ تخيّل أنك تبني أو تشتري أو حتى ترمم شقة: اسأل عن اتجاه الشمس قبل أن تسأل عن لون السيراميك، وعن التهوية المتقاطعة قبل قدرة المكيف، وعن الظل والعزل قبل الديكور، فهذه أسئلة فتحي وهي لا تكلف شيئًا وتوفر كثيرًا. وإن كنت صاحب مهنة أي مهنة، فخذ منه المنهج لا التفاصيل: ابدأ من إمكانات الناس الحقيقية لا من كتالوجات المستورد، وتعلم ممن سبقوك ولو كانوا بلا شهادات، ووثق تجربتك بصدق حتى في فشلها. لقد بنى حسن فتحي من الطين الذي ندوسه عمارة أدهشت العالم، لأنه احترم ثلاثة أشياء نستهين بها: المكان، والناس، والذاكرة. ومن يحترم هذه الثلاثة، يبني ما يبقى.
مواد ذات صلة

طه حسين: الصبي الكفيف الذي صار عميد الأدب وجعل التعليم حقًا «كالماء والهواء»
طفل كفيف من قرية في الصعيد صار «عميد الأدب العربي»، وحين وليَ وزارة المعارف حوّل مقولته «التعليم كالماء والهواء» إلى قرار مجانية التعليم الثانوي عام 1950. رحلة تقول لكل قارئ: المعرفة حق مواطنة لا امتياز طبقة — فكيف صنعها رجل لم يبصر النور؟
٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

هوليوود على النيل: العصر الذهبي للسينما المصرية
على مدى ثلاثة عقود جعلت استوديوهات القاهرة مصرَ عاصمة السينما في العالم العربي. من تأسيس استوديو مصر عام 1935 إلى فاتن حمامة وعمر الشريف و«باب الحديد»، هكذا بُني العصر الذهبي، ولماذا ما زالت كلاسيكياته بالأبيض والأسود تُعرض حتى اليوم.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

القاهرة الإسلامية والقبطية: متحف مفتوح من باب الفتوح إلى الكنيسة المعلقة
قلّة من المدن تستطيع أن تمشي بزائرها عبر ألف عام من العمارة في نزهة واحدة. القاهرة التاريخية، المسجلة في قائمة التراث العالمي منذ 1979، تفعل ذلك: من شارع المعز ومساجده إلى كنائس مصر القديمة ومعبد بن عزرا، وقصة ترميم أعادت للحجر حياته.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة