تخطَّ إلى المحتوى

التدخين في الأماكن المغلقة: حريتك تنتهي عند رئة غيرك

الحلقة الثانية من «كده غلط» تفكك حجة «أنا حر»: أكثر من 1.6 مليون غير مدخن يموتون سنوياً بالتدخين السلبي وفق منظمة الصحة العالمية، وقانون مصري عمره 45 عاماً يحظر ويغرّم.. فلماذا يمتلئ المقهى المغلق بالدخان؟

هيئة التحرير·نُشر في ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
رجل يدخّن الشيشة داخل مقهى مغلق بخان الخليلي، وجالسون آخرون حوله بين الجدران المزخرفة
Rudolph.A.furtado / Wikimedia Commons (Public domain)

المشهد يتكرر كل ليلة في آلاف المقاهي المصرية: قاعة مغلقة، تكييف يعيد تدوير الهواء نفسه على الجالسين، ورجل يشعل سيجارته الثالثة غير عابئ بطفل على الطاولة المجاورة ينحني على كوب عصيره ويسعل. لا أحد يعترض؛ فالاعتراض قد يبدو «افتعالاً لمشكلة»، والنادل لا يتدخل، وصاحب المكان لا يرى داعياً لإغضاب زبون دائم.

فإذا اعترض أحد، جاء الرد الجاهز: «أنا حر». وهي حجة تبدو قوية لأنها تستند إلى قيمة لا يجادل فيها أحد. لكنها في هذا السياق بالذات معطوبة من أساسها: الحرية تخص ما يملكه صاحبها، والهواء داخل قاعة مغلقة ليس ملكاً لأحد بعينه، بل لكل من يتنفسه.

الدخان لا يعرف حدود الطاولات ولا يستأذن قبل أن ينتقل. من يدخن في الهواء الطلق بعيداً عن الناس يمارس قراراً يخصه وحده، أما من يدخن في مكان مغلق فيفرض قراره على رئات الجميع: النادل الذي يقضي وردية كاملة وسط الدخان، والحامل التي لا تجد مقهى آخر قريباً، والطفل الذي لم يُسأل رأيه أصلاً. هنا تنتهي الحرية ويبدأ الضرر.

والتدخين السلبي ليس رأياً يقبل الأخذ والرد، بل ضرر موثق بالأرقام. فوفق صحيفة الحقائق المحدّثة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية في يونيو 2026، يقتل التبغ أكثر من 7 ملايين إنسان سنوياً، بينهم أكثر من 1.6 مليون غير مدخن ماتوا بسبب التعرض لدخان غيرهم. وتؤكد المنظمة أنه لا يوجد مستوى آمن للتعرض لدخان التبغ، وأنه يضر بكل أعضاء الجسم تقريباً.

ومصر ليست بعيدة عن هذه الأرقام. فالمسح العالمي لتعاطي التبغ بين البالغين، في دورته المصرية المنشورة عام 2009، وجد أن نحو 62% من البالغين يتعرضون للتدخين السلبي داخل بيوتهم، ونحو 60% من العاملين في أماكن مغلقة يتعرضون له في أماكن عملهم — وهي من أعلى النسب المسجلة بين الدول التي شملها المسح. الأرقام قديمة بلا شك، لكنها آخر ما نُشر بهذه الشمولية عن البالغين في مصر.

والمفارقة أن القانون موجود منذ 45 عاماً. فقانون الوقاية من أضرار التدخين رقم 52 لسنة 1981 نص في مادته السادسة على حظر التدخين في وسائل النقل العام والأماكن العامة المغلقة التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الصحة. ثم جاء التعديل بالقانون رقم 154 لسنة 2007 ليضيف مادة تحظر التدخين «نهائياً بكافة صوره» في المنشآت الصحية والتعليمية والمصالح الحكومية والنوادي الرياضية والاجتماعية ومراكز الشباب.

وللقانون أسنان — على الورق. كانت الغرامة في النص الأصلي لعام 1981 لا تتجاوز عشرين جنيهاً، فرفعها تعديل 2007 إلى ما بين 50 و100 جنيه للمدخن المخالف في الأماكن المحظورة. أما المدير المسؤول عن المنشأة التي تسمح بالتدخين فيها فيواجه غرامة من ألف إلى عشرين ألف جنيه. ولاحظ الترتيب: المشرّع حمّل المنشأة أضعاف ما حمّله للمدخن، لأنه أدرك أن ضبط السلوك يبدأ من صاحب المكان لا من ملاحقة كل سيجارة.

لكن في القانون ثغرة تتسع لمقهى بأكمله: المقاهي والمطاعم الخاصة ليست ضمن قائمة الحظر الشامل، ويظل شمولها معلقاً على قرارات تحدد «الأماكن العامة المغلقة». وتخلص منصة «قوانين مكافحة التبغ» (Tobacco Control Laws) المتخصصة في تحليل تشريعات التبغ إلى أن القانون المصري لا يرقى إلى المادة الثامنة من الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ — التي صادقت عليها مصر عام 2005 — والتي تقتضي أن تكون أماكن العمل والأماكن العامة المغلقة خالية تماماً من الدخان.

وحتى حيث يسري الحظر فعلاً، يصطدم التنفيذ بثلاثة حوائط: غرامة للمدخن حُددت عام 2007 وتآكلت قيمتها الردعية مع الزمن، وقبول اجتماعي يجعل الاعتراض على المدخن أثقل من التدخين نفسه، ومنشآت تخشى خسارة زبون فتتغاضى — رغم أنها المخاطبة الأولى بالقانون وصاحبة الغرامة الأكبر فيه.

التجارب المقارنة تقول إن المنع ممكن. في 29 مارس 2004 صارت أيرلندا أول دولة في العالم تحظر التدخين في أماكن العمل المغلقة كلها، بما فيها الحانات والمقاهي، رغم معارضة واسعة من قطاع الضيافة وقتها. وتقدّر مؤسسة القلب الأيرلندية، استناداً إلى دراسة علمية منشورة، أن الحظر أنقذ أكثر من 3700 حياة خلال أول ثلاث سنوات ونصف، مع انخفاض فوري بنسبة 26% في الوفيات بمرض القلب الإقفاري و32% في وفيات السكتات الدماغية.

ولمن يظن أن ثقافة المقاهي عندنا عصية على التغيير، فإن تركيا — وريثة قرون من ثقافة القهوة والشيشة — بدأت حظراً وطنياً عام 2008، ثم مدّته في يوليو 2009 ليشمل المقاهي والمطاعم وقهاوي الشيشة نفسها. أي أن دولة تشبهنا في طقوس المقهى وجدت طريقاً بين حرية المدخن وهواء الآخرين: التدخين في الخارج، والهواء النظيف في الداخل.

هذه السلسلة لا تحاكم أشخاصاً بل سلوكاً. فالمدخن ليس عدواً؛ كثيرون منا يدخنون أو يحبون مدخنين. والمطلوب ليس إطفاء السجائر، بل إخراجها إلى الهواء الطلق حيث حريتك كاملة غير منقوصة. أما داخل قاعة مغلقة يتقاسم الجميع هواءها، فالسيجارة ليست ممارسة لحرية بل فرضاً لضرر على من لم يختره — وكده غلط.

وتبقى المسؤولية سلماً يبدأ من أعلاه: صاحب المكان الذي يملك — بنص القانون وغرامته — أن يقول «ممنوع التدخين هنا»، قبل أن نطالب المدخن بأن يقولها لنفسه. شاركونا عبر «عدسة المواطن»: صوّروا لافتات «ممنوع التدخين» الغارقة وسط الدخان، أو أماكن نجحت فعلاً في فرض القاعدة دون أن تخسر زبائنها، لنعرض النموذجين جنباً إلى جنب.

مشاركة

مواد ذات صلة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

راكبان بلا خوذة على دراجة نارية يمران بطريق ريفي، وعلى جانبه أكوام قمامة مشتعلة يتصاعد منها الدخان
كده غلط

أربعة فوق موتوسيكل بلا خوذة: الرأس المكشوف أغلى ما يمكن أن تخسره الأسرة على الطريق

في الأسبوع الثاني من المدارس يتكرر المشهد نفسه: أب يقود الموتوسيكل، طفل أمامه وآخر خلفه والأم تمسك بالحقائب، ولا خوذة واحدة بينهم. تغطيات صحفية تنقل عن الجهاز المركزي للإحصاء قفزة في وفيات الدراجات النارية من 190 إلى 897 بين عامي 2020 و2024، بينما تثبت مراجعة كوكرين أن الخوذة وحدها تخفض خطر الوفاة 42%. القانون يعاقب على الرأس المكشوف منذ 1999 ورفع الغرامة عام 2008، فلماذا لا نلتزم؟

٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

شارع في إحدى المدن المصرية تصطف على جانبيه عمارات ملوّنة ومحال، وأعمدة إنارة على الرصيف تحت سماء صافية
كده غلط

«وصلة على الكابل» ليست شطارة: سرقة التيار الكهربائي جريمة يدفع ثمنها الحي كله

سلك عارٍ يتدلى من عمود الإنارة إلى شرفة، وتكييف يدور على حساب عدّاد لا يتحرك، وفيوز الكابينة يطير للمرة الثالثة فينطفئ بيت الجار الذي يدفع فاتورته. المادة 71 من قانون الكهرباء تسمّي هذا الفعل استيلاءً على التيار، وتعاقب عليه بالحبس والغرامة، وتعديل أشد ينتظر كلمة مجلس النواب. ماذا يخسر الشارع كله من وصلة واحدة؟ وما البديل الصحيح؟

١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة