تخطَّ إلى المحتوى
زائف

«البلدي أحسن.. الأبيض كله هرمونات».. ادعاء عن ممارسة توقفت منذ أكثر من نصف قرن، والخطر الحقيقي في مكان آخر

جملة تتكرر عند كل مائدة مصرية تقريبًا. نفحص الادعاء ونصل إلى حكم واضح: زائف — فهرمونات النمو بروتينات تتحلل في المعدة، وحقن عشرين ألف طائر عدة مرات يوميًا مستحيل عمليًا، والسر في التحسين الوراثي وبرامج التغذية. لكن قلق المستهلك ليس بلا محل، فالخطر الموثّق يقع في متبقيات الأدوية البيطرية وفترة الأمان قبل الذبح.

هيئة التحرير·نُشر في ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
محل دواجن في القاهرة الجديدة يعرض دجاجًا أبيض وآخر بلديًا أحيا داخل أقفاص معدنية للبيع أمام المحل
Ashashyou / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

المشهد يتكرر في مطابخ كثيرة: تعود الأم من السوق ومعها كيس فيه دجاجة بيضاء ممتلئة، فتضعها على الرخامة ثم تسمع الجملة التي كانت تعرف أنها قادمة: «كنتِ جِبتي بلدي أحسن.. الأبيض ده كله هرمونات». تقولها الجدة بثقة من قضت في المطبخ أربعين سنة، وتنظر البنت الصغيرة إلى فارق السعر بين النوعين فلا تفهم كيف يكون الأرخص هو الأخطر. وفي بيوت كثيرة ينتهي الحوار عند هذا الحد: قناعة موروثة، وميزانية لا تحتمل الكثير، وشك صامت يجلس مع العائلة على المائدة كل أسبوع.

الادعاء الذي نفحصه محدّد: أن دجاج التسمين الأبيض يُعطى هرمونات نمو تُسرّع تسمينه، وأن هذه علة حجمه الكبير وسرعة وصوله إلى وزن الذبح مقارنة بالبلدي. وحكمنا عليه، بعد مراجعة ما هو متاح من مصادر علمية ورسمية حتى تاريخ كتابة هذه السطور: زائف. وهو ليس زائفًا لأن الصناعة بريئة من كل شيء — وسنصل بعد قليل إلى ما ينبغي أن يشغل المستهلك فعلًا — بل لأن الهرمونات تحديدًا لا تصلح للغرض المنسوب إليها، لا بيولوجيًا ولا عمليًا.

ابدأ من التاريخ. خدمة الإرشاد الزراعي بجامعة ولاية ميسيسيبي الأمريكية تذكر أن استخدام الهرمونات في إنتاج الدواجن حُظر في الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، أي منذ نحو سبعين عامًا. والمصدر يتكلم عن الولايات المتحدة وحدها، لكن السلالات التجارية التي طُوِّرت هناك هي نفسها التي انتشرت في العالم، ومنها ما يُربّى في مصر — أي أنها تشكّلت داخل منظومة إنتاج لا يُسمح فيها بهرمونات النمو، ولا نعلم حتى تاريخ كتابة هذه السطور مستحضرَ هرمون نمو مرخّصًا لتسمين الدواجن. والشائعة إذن أقدم من كثير ممن يردّدونها، وقد عمّرت لأنها تفسّر بسهولة شيئًا يراه الناس بأعينهم: طائر يكبر بسرعة مدهشة.

والسبب الأول في أن الحكاية لا تستقيم سبب بيولوجي: هرمونات النمو بروتينات، والبروتين إذا دخل المعدة تكسّره الإنزيمات وتفكّكه إلى وحداته الصغيرة، فيفقد قدرته على العمل في الجسم. ولهذا لا يُبتلع الأنسولين حبوبًا بل يُحقن، لأن الجهاز الهضمي يُبطل مفعوله قبل أن يصل إلى الدم. فلو خلط أحدهم هرمون نمو في علف الدجاج لكان كمن يسكب ماله في المعالف بلا أثر يُذكر: الطائر يهضم المادة كما يهضم أي بروتين آخر، ولا ينالها منها زيادة في الوزن.

والسبب الثاني عملي بحت. لو أراد منتج أن يوصل الهرمون فعليًا إلى مجرى دم الطائر لوجب حقنه، والمصدر نفسه يشير إلى أن الأمر يحتاج حقنًا متكررًا عدة مرات كل يوم. وعنبر التسمين الواحد يضم عشرين ألف طائر أو أكثر، وفي المزرعة عنابر عدة. تخيّل من سيمسك كل طائر من هذه العشرين ألفًا، عدة مرات يوميًا، طوال دورة التربية كلها، ثم احسب أجور العمالة وحدها. لا توجد صناعة دواجن في العالم تفعل ذلك، ولا يوجد اقتصاد يحتمل تكلفته أصلًا.

فما الذي يجعل الطائر يبلغ وزن التسويق في أسابيع قليلة؟ ثلاثة أسباب مجتمعة: أولها الانتخاب الوراثي، إذ ظلت شركات تربية السلالات عقودًا تنتخب الأمهات الأسرع نموًا، حتى قُدّر أن المدة اللازمة للوصول إلى وزن مستهدف تقصر بنحو يوم واحد كل عام. وثانيها برامج تغذية مضبوطة على احتياج السلالة من الطاقة والبروتين والفيتامينات في كل مرحلة عمرية. وثالثها بيئة العنبر نفسها: حرارة وتهوية وإضاءة ومساحة معالف ومشارب تسمح للطائر بأن يعبّر عن أقصى ما في جيناته. تراكم بطيء عبر أجيال، لا حقنة سحرية.

وعلى الجانب المصري، نقلت الصحافة المصرية أواخر يناير 2026 عن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بيانًا ردًّا على ما يتداول على مواقع التواصل، مفاده أن استخدام الهرمونات في إنتاج الدواجن محظور قانونًا في مصر وغير مجدٍ اقتصاديًا، وأن سرعة النمو ترجع إلى التحسين الوراثي وبرامج التغذية المتطورة، وأن المزارع تخضع لإشراف دوري من الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وأن التداول لا يتم إلا بتصريح بعد نتائج الفحص المعملي. ولم نطّلع على نص قرار وزاري بعينه، فنعرض ما نُقل بوصفه موقفًا رسميًا معلنًا لا نصًا قانونيًا نستشهد برقمه.

يبقى سؤال الجدة: لماذا إذن يختلف طعم البلدي وقوامه؟ الفرق حقيقي، لكن تفسيره ليس الهرمونات. البلدي عادةً من سلالات بطيئة النمو، يُذبح في عمر أكبر، ويتحرك أكثر، ويأكل غذاءً أكثر تنوعًا؛ والمعروف عمومًا أن عمر الذبح الأكبر وحركة الطائر ونوع غذائه تنعكس على تركيب العضلة ونسبة الدهن وقوة الطعم، وعلى السعر أيضًا، لأن كل يوم إضافي في حياة الطائر يُدفع ثمنه من جيب المربي. أن تفضّل البلدي لطعمه اختيار مشروع؛ أما أن تتجنب الأبيض خوفًا من الهرمونات فخوف من شيء لا وجود له.

لكن نفي الهرمونات لا يعني توزيع صكوك البراءة على كل ما يصل إلى المطبخ. الخطر الموثّق في الأدبيات العلمية يقع في مكان آخر: متبقيات الأدوية البيطرية، وعلى رأسها المضادات الحيوية، في لحوم الدواجن. وقد سبق أن أفردنا لادعاء أن المضادات الحيوية تعالج نزلات البرد فحصًا مستقلًا في أغسطس الماضي فلا نعيده هنا؛ ما يعنينا اليوم حلقة تخص المستهلك مباشرة: ماذا يبقى في اللحم حين يصل إلى المحل، ومن المسؤول عن ألا يبقى فيه شيء.

في دراسة محكّمة نُشرت هذا العام في دورية ساينتيفيك ريبورتس، فحص باحثون مئة وثمانين عينة من دجاج التسمين — ستون من الصدر وستون من الفخذ وستون من الكبد — جُمعت من محال دواجن بمدينة ميت غمر على مدى ستة أشهر انتهت في مارس 2025. ووجدت الدراسة متبقيات أوكسي تتراسيكلين في 71.67% من العينات، وإنروفلوكساسين في 51.67%، وسلفاديميدين في 16.67%. والأهم من نسب الوجود أن قسمًا معتبرًا من العينات الإيجابية تجاوز الحدود القصوى المسموح بها: 55.81% في الأوكسي تتراسيكلين، و54.84% في الإنروفلوكساسين، و70% في السلفاديميدين.

وقبل أن يُغلق أحد باب الثلاجة، يجب أن يُقرأ الرقم كما هو: عيّنة محلية من مدينة واحدة وفي فترة محددة، مؤشر يستدعي توسيع المسح وتشديد الرقابة، لا حكمًا قاطعًا على كل دجاجة في مصر. ويسجّل الباحثون على أنفسهم قيدًا صريحًا: أن القياس جرى بتقنية الكروماتوغرافيا السائلة عالية الأداء وحدها دون تأكيد بمطيافية الكتلة، ويوصون بدراسات لاحقة تؤكد هوية المتبقيات وتركيزاتها. وتوصيتهم الأهم هي جوهر القصة: أن تراقب الجهات المختصة صرف الأدوية البيطرية واستخدامها، وأن تلتزم المزارع بـ«فترة التحريم» أو فترة الأمان قبل الذبح، وهي المدة الواجب مرورها بعد آخر جرعة دواء حتى يتخلص جسم الطائر مما تبقى منها. واختصار هذه المدة، سهوًا أو استعجالًا للبيع، هو الباب الذي تدخل منه المتبقيات إلى اللحم.

وفي انتظار رقابة أوسع ونتائج مسح تُنشر للناس، ما الذي يملكه بيت مصري عادي؟ لنكن دقيقين: الطهي الجيد لا يُزيل متبقيات الأدوية البيطرية، فتلك مسؤولية رقابية لا يحلّها فرن ولا حلّة، لكنه يحسم خطرًا آخر أقرب إلى المائدة وأوسع انتشارًا هو التلوث الميكروبي. تنصح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض بطهي الدجاج حتى تبلغ درجة حرارته الداخلية 74 درجة مئوية (165 درجة فهرنهايت) لقتل السالمونيلا والكامبيلوباكتر، وبعدم غسل الدجاج النيء — وهي نصيحة تصطدم بعادة راسخة في مطابخنا، لكن سندها أن رذاذ الماء ينشر الجراثيم في الحوض وما حوله — وبفصل لوح التقطيع والأطباق التي لامست النيء عن الطعام الجاهز، وبحفظه في أسفل الثلاجة مغلّفًا حتى لا تسيل عصارته على غيره.

عُد الآن إلى المائدة التي بدأنا منها. الجملة التي تستحق أن تحل محل «الأبيض كله هرمونات» ليست طمأنة عمياء، بل جملة أدقّ: الهرمونات ممارسة توقفت في هذه الصناعة منذ أكثر من نصف قرن، والسؤال الصحيح هو من يراقب صرف الدواء البيطري، ومن يتأكد من فترة الأمان قبل الذبح، ومتى تُنشر نتائج الفحص على الأسواق. أما في مطبخك فالمعركة أبسط: حرارة كافية، وسكين ولوح لا يخلطان النيء بالمطهو، وثلاجة مرتبة. اشترِ البلدي إن أحببت طعمه، والأبيض إن ناسب جيبك، ولا تدع شائعة عن ممارسة توقفت قبل أن يولد أكثر من يردّدها تختار لك عشاءك.

مشاركة

مواد ذات صلة

صورة عن قرب لبرج اتصالات محمول يحمل هوائيات القطاع وطبق ميكروويف تحت سماء ملبدة بالغيوم
الحقيقةزائف

«برج المحمول فوق العمارة بيسبب السرطان».. ما الذي تقوله القياسات ومنظمة الصحة العالمية؟

ورقة توقيعات في مدخل العمارة، ورسائل واتساب تقول إن الهوائي فوق السطح «هيجيب السرطان لأولادنا». فحصنا الادعاء: منظمة الصحة العالمية تقول إن التعرض قرب المحطات القاعدية يتراوح بين 0.002% و2% من الإرشادات الدولية، ومراجعة منهجية كلّفت بها ونُشرت في أغسطس 2024 لم تُرجّح ارتفاع سرطان الدم لدى الأطفال قرب المرسلات الثابتة. الحكم: ادعاء بلا سند علمي، مع شرح أمين للتصنيف 2B وللمسار المشروع أمام السكان.

٨ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

رائد فضاء بالبدلة البيضاء يقف بجوار علم أمريكي مغروس في تراب القمر، وآثار الأقدام ظاهرة حوله
الحقيقةزائف

«الأمريكان ما نزلوش على القمر».. ادعاء يعود كل عام، والقمر نفسه يردّ عليه بأعلام واقفة وآثار أقدام تُرى من المدار

مع افتتاح أسبوع الفضاء العالمي، تعود المقاطع القصيرة التي تقسم أن هبوط أبولو صُوّر في استوديو. نفحص الادعاء لا بشهادات الرواد، بل بما يمكن لأي عالم في العالم أن يفحصه اليوم: صور المدار، والصخور القمرية في المختبرات، والعاكسات التي تُقاس بها المسافة إلى القمر كل ليلة.

٤ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سيارة إسعاف مصرية صفراء وزرقاء تقف أمام محال في شارع، ويظهر عليها رقم النجدة 123
الحقيقةزائف

«اكحّ بقوة تنجو من الأزمة القلبية وأنت وحدك».. رسالة واتساب تتناقلها البيوت المصرية، والطب يقول العكس

رسالة متسلسلة تصل إلى كل هاتف مصري تقريبًا: إذا داهمتك أزمة قلبية وأنت وحدك فاكحّ بقوة وبإيقاع حتى يعود القلب إلى انتظامه. جمعية القلب الأمريكية ترفض «الكحة الإنعاشية» صراحةً، والرسالة تخلط بين الأزمة القلبية والسكتة القلبية، وكل دقيقة تضيع في الكحّ بدل الاتصال بالإسعاف 123 المجاني تُحسب من عمر المريض. هذا ما يقوله الطب.

٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة