تخطَّ إلى المحتوى

الكلاكس ليس فشّة خُلق: يدٌ على الزامور تعتدي على أعصاب شارع كامل

يدٌ تهوي على الزامور فيقتحم الضجيج نافذتك بلا استئذان. لماذا ليس التزمير العشوائي «فشّة خُلق» بل عدواناً صوتياً على شارع كامل؟ عن الحد الفاصل بين تنبيهٍ يدرأ خطراً وضجيجٍ يُمرض الناس، وعن طبٍّ وقانونٍ وذوقٍ عام تقف كلها في صف أذنك.

هيئة التحرير·نُشر في ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
شارع بالمنيل في القاهرة وزحام المرور
Wikimedia Commons — File:El Manial Street, al-Qāhirah, CG, EGY (40945014623).jpg

[1] إشارة حمراء في ظهيرة قائظة، وسيارات متلاصقة كأسنان المشط لا يفصل بينها إلا غبار الطريق. ثم تنطلق زمّارة واحدة طويلة، فيجيبها بوق، فثالث، حتى يتحول الشارع إلى جوقة هستيرية كأن الضجيج سيذيب الحديد ويشق في الأسفلت طريقاً جديداً. اخفض زجاج نافذتك لحظة واسأل نفسك بصدق: ماذا حرّك هذا الصخب كله؟ لا شيء؛ الطريق كما هو، والزحام كما هو، والوجوه وحدها ازدادت احتقاناً، ودقات القلوب تسارعت بلا طائل.

[2] اعتدنا أن نضحك من المشهد ونسمّيه «فشّة خُلق»، كأن أعصاب السائق المتوترة تمنحه صكاً بإزعاج مدينة. لكن دعونا نسمّي الأشياء بأسمائها: الضغط العشوائي على آلة التنبيه ليس تنفيساً بريئاً بل اعتداء صوتي على أناس لم يختاروا أن يسمعوا. تستطيع أن تغمض عينيك عن منظر يضايقك، أما أذنك فلا جفن لها؛ الصوت يقتحمها اقتحاماً، في بيتك وسريرك وصلاتك ومذاكرة أطفالك. ومن يفرض ضجيجه على شارع كامل يمارس عدواناً حقيقياً، وإن كان جالساً مبتسماً خلف المقود.

[3] تذكّر لماذا وُضعت آلة التنبيه في السيارة أصلاً: لتحذير إنسان من خطر وشيك، تماماً كما وُضعت الفرامل لتفادي التصادم. هي أداة أمان لا آلة موسيقية، ونداء استغاثة لا لغة تخاطب يومية. والمعيار بسيط إلى حد الدهشة: هل هناك خطر داهم الآن يمكن لنغمة قصيرة أن تدرأه؟ طفل ينزل عن الرصيف فجأة، سيارة تنحرف نحو حارتك، بابٌ يوشك أن يُفتح في وجه دراجة؟ اضغط إذن بلا تردد، فهذه هي وظيفة الزامور الشريفة الوحيدة. أما ما عدا ذلك فليس تنبيهاً، بل ضجيج يرتدي زيّ التنبيه.

[4] راقب يوماً واحداً في أي شارع مزدحم وستجد المعجم الكامل لسوء الاستعمال. زامور يستعجل إشارة لم تتحول بعد إلى الأخضر، وزامور يحيي صديقاً على المقهى، وزامور ينادي ساكناً في الدور الرابع لأن صاحبه يستثقل صعود السلم، وزامور يحتفل بفرحٍ أو مباراة بعد منتصف الليل. وهناك النوع الأكثر عبثاً على الإطلاق: التزمير في قلب زحام متجمد لا يملك فيه أحد أن يتقدم شبراً. كل هذه الاستخدامات تشترك في شيء واحد: لا خطر فيها إطلاقاً، بل مجرد يد تعوّدت أن تتكلم بالضجيج بدل أن تصبر أو تفكر.

[5] ويبلغ العدوان ذروته أمام أبواب لا يجوز أن تُطرق بالضجيج: المستشفيات والمدارس. خلف سور المستشفى مريض خرج لتوّه من عملية يحاول أن يلتقط أول نومه، وقلب متعب يفزع مع كل صفارة، وأم ساهرة على طفل في الرعاية. وخلف سور المدرسة تلاميذ يحاولون الإمساك بمسألة حساب أو الإنصات لدرس، وكل بوق في الخارج يقطع الخيط الرفيع بين التركيز والشرود. لهذا اعتادت المستشفيات أن تكتب على أسوارها عبارة «ممنوع استعمال آلة التنبيه»؛ وهي ليست زينة على لافتة، بل حدّ أخلاقي وقانوني قبل أن يكون مرورياً.

[6] وما يقوله الطب هنا مستقر معروف لا يحتاج إلى جدال. فالتعرض المزمن للأصوات العالية يرهق حاسة السمع وقد يتلفها تدريجياً وبلا رجعة، والضوضاء المستمرة تُبقي الجسد في حالة استنفار تنعكس توتراً واضطراباً في النوم، وتربطها الأبحاث الصحية بمتاعب في القلب والضغط، حتى لو ظننت أنك «اتعودت». والهيئات الصحية في العالم تعدّ الضوضاء منذ زمن طويل شكلاً من أشكال التلوث الذي يمس صحة الإنسان، لا مجرد إزعاج عابر يُحتمل. فإن لاحظت طنيناً في أذنك أو ضعفاً في سمعك أو أرقاً مرتبطاً بالضجيج، فلا تستهن به واعرض نفسك على طبيب مختص؛ فهذه سطور توعية عامة لا تغني عن الفحص.

[7] والمفارقة أن هذا الثمن الصحي كله يُدفع مقابل لا شيء. الزامور لا يحرك زحاماً ولا يفتح طريقاً؛ كل ما يفعله أنه يرفع منسوب الغضب في الشارع درجة، فيستفز سائقاً آخر ليرد، فيتحول الطريق إلى مباراة صراخ معدني لا رابح فيها. والضجيج معدٍ كالتثاؤب: بوق واحد يكفي ليطلق عاصفة، ويد واحدة ممسكة تكفي أحياناً لتخمدها. بل إن الصخب المتواصل يشتت انتباه السائقين أنفسهم ويطمس صوت التحذير الحقيقي حين يأتي خطر فعلي، فلا يعود أحد يفرّق بين استغاثة وصداع.

[8] ثم إن القانون ليس في صف اليد العصبية أصلاً. فقوانين المرور في معظم البلدان لا تعامل آلة التنبيه كحق مطلق، بل تقصر استعمالها على حالات الضرورة وتحظر الإزعاج بها في أحوال ومناطق بعينها، كما تضع القواعد المنظمة للبيئة والنظام العام حدوداً على الضوضاء عموماً. أي أن من يزمّر عشوائياً لا يخالف الذوق وحده، بل يخالف قواعد مكتوبة قد تعرّضه للمساءلة. ولست بحاجة إلى حفظ أرقام المواد؛ يكفيك أن المبدأ محسوم في كل مكان تقريباً: التنبيه للضرورة، والإزعاج مخالفة.

[9] وإن أردت أن تزن الأمر بميزان القلب لا القانون، فتخيّل هذه القصة التحذيرية. ممرضة عادت من وردية ليل طويلة لتنام قبل وردية جديدة، فظلت يدٌ ما تحت نافذتها تنادي أحدهم بالزامور دقائق متصلة، فضاع نومها وضاع معه تركيزها في ليلتها التالية بين المرضى. أو تخيّل تلميذاً في لجنة امتحان يجمع أطراف ذاكرته، فتبعثرها جوقة أبواق عابرة لا يعرف أصحابها شيئاً عنه ولن يعرفوا. لم يقصد أحد الأذى في الحالتين المتخيلتين، لكن الأذى يقع هكذا كل يوم؛ وهذا بالضبط ما يفعله الضجيج: يوزع خسائره على غرباء لا يراهم صاحبه.

[10] وهذا هو خط هذا الباب الذي نكتب فيه كل مرة: حريتك تنتهي عند رئة غيرك وأذنه وليلته. الفضاء الصوتي للشارع ملكية مشتركة كالهواء والماء، ومن يملؤه بالضجيج يستولي على نصيب الآخرين منه دون وجه حق. لا أحد يقبل أن يمد جاره يده إلى طبقه أو جيبه، فلماذا نقبل أن يمدها إلى آذاننا ونومنا وراحة أجسادنا؟ السكينة ليست رفاهية ولا ترفاً طبقياً؛ إنها حق يومي لكل من يسكن المدينة، من الرضيع في مهده إلى العجوز على سريره.

[11] واليد الملقاة على الزامور تقول عن صاحبها أكثر مما يظن. تقول إن وقته أثمن من وقت الجميع، وإن ضيقه أهم من راحة شارع بأكمله، وإن ذراعه أسرع من عقله. بينما السائق الذي يمسك يده في الزحام لا يمارس ضعفاً بل اقتداراً؛ فالصبر خلف المقود عضلة تُدرَّب، والامتناع عن إيذاء الناس وأداة الإيذاء تحت راحة يدك هو التهذيب في أنقى صوره. قِس رقيّ السائق بما لا يفعله حين يغضب، لا بما يفعله حين يرضى.

[12] فما البديل العملي؟ قاعدة أولى: قبل أن تضغط اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل هناك خطر وشيك الآن؟ إن كانت الإجابة نعم فنغمة قصيرة واحدة تكفي، وإن كانت لا فارفع يدك. قاعدة ثانية: عالج أسباب التزمير قبل التزمير نفسه؛ اخرج قبل موعدك بوقت كافٍ، واترك مسافة أمان مريحة، ولا تجعل تأخرك مشكلةً يدفع ثمنها الطريق كله. قاعدة ثالثة: استبدل بالبوق وسائل أهدأ حين لا خطر: إشارة ضوئية خاطفة ليلاً، أو مكالمة هاتفية لمن تنتظره بدل النداء تحت العمارة، أو ببساطة ثوانٍ من الانتظار حتى ينتبه من أمامك. ستدهشك كثرة المواقف التي تُحل بلا صوت واحد.

[13] الشارع مرآة، وكل يد على مقود قلمٌ يكتب في سيرة المدينة سطراً. لن يصلح الضجيج بقرار واحد ولا بمقال واحد، لكنه يتراجع سائقاً بعد سائق، تماماً كما استفحل سائقاً بعد سائق. فلتكن أنت من يبدأ: قُد يومك القادم كله بلا زامور إلا للضرورة، وسترى أنك وصلت في الموعد نفسه بأعصاب أسلم وأذنٍ أرحم بجيرانك. ومتى ناداك الضيق إلى «فشّة الخُلق» فتذكّر أن أعصابك ملكك تفرغها كيف شئت، أما آذان الناس فليست مقلباً لنفاياتك الصوتية. التنبيه لدرء الخطر شهامة، وما عداه اعتداء؛ وبينهما تقف يدك، فاختر لها ما يليق بك.

مشاركة

مواد ذات صلة

رجل يدخّن سيجارة داخل مقهى مغلق، والدخان يتصاعد بوضوح في الهواء حول روّاد جالسين.
كده غلط

التدخين في الأماكن المغلقة: حريتك تنتهي عند رئة غيرك

الحلقة الثانية من «كده غلط» تفكك حجة «أنا حر»: أكثر من 1.6 مليون غير مدخن يموتون سنوياً بالتدخين السلبي وفق منظمة الصحة العالمية، وقانون مصري عمره 45 عاماً يحظر ويغرّم.. فلماذا يمتلئ المقهى المغلق بالدخان؟

٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

قشرة موز ملقاة على أسفلت ممرّ للمشاة، وفي الخلفية شخصان يسيران نحوها من دون أن يلحظاها.
كده غلط

كده غلط: قشرة موز تتسبب في وفاة بريء

قصة قصيرة بنهاية ثقيلة: يد تُلقي قشرة موز من نافذة سيارة، وتلميذ يركض إلى امتحانه فلا يصل أبداً. في الحلقة الجديدة من «كده غلط» نروي الحكاية، ونسأل ماذا يقول الدين وماذا يقول القانون، وكيف نغيّر سلوكاً نسمّيه «بسيطاً» وهو في الحقيقة قاتل.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٤ دقائق قراءة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة