العاصمة الإدارية الجديدة: ما هي وكيف تنتقل الحكومة ولماذا يستمر الجدل حول التكلفة؟
على بعد نحو 45 كيلومترًا شرق القاهرة تبني مصر مقرًا جديدًا للحكم من الصفر. ما العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف يجري الانتقال المرحلي للوزارات؟ وكيف ترتبط بالقاهرة؟ ولماذا تظل تكلفتها موضع جدل حقيقي وموثق؟

على بعد نحو خمسة وأربعين كيلومترًا شرق القاهرة، وعلى أرض صحراوية بمحاذاة طريق السويس، تبني مصر مدينة جديدة بالكامل أُريد لها أن تصبح مقر الحكم. أُعلن عن المشروع في مارس 2015 خلال مؤتمر اقتصادي في شرم الشيخ، وتُعد العاصمة الإدارية الجديدة أكبر مشروعات المدن الجديدة في البلاد على الإطلاق. يشرح هذا التقرير ماهية المدينة، وكيف يجري الانتقال المرحلي للجهاز الحكومي، وكيف ترتبط بالقاهرة، ولماذا ظلت تكلفتها موضوعًا لجدل عام موثق.
على الورق، يمتد المشروع على نحو سبعمائة كيلومتر مربع، وهي مساحة كثيرًا ما تُقارن بمساحة سنغافورة. وتتضمن الخطة العامة حيًا حكوميًا يضم الوزارات ومجلس الوزراء، ومقرًا جديدًا للبرلمان، وحيًا رئاسيًا، وحيًا للمال والأعمال يتوسطه البرج الأيقوني، وحيًا دبلوماسيًا للسفارات، وأحياء سكنية وجامعات، ومتنزهًا مركزيًا ضخمًا يُعرف بـ«النهر الأخضر»، ومنشآت رياضية. ويتحدث المخططون عن مدينة قد تستوعب ملايين السكان في نهاية المطاف، وإن كان بناء المجتمعات السكانية أبطأ كثيرًا من بناء الأبراج.
يبدأ المنطق الرسمي للمشروع من القاهرة الكبرى نفسها؛ فهي حاضرة يتجاوز سكانها العشرين مليونًا بكثير، وتنوء شوارعها ومرافقها ومساكنها تحت ضغط نمو لا يتوقف. وظلت الوزارات تعمل لعقود من مبانٍ قديمة مزدحمة متناثرة في وسط القاهرة، بما يعقّد الإدارة اليومية والمرور معًا. وقد دأبت مصر منذ سبعينيات القرن الماضي على بناء مدن تابعة — مثل السادس من أكتوبر والقاهرة الجديدة والعاشر من رمضان — لسحب النمو خارج الشريط الضيق لوادي النيل، وتمثل العاصمة الإدارية الفصل الأكثر طموحًا في تلك السياسة الممتدة.
تتولى تطوير المدينة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، المعروفة اختصارًا بـ«أكود»، التي تجمع ملكيتها بين جهات أراضٍ تابعة للقوات المسلحة ووزارة الإسكان. وكرر المسؤولون وصف المشروع بأنه يموّل نفسه بنفسه: فالشركة تبيع الأراضي المرفّقة والعقارات للمطورين وتستخدم العائد في تمويل البنية التحتية بدلًا من السحب المباشر من موازنة الدولة. غير أن اقتصاديين ومنتقدين تساءلوا عن مدى اكتمال هذا الفصل عمليًا، مشيرين إلى ضمانات وعقود عامة وقروض تتصل في نهاية المطاف بالمالية العامة.
باتت معالم عدة تحدد ملامح أفق المدينة؛ فالبرج الأيقوني في حي المال والأعمال يوصف على نطاق واسع بأنه أعلى مبنى في أفريقيا، ويؤطر مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح — التي افتُتحت في يناير 2019 وتُعد من أكبر الكنائس في الشرق الأوسط — العمارة الدينية للمدينة. ويكتمل الانطباع الأول المتعمد في ضخامته بممشى حكومي واسع، ومجمع ثماني الأضلاع لوزارة الدفاع، وجامعات جديدة، ومدينة للفنون والثقافة، وسارية علم شاهقة.
جرى انتقال الحكومة على مراحل مقصودة؛ فبعد سنوات من البناء والتشغيل التجريبي، بدأت الوزارات نقل موظفيها إلى الحي الحكومي تدريجيًا، بدءًا بمجموعات رائدة من الموظفين قبل التوسع في النقل. وانتقلت اجتماعات مجلس الوزراء وجلسات البرلمان والمهام الرئاسية شرقًا بالتدريج. ويشمل الانتقال عشرات الآلاف من الموظفين، وترتيبات جديدة للرواتب والانتقالات، وتحولًا رقميًا في إجراءات العمل يقدمه المسؤولون بوصفه فرصة لتحديث الإدارة ذاتها لا مجرد تغيير عنوانها.
ولأن معظم الموظفين ما زالوا يقيمون في القاهرة الكبرى، تمثل وسائل النقل الاختبار اليومي للمشروع. يربط قطار كهربائي خفيف المدينة بمحطة عدلي منصور التبادلية حيث يلتقي بالخط الثالث لمترو القاهرة، ويجري إنشاء قطار معلق «مونوريل» ليصل شرق القاهرة بأحياء العاصمة الجديدة، كما تخدم المدينة حافلات إقليمية وشبكة طرق آخذة في الاتساع، مع خطط لقطارات فائقة السرعة. وبالنسبة إلى المنتقلين يوميًا تظل تكلفة الرحلة ومدتها حقيقتين حاسمتين في حياتهم.
التكلفة هي النقطة التي يحتدم عندها الجدل الموثق أكثر من غيرها. فالتقديرات المتداولة عبر السنوات لإجمالي البناء الكامل تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، ولا تتوافر أرقام نهائية مدققة معلنة. وتساءل منتقدون — بينهم اقتصاديون مصريون وأصوات معارضة — عما إذا كان ينبغي لدولة تحمل دينًا خارجيًا ثقيلًا أن تقدّم عاصمة جديدة على تطوير المدن القائمة والمدارس والمستشفيات. ويرد المؤيدون بأن بيع الأراضي يمول الأعمال وبأن المشروع يجتذب الاستثمار. إنه خلاف حقيقي ومستمر ويستحق أن يُفهم كما هو.
ويطرح مخططون عمرانيون أسئلة تتجاوز المال: هل يؤدي جذب الحكومة والأعمال شرقًا إلى إفراغ القاهرة التاريخية من الحياة، أم يخفف عنها بما يسمح بترميم قلبها التراثي؟ وهل تستطيع مدينة خُططت حول طرق عريضة ومجمعات مسوّرة أن تنمّي حياة الشارع التي تمنح المدن المصرية حيويتها؟ وكيف تُؤمَّن المياه والخدمات والإسكان الميسور في الصحراء على هذا النطاق؟ على هذه الأسئلة سيتوقف الحكم البعيد المدى على المشروع.
يقدم التاريخ سوابق متباينة؛ فالعواصم المبنية لغرض محدد مثل برازيليا وإسلام آباد وأبوجا وأستانا استغرقت عقودًا لتتحول من مواقع إدارية إلى مدن حية، وبعضها لم يكتمل تحوله قط. عاصمة مصر الجديدة تؤدي بالفعل وظيفتها مقرًا للحكم، أما أن تصبح مكانًا يعيش فيه الملايين ويعملون وينتمون إليه حقًا فقصة ستتكشف على مدى جيل كامل. وحتى ذلك الحين، فإن الخلاصة الأكثر إنصافًا هي أن المدينة قائمة، وأن الانتقال جارٍ، وأن الجدل حول ثمنها وأولوياتها مستمر.
مواد ذات صلة

ذروة أغسطس: الشبكة تتجاوز 40 ألف ميجاوات لأول مرة ولا عودة لتخفيف الأحمال
عبرت الشبكة القومية 40 ألف ميجاوات لأول مرة في تاريخها خلال موجة أغسطس الحارة، دون عودة تخفيف الأحمال. كيف صمدت الإمدادات بعد هجوم المسيّرة على ميناء دمياط، وماذا تعني أسعار الشرائح الجديدة لفاتورتك؟
١٩ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

اقتصاد مصر بين رقمين: نمو 5.2% وسيناريوهات التصعيد
الحكومة تعلن نموًا بنسبة 5.2% في تسعة أشهر، وتراجع في الوقت نفسه سيناريوهات محدثة لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي، فيما صعد التضخم إلى 14.9% واستقر الدولار قرب 50 جنيهًا. فماذا يعني الرقمان لجيب المواطن؟
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937
جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.
٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة