تخطَّ إلى المحتوى

حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط

في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة

في أغسطس/آب 2015 أعلنت شركة الطاقة الإيطالية «إيني» عن اكتشاف حقل ضخم للغاز الطبيعي في المياه العميقة للبحر المتوسط، داخل منطقة امتياز «شروق» على بُعد نحو 190 كيلومترًا شمال بورسعيد. أُطلق على الحقل اسم «ظُهر»، ووُصف حينها بأنه أكبر اكتشاف للغاز يُسجَّل في البحر المتوسط على الإطلاق. ولم يكن الخبر مجرد إضافة إلى قائمة الاكتشافات، بل غيّر نظرة صناعة الطاقة إلى شرق المتوسط بأكمله، وأعاد مصر إلى قلب خريطة الغاز في الإقليم.

الأرقام وحدها كانت كفيلة بتفسير الضجة. فقد قدّرت التقييمات الأولية الغاز الموجود في المكمن بنحو ثلاثين تريليون قدم مكعبة، محبوسًا في صخور تقع تحت نحو 1450 مترًا من مياه البحر وآلاف الأمتار من طبقات القاع. وبلغة الصناعة، صُنّف ظُهر ضمن الحقول «فائقة العملقة»، وهي فئة لا تضم سوى حفنة من الحقول حول العالم. ومثل هذه الاكتشافات نادرة في أي مكان؛ أما العثور عليها في بحر جرى استكشافه عقودًا طويلة، وعلى مسافة قريبة من خطوط الأنابيب ومنشآت المعالجة على الساحل المصري، فذلك ما جعلها أشد ندرة.

فاجأ ظُهر الجيولوجيين أيضًا. فطوال نصف قرن تركّز الاستكشاف قبالة السواحل المصرية على الطبقات الرملية لدلتا النيل، حيث حبست رواسب النهر الغاز في أنماط مألوفة. أما غاز ظُهر فيستقر في تكوين جيري كربوني هو بقايا هضبة شعابية قديمة، وهو نوع من المكامن كان مستكشفو المنطقة قد أغفلوه إلى حد بعيد. وأثبت الاكتشاف وجود «لعبة جيولوجية» مختلفة تمامًا في شرق المتوسط، فسارعت الشركات إلى إعادة قراءة بياناتها السيزمية في المياه المصرية والمجاورة بعيون جديدة.

وكان للتوقيت أهمية لا تقل عن الجيولوجيا. ففي منتصف ذلك العقد كانت مصر، المصدِّرة القديمة للغاز، قد تحولت إلى العجز: تجاوز الاستهلاك المحلي لمحطات الكهرباء والمصانع والمنازل إنتاجَ الحقول المتقادمة، وصارت البلاد تستورد الغاز المسال بتكلفة حقيقية. وجاء اكتشاف عملاق في المياه الوطنية ليتيح قلب هذه المعادلة. والغاز في مصر مسألة تمس الجميع، لأن شبكة الكهرباء تعتمد اعتمادًا كبيرًا على محطات تعمل بالغاز؛ فما يحدث في عرض البحر يصل أثره في النهاية إلى كل بيت.

ثم تحول المشروع إلى حالة تُدرَّس في التطوير السريع. بدأ الإنتاج في ديسمبر/كانون الأول 2017، أي بعد نحو عامين وأربعة أشهر فقط من الاكتشاف، وهي فترة قصيرة على نحو غير معتاد لمشروع بهذا الحجم في المياه العميقة، حيث المألوف بين خمس وسبع سنوات. وتطلّب ذلك هندسة متوازية وطلبًا مبكرًا للمعدات واستثمارات ضخمة. وانضم لاحقًا شركاء دوليون إلى المشروع إلى جانب إيني لتقاسم التكاليف والمخاطر، فيما أنجزت المؤسسات المصرية الموافقات وفق جداول زمنية مضغوطة، حتى صارت السرعة نفسها جزءًا من رسالة مصر إلى مستثمري الطاقة.

كيف يُعثر أصلًا على حقل كهذا؟ يبدأ الاستكشاف البحري بالمسوح السيزمية: سفن تجرّ مصفوفات تُرسل موجات صوتية عبر الماء والصخر، ثم تُعالَج الأصداء المرتدة لتتحول إلى صور ثلاثية الأبعاد لتراكيب تقع على عمق كيلومترات تحت القاع. بعدها تُختبر التراكيب الواعدة ببئر استكشافية تُحفر من منصة عائمة، وهي مقامرة باهظة لأن كثيرًا من هذه الآبار لا يجد شيئًا. وحين تصيب البئر غازًا، تتبعها آبار تقييمية لقياس حجم المكمن وقدرته الإنتاجية على وجه الدقة.

أما إنتاج الغاز فيقوم على تصميم يُعرف بنظام «من القاع إلى الشاطئ». فبدلًا من منصة ضخمة تنتصب فوق الحقل، تُحفر الآبار في قاع البحر وتُغطى بمعدات فولاذية ثقيلة مثبتة على القاع. وتجمع خطوط الأنابيب الغاز من هذه الآبار وتنقله إلى الساحل، بينما تمتد بمحاذاتها كابلات تنقل الكهرباء وإشارات التحكم والمواد الكيميائية من اليابسة. ويستطيع المشغلون فتح الصمامات وإغلاقها في قاع البحر من غرفة تحكم على الشاطئ، وهو نهج يناسب المياه العميقة حيث تصبح المنصات الثابتة غير عملية.

والغاز الذي يصل إلى اليابسة ليس جاهزًا للاحتراق بعد. ففي محطة معالجة قرب بورسعيد يُفصل عن الماء والسوائل الهيدروكربونية، ويُجفَّف ويُنقّى من الشوائب قبل ضخه في الشبكة القومية. وتُستخلص المتكثفات، وهي سوائل هيدروكربونية خفيفة تخرج مع الغاز، وتُباع على حدة. ومن المحطة ينضم الغاز إلى الشبكة ذاتها التي تغذي محطات الكهرباء ومصانع الأسمدة والأسمنت وتوصيلات المنازل؛ ولهذا يمكن لمكمن بعيد خلف الأفق أن يسند الحياة اليومية على البر في صمت.

وينتمي ظُهر أيضًا إلى قصة إقليمية. فحقلا «تمار» و«ليفياثان» قبالة إسرائيل وحقل «أفروديت» قبالة قبرص كانت قد أظهرت أن شرق المتوسط يحوي غازًا جادًا، فجاء ظُهر ليؤكد ذلك على نطاق أكبر. وفي عام 2020 جمع «منتدى غاز شرق المتوسط»، ومقره القاهرة، الدول المنتجة والمستهلكة حول طاولة واحدة. وتمسك مصر بورقة مميزة: محطتا إسالة في إدكو ودمياط شُيّدتا قبل سنوات وتستطيعان تحويل الغاز إلى سائل يُصدَّر بالسفن، وهي بنية تفتقر إليها دول الجوار، وعليها يقوم طموح مصر في أن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة.

أما الدرس الأعمق في قصة ظُهر فيتعلق بكيفية بناء أمن الطاقة فعلًا. فالحقول تتراجع مع الإنتاج، ولا يحسم اكتشاف واحد المسألة إلى الأبد، ولا بد أن يستمر الاستكشاف كي تُكتب فصول جديدة. ما أثبته ظُهر هو التوليفة التي تجعل تلك الفصول ممكنة: جيولوجيا تكافئ التفكير الجديد، وتقنيات قادرة على العمل تحت كيلومتر ونصف من الماء، وأطر استثمارية تتيح لرأس المال أن يتحرك بسرعة. هذه التوليفة، لا أي حقل بعينه، هي التي أعادت رسم الخريطة.

مواد ذات صلة

الابتكارات العلمية

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه

أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة