تخطَّ إلى المحتوى

بنبان: كيف تحولت شمس الصحراء المصرية إلى واحدة من أكبر محطات الكهرباء في العالم

في الصحراء الغربية شمال أسوان، تمتد عشرات المحطات الشمسية المتجاورة لتشكل مجمع بنبان، أحد أكبر مجمعات الطاقة الكهروضوئية على وجه الأرض، في مشروع حوّل أقسى قوى الطبيعة في مصر — شمس الصحراء — إلى ثروة وطنية متجددة.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان كما تبدو من محطة الفضاء الدولية — حقول الألواح الداكنة وسط الصحراء

على بعد عشرات الكيلومترات شمال مدينة أسوان، وبالقرب من قرية صغيرة تُدعى بنبان، يمتد مشهد لا يشبه شيئاً آخر في مصر: صفوف لا تنتهي من الألواح الشمسية الزرقاء الداكنة تغطي مساحات شاسعة من الصحراء الغربية، وتلمع تحت شمس لا تكاد تغيب. هذا هو مجمع بنبان للطاقة الشمسية، الذي يُعد منذ اكتماله في نهاية العقد الماضي واحداً من أكبر مجمعات الطاقة الكهروضوئية في العالم، بقدرة إجمالية تقارب 1.65 جيجاوات موزعة على عشرات المحطات المتجاورة.

لم يولد بنبان محطة واحدة عملاقة، بل فسيفساء من المشروعات. فبدلاً من أن تبني الدولة محطة ضخمة بمفردها، قسّمت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة رقعة صحراوية شاسعة إلى عشرات القطع، وطرحتها على مطورين من القطاع الخاص من مصر ومن حول العالم ضمن برنامج تعريفة التغذية الذي أُطلق في منتصف العقد الماضي. وتدفقت التمويلات من مؤسسات دولية كبرى، في مقدمتها مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لتتحول الفكرة إلى واقع في سنوات قليلة.

لماذا أسوان تحديداً؟ الإجابة تكمن في الفيزياء والجغرافيا معاً. فجنوب مصر يتمتع بواحد من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي على مستوى العالم، إذ تسطع الشمس على مدار العام تقريباً بلا غيوم تُذكر. كما أن الأرض الصحراوية المستوية قليلة السكان توفر مساحات هائلة منخفضة التكلفة، وقربها النسبي من شبكة الكهرباء القومية جعل ربط المحطات بالشبكة أمراً ممكناً اقتصادياً.

تقوم فكرة المجمع على تقنية الخلايا الكهروضوئية، وهي خلايا من السيليكون تحوّل ضوء الشمس مباشرة إلى تيار كهربائي مستمر، ثم تتولى أجهزة تُسمى العواكس تحويله إلى تيار متردد صالح للنقل. وتتجمع الطاقة المولدة من كل محطة في محطات محولات ضخمة تضخها إلى الشبكة القومية، لتضيء منازل ومصانع تبعد مئات الكيلومترات عن رمال بنبان.

وبمقاييس الحياة اليومية، فإن ما ينتجه المجمع من كهرباء نظيفة يكفي لتغذية مئات الآلاف من المنازل المصرية، ويوفر حرق كميات ضخمة من الوقود الأحفوري كانت ستُستورد أو تُستنزف من الموارد المحلية، بما يصاحب ذلك من خفض لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المسببة لتغير المناخ.

ولم يكن الأثر اقتصادياً وبيئياً فحسب، بل اجتماعياً أيضاً. فخلال سنوات الإنشاء وفّر المشروع آلاف فرص العمل، واستفاد منها كثير من أبناء أسوان والقرى المحيطة، كما نشأت حول المجمع أنشطة تشغيل وصيانة دائمة تحتاج فنيين ومهندسين، في محافظة ظلت لعقود تشكو من قلة الفرص الصناعية.

يأتي بنبان في قلب استراتيجية مصرية أوسع للطاقة، تستهدف أن تصل حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى نحو 42 في المئة من مزيج الكهرباء بحلول عام 2035. وإلى جانب الشمس، تراهن مصر على الرياح في مناطق مثل خليج السويس والزعفرانة، وعلى الطاقة المائية التاريخية من السد العالي، في سعي لتنويع المصادر وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي.

لكن الصحراء لا تمنح شمسها بلا ثمن. فالغبار والرمال تتراكم على الألواح وتخفض إنتاجيتها، ما يستلزم عمليات تنظيف مستمرة في بيئة شحيحة المياه، دفعت المشغلين إلى تقنيات التنظيف الجاف والروبوتات المتخصصة. كما أن الحرارة الشديدة نفسها تقلل كفاءة الخلايا، وهي مفارقة معروفة في هندسة الطاقة الشمسية، إضافة إلى تحدي إدماج طاقة متقطعة — تغيب ليلاً — في شبكة يجب أن تظل مستقرة على مدار الساعة.

هذه التحديات جعلت من بنبان مختبراً حياً للبحث العلمي. فالجامعات ومراكز البحوث المصرية والدولية تدرس أداء الألواح في المناخات الحارة والمغبرة، وتختبر حلولاً للتخزين والتنظيف والتنبؤ بالإنتاج، وهي خبرات تكتسب قيمة متزايدة مع توسع مشروعات الطاقة الشمسية في المنطقة العربية وأفريقيا.

وفي النهاية، يتجاوز مغزى بنبان حدود الكهرباء. فالمشروع قدّم نموذجاً لشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والتمويل الدولي في مجال كانت تحتكره المحطات الحرارية التقليدية، ورسّخ موقع مصر مرشحاً إقليمياً لتصدير الطاقة النظيفة عبر مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار. الشمس التي طالما اعتبرها المصريون قسوة مناخية صارت، في رمال بنبان، مورداً وطنياً يُحسب له حساب.

مواد ذات صلة

الابتكارات العلمية

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه

أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

الابتكارات العلمية

حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط

في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

بنبان: كيف تحولت شمس الصحراء المصرية إلى واحدة من أكبر محطات الكهرباء في العالم | صوت المواطن