كيف نربي قارئًا؟ دليل الأسرة المصرية إلى غرس حب الكتاب في الأطفال
الطفل القارئ لا يولد مصادفة. من حكاية ما قبل النوم وكلاسيكيات كامل كيلاني إلى المكتبات العامة ورفوف المدارس ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، دليل عملي لكيفية غرس الأسر المصرية حبَّ الكتب والقراءة بالعربية في أبنائها.

اسأل أي معلم عما يفرق بين التلاميذ المتفوقين وسواهم، فقلّما تتغير الإجابة: القراء يتقدمون. فالقراءة تغذي المفردات والخيال والتركيز والتعاطف، وتتراكم آثارها بهدوء عبر سنوات الدراسة كلها. ومع ذلك، فالطفل القارئ لا يولد مصادفة تقريبًا؛ فخلف كل قارئ صغير تقف أسرة عاملت الكتب بوصفها أشياء منزلية عادية — حاضرة في البيت حضور الخبز — وشخص كبير جعل الحكاية يومًا هدية لا واجبًا.
تبدأ العادة أبكر مما يظن معظم الآباء، وقبل أن يفك الطفل حرفًا واحدًا بزمن طويل. فالرضع الذين يُقرأ لهم يتشربون موسيقى اللغة، والصغار الذين يقلّبون الكتب الكرتونية يتعلمون أن الصفحات تخبئ المفاجآت. ولمصر هنا معين عميق تنهل منه: فتقليد الحكي الشفاهي عند الجدات وحكايات البلد الشعبية هو في ذاته أدب مبكر. والأب أو الأم اللذان يحكيان بصوت عالٍ — من الذاكرة أو من كتاب أو من الخيال — قد بدآ فعلًا تربية قارئ.
البيت نفسه أبلغ من المحاضرات عن قيمة القراءة. فالأطفال يقلدون ما يرون لا ما يُقال لهم؛ والوالد المستغرق في هاتفه وهو يأمر ابنه بالقراءة يرسل رسالتين، والأعلى صوتًا هي التي تفوز. الأسر التي تنجب قراء تُبقي الكتب في متناول الأيدي ومرأى العيون، وتزور المكتبة أو فرشة الكتب كما تزور البقال، وتحمي جيبًا صغيرًا من الوقت الهادئ يقرأ فيه الجميع شيئًا ما، الكبار قبل الصغار.
وتطرح العربية صعوبة صادقة يجدر بالأسر أن تسميها لا أن تتجاهلها: المسافة بين العامية المصرية التي يتكلمها الطفل في البيت والفصحى الحديثة التي تُكتب بها الكتب. وينصح المتخصصون في تعليم العربية بجسر الفجوة برفق: قراءة النص الفصيح بصوت عال مع الشرح بلهجة الطفل، واختيار كتب مصورة لغتها بسيطة موسيقية، وألا تتحول الفصحى أبدًا إلى أداة تصحيح وتوبيخ. فالطفل الذي يربط الكتب بالتأنيب سيغلقها.
والأسر المصرية وريثة تقليد ثري في الكتابة للأطفال. فكامل كيلاني، الذي يُعد رائد أدب الأطفال العربي، أعاد منذ النصف الأول من القرن العشرين حكي روائع العالم وحكايات العرب للقراء الصغار. وتربت أجيال على مجلات الأطفال الصادرة عن كبريات دور النشر — «سمير» عن دار الهلال و«علاء الدين» عن الأهرام — التي علمت ملايين المصريين بقصصها المصورة ومسلسلاتها أن القراءة بالعربية يمكن أن تكون متعة خالصة.
ورفوف اليوم أوسع مما يدرك كثير من الآباء. فدور النشر المصرية والعربية تصدر كتبًا مصورة وروايات لليافعين وترجمات عربية لسلاسل عالمية، وقامت جوائز إقليمية مخصصة لأدب الطفل العربي رفعت الجودة والحضور معًا. وازدهرت الكتب المصورة خاصة، إذ منح رسامون مصريون القصص العربية حياة بصرية تنافس المستورد بثقة. أما الشكوى القديمة من أنه «لا يوجد شيء جيد للأطفال بالعربية» فقد تجاوزها الزمن ببساطة.
ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، المقام كل شتاء منذ عام 1969 وهو من أكبر معارض الكتب في العالم، ظل طويلًا نزهة عائلية وطنية. فأجنحته المخصصة للأطفال وطبعاته المخفضة ولقاءاته مع المؤلفين تمنح كثيرًا من أطفال مصر أول تجربة لاختيار كتاب بأيديهم — وهو فعل يعده أمناء المكتبات فاصلًا، لأن الكتاب الذي يختاره الطفل كتاب يتمه. وتمد المعارض الإقليمية في المحافظات التجربة نفسها إلى خارج العاصمة.
وتمنح المكتبات العامة العادةَ بيتًا خارج البيت. فمكتبة الإسكندرية تضم مكتبة مخصصة للأطفال داخل واحدة من أشهر مؤسسات القراءة في العالم، وشبكات المكتبات العامة وقصور الثقافة المنتشرة في المحافظات تدير أقسامًا وأنشطة للأطفال، وكثير من المساجد والكنائس يحتفظ برفوف إعارة خاصة به. وبطاقة المكتبة زهيدة الثمن، وطقس الاستعارة والإرجاع يعلّم الأطفال أن الكتب تتداول — وأن القراءة عادة عامة لا ترف خاص.
ويمكن لمكتبات المدارس وحصص القراءة أن تشعل العادة أو تطفئها، وللآباء هناك نفوذ أكبر مما يظنون. فسؤال الطفل عما يقرؤه الفصل، وحضور أيام الكتاب المدرسية، وإهداء رف من العناوين، والإلحاح الهادئ على حماية حصة المكتبة من أن تُضحى بها لصالح المراجعة — كلها إشارات إلى أن الأسرة تعد القراءة جزءًا من التعليم لا زينة عليه. والمعلم الذي يقرأ لتلاميذه بصوت عال يساوي وزنه ذهبًا، وحق على الآباء أن يشكروه.
أما التفاصيل اليومية فبسيطة ومتسامحة. حكاية ما قبل النوم، ولو عشر دقائق، هي الطقس الأوثق على الإطلاق. ودع الطفل يختار واحترم اختياره: فالقصص المصورة وكتب كرة القدم وكتب النكت كلها تُحسب، لأن الهدف في البداية هو الشهية لا المنهج. وبإبعاد الشاشات عن الساعة الأخيرة قبل النوم يجد الكتاب موضعه الطبيعي. وإذا أعاد طفلك القصة نفسها للمرة العاشرة فاحتفل؛ فالتكرار هو الطريقة التي يمتلك بها القراء الصغار كتبهم.
لا تحتاج أسرة إلى ثراء لتربي قارئًا؛ تحتاج إلى مواظبة وقليل من المسرح. أب يقلد الأصوات، ورف في متناول اليد، وزيارة أسبوعية لمكتبة، ومعرض مرة في العام — استثمارات متواضعة تتراكم كما تتراكم المدخرات. والطفل الذي يقرأ للمتعة يحمل معه معلمًا خاصًا أينما ذهب مدى الحياة. وفي زمن صاخب، قد تكون قدرة الطفل على الجلوس بهدوء داخل حكاية من أنفع الهدايا التي تورثها أسرة مصرية لأبنائها.
مواد ذات صلة

شنطة أثقل من الطفل: كم يجب أن تزن الحقيبة المدرسية وكيف تحمي ظهر ابنك؟
مع أول أسبوع في المدارس يتردد في كل بيت سؤال واحد: كم كيلوجرامًا يحتمل ظهر الطفل؟ نشرح قاعدة الـ15% التي توصي بها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ونقرأ دراسة مصرية من منوف وجدت أن ثلاثة أرباع التلاميذ يشكون آلام الظهر، ثم نقدم طريقة الوزن بميزان الحمام وخطوات يومية بسيطة تخفف الحمل قبل أن يصير وجعًا يرافقه طول العمر.
١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

المصروف أول درس في الاقتصاد: كيف تُعلّم طفلك قيمة النقود والادخار؟
قبل الجبر والهندسة، يتلقى طفلك أول دروس الاقتصاد على باب الكشك وفي حصالته الصغيرة. دليل عملي بحسب المرحلة العمرية: متى يبدأ المصروف، وكيف يُقسَّم بين إنفاق وادخار وعطاء، ولماذا لا يصح أبدًا ربطه بالدرجات أو تحويله إلى سلاح عقاب.
٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

التنمر بين الأطفال: كيف تحمي طفلك سواء كان ضحية أم شاهدًا أم متنمرًا؟
متى تصبح خناقة الفسحة تنمرًا؟ دليل عملي للأهل: علامات صامتة يخفيها الطفل، حوار آمن يفتح قلبه، خطوات موثقة لمخاطبة المدرسة، وبدائل حقيقية لنصيحة «رد الضربة» — وماذا تفعل إن كان ابنك هو المتنمر، دون إهانة أو إنكار.
٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة