تخطَّ إلى المحتوى

قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب

طلاب مصريون من جامعة المنصورة أخرجوا من صخور الواحات الداخلة عظام «منصوراصورس»، أكمل هيكل ديناصور من أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا. وقبلهم بقرن، دفن عالم ألماني ديناصورات الواحات البحرية في ميونخ فأحرقتها الحرب. حكاية أرشيف الأرض في صحراء مصر، وعلم يمكن لابنك أن يدرسه هنا.

هيئة التحرير·نُشر في ٨ سبتمبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب
Hatem Moushir / Wikimedia Commons (CC BY-SA 3.0)

في سيارة تقطع طريق الواحات، ينام الأطفال في الخلف بينما تمتد الصحراء الغربية على الجانبين كأنها بحر من الحصى والرمل الأصفر. الأب يفكر في تكلفة البنزين وموعد الوصول، والأم تفكر في الأكل الذي حملته في الحقيبة. لا أحد في السيارة يخطر بباله أن هذه الأرض الجافة كانت يوماً ساحلاً دافئاً تجري فيه الأنهار وتمشي عليه مخلوقات بطول حافلة مدرسية، وأن ما تحت الإطارات مباشرة هو صفحات من كتاب أقدم بكثير من المعابد والمقابر وكل ما نسميه آثاراً.

حين نقول «آثار» في مصر، نقصد تلقائياً آثار البشر: تمثالاً أو مقبرة أو بردية. لكن هناك نوعاً آخر من الآثار لا يقل عن هذا قيمة، هو آثار الحياة قبل الإنسان بملايين السنين، ومصر من أغنى بلدان العالم به. هذه الحكاية عن ذلك النوع الثاني، وعن جيلين من العلماء فصلت بينهما حرب عالمية، وعن طلاب مصريين وضعوا اسم جامعتهم على ديناصور صار يُدرّس اسمه في جامعات العالم.

لنبدأ من المحطة الأحدث. في الواحات الداخلة، على بعد مئات الكيلومترات جنوب غرب القاهرة، عمل فريق من «مبادرة جامعة المنصورة لحفريات الفقاريات» بقيادة الدكتور هشام سلام على استخراج عظام من الصخور. وفي التاسع والعشرين من يناير 2018، نُشر الاكتشاف في مجلة «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن»، وهي مجلة علمية تابعة لدار نيتشر، وحمل الكائن اسم «منصوراصورس شاهيني»: الشطر الأول نسبة إلى جامعة المنصورة، والثاني تكريماً للسيدة منى شاهين، إحدى مؤسسات مركز حفريات الفقاريات بالجامعة.

منصوراصورس ديناصور من مجموعة التيتانوصورات، وهي مجموعة الديناصورات طويلة العنق آكلة النبات. عاش قبل نحو ثمانين مليون سنة في أواخر العصر الطباشيري، وكان طوله بطول حافلة مدرسية ووزنه يقارب وزن فيل أفريقي بالغ، وهو بمقاييس التيتانوصورات حجم متواضع. ما يجعله مهماً ليس حجمه، بل أنه أكمل هيكل ديناصور عُثر عليه في القارة الأفريقية من أواخر ذلك العصر: أجزاء من الجمجمة والفك السفلي، وفقرات من الرقبة والظهر، وأضلاع، ومعظم الكتف والطرف الأمامي، وجزء من القدم الخلفية، وقطع من الصفائح الجلدية.

ولماذا يهم هذا؟ لأن أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا كانت ثغرة كبيرة في سجل الحفريات. القارات كانت قد بدأت تنفصل عن بعضها، وكان علماء كثيرون يفترضون أن أفريقيا عاشت تلك الملايين من السنين معزولة، تتطور فيها الكائنات على حدة. عظام منصوراصورس قالت غير ذلك: تحليلها أثبت أن أقرب أقاربه هم ديناصورات أوروبا وآسيا، لا ديناصورات جنوب أفريقيا أو أمريكا الجنوبية. أي أن الحيوانات كانت تتحرك بين أفريقيا وأوروبا في ذلك الزمن، وأن القارة لم تكن جزيرة مقطوعة كما ظُنّ. جملة واحدة في خريطة تاريخ الأرض أعيدت كتابتها بعظام خرجت من صخور الداخلة.

الأهم من الجملة العلمية هو من كتبها. البيان الرسمي للاكتشاف ذكر أن الطالبات إيمان الداودي وسناء السيد وسارة صابر كنّ ضمن الفريق الميداني وشاركن في دراسة الديناصور الجديد، وأن الداودي أسهمت بدور خاص في تحليل الهيكل وتسجيل ملاحظات عديدة عليه، وذلك كباحثات في فريق دولي ضم علماء من متحف فيلد في شيكاغو ومتحف كارنيجي وجامعة أوهايو. هذا التفصيل يستحق أن يتوقف عنده كل أب وأم في مصر: بنات مصريات من جامعة إقليمية، لا من مختبر أجنبي، وقفن في الصحراء وأخرجن من صخورها ديناصوراً حمل اسم جامعتهن. العلم هنا لم يُستورد، بل صُنع.

والآن نعود قرناً إلى الوراء، إلى المحطة الأولى والأكثر مرارة. في مطلع القرن العشرين، بين عامي 1910 و1911، وصل عالم الحفريات الألماني إرنست شترومر إلى الواحات البحرية، وعثر هناك على أول عظام ديناصورات تُستخرج من أرض مصر. وفي عام 1915 نشر وصفه لكائن مذهل أسماه «سبينوصورس إيجيبتياكوس»، أي السحلية الشوكية المصرية: ديناصور مفترس عملاق يحمل على ظهره شراعاً من العظام، يُعدّ من أضخم المفترسات التي مشت على الأرض، وربما أطول من التيرانوصور نفسه. اليوم يعرف كل طفل يحب الديناصورات شكل سبينوصورس، وقليلون يعرفون أن اسمه الكامل يحمل كلمة «المصري».

نُقلت العظام إلى ميونخ، وحُفظت في المجموعة البافارية للحفريات. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية. تروي المصادر أن شترومر، وكان معارضاً للنازية، توسل إلى مدير المتحف أن ينقل المجموعة إلى مكان آمن خارج المدينة، فرفض المدير، وكان من أنصار النظام الحاكم، واثقاً بأن الطيران الألماني سيحمي المدن. وفي أواخر أبريل 1944، قصف سلاح الجو الملكي البريطاني ميونخ، وأصاب مبنى الأكاديمية إصابة مباشرة، فاحترقت المجموعة كلها. كل حفريات الواحات البحرية المعروفة حينذاك، بما فيها الهيكل الأول، وكان آنذاك الوحيد، لسبينوصورس، صارت رماداً. كائنات انقرضت مرتين: مرة قبل ملايين السنين، ومرة بنيران البشر.

بقيت من تلك الحفريات رسومات شترومر وأوصافه المنشورة فقط، وظل الواحات البحرية لعقود اسماً في الكتب أكثر منه موقعاً يُخرج ديناصورات جديدة. حتى جاء عام 2000، حين توجهت بعثة أمريكية إلى الواحات البحرية وعثرت في جبل الفجة على هيكل جزئي لصوروبود هائل. وفي يونيو 2001 نشر جوشوا سميث وزملاؤه وصفه في مجلة «ساينس»، المجلد 292، وأسموه «باراليتيتان شترومري»، أي ما يقارب معناه «عملاق سهول المدّ الخاص بشترومر». بعد سبعة وخمسين عاماً من احتراق عمله، عاد اسم الرجل مطبوعاً على أحد أضخم الكائنات التي مشت على الأرض، وقدّرت الدراسات وزنه بعشرات الأطنان.

بين رماد ميونخ وعظام الداخلة يجري خيط واحد: الصخور المصرية لم تفرغ قط، وإنما كان ينقصها من ينقّب فيها بأدوات هذا العصر. اليوم، وعلى حد علمنا حتى تاريخ كتابة هذه السطور، يعمل فريق جامعة المنصورة نفسه في مواقع الواحات البحرية القديمة، وأعلن عن عظام أول زاحف طائر يُعثر عليه في مصر، وعن فقرة من ديناصور مفترس، من التكوين الصخري نفسه الذي عمل فيه شترومر. ما ضاع في الحرب لا يعود، لكن التربة التي أخرجته ما زالت هنا، وما زالت تعطي.

ولمن يريد أن يرى هذا الأرشيف بعينيه لا في الصور، فإن وادي الحيتان في الفيوم، المدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2005، يحتفظ بحفريات عمرها نحو أربعين مليون سنة يمكن المشي بينها، وله في هذا الموقع مقال رحلة كامل يُنشر في الرابع والعشرين من سبتمبر.

الرسالة التي نخرج بها من هذه الحكاية بسيطة وثقيلة في الوقت نفسه. مصر أرشيف لتاريخ الأرض، لا لتاريخ الإنسان وحده. طبقاتها الصخرية تحفظ سواحل انحسرت وأنهاراً جفت وكائنات لا تشبه أي شيء يعيش الآن، وهذه الطبقات لا تحرسها البوابات والتذاكر، بل يحرسها أن يعرف الناس قيمتها. حجر يحمل عظمة متحجرة قد يُكسر ليُستخدم في بناء سور، أو يُباع بثمن بخس لسائح، أو يُترك حيث هو لينتظر من يقرأه. الفارق بين الاحتمالات الثلاثة هو الوعي فقط.

وهناك رسالة أقرب إلى البيت. علم الحفريات لم يعد شيئاً يُدرس في الخارج ثم يُروى لنا. الطالبات اللاتي كتبن اسم المنصورة على ديناصور درسن في جامعة مصرية، وتدربن في الصحراء المصرية، ونشرن في مجلة عالمية من مصر. الطفل النائم في المقعد الخلفي من السيارة التي تقطع طريق الواحات يمكن أن يكون بعد خمسة عشر عاماً هو من يخرج من هذه الصخور الاسم التالي، وهذا ليس حلماً مستورداً بل مسار موجود فعلاً.

فحين تعود تلك السيارة من رحلتها، وينظر الأب في المرآة إلى الصحراء التي تبتعد خلفه، ربما يليق أن يقول للأطفال حين يستيقظون شيئاً بسيطاً: هذه الأرض التي تراها فارغة كانت قبل ثمانين مليون سنة مليئة بالحياة، وبعض ما عاش عليها ما زال نائماً تحتها، وفي جامعة قريبة منكم ناس يعرفون كيف يوقظونه. قد تكون هذه الجملة أول درس في علم يستحق أن يُدرّس في بيوتنا قبل مدارسنا.

مشاركة

مواد ذات صلة

قارة أفريقيا ووادي النيل كما يرصدهما قمر صناعي في مدار منخفض
الابتكارات العلمية

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه

أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

منصة بحرية لاستخراج الغاز الطبيعي
الابتكارات العلمية

حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط

في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

كاميرا فوق الجريح: تصوير ضحايا الحوادث ونشرهم ليس «توثيقاً» بل انتهاك يعاقب عليه القانون
كده غلط

كاميرا فوق الجريح: تصوير ضحايا الحوادث ونشرهم ليس «توثيقاً» بل انتهاك يعاقب عليه القانون

حادث على الطريق، والحلقة الأولى حول المصاب ليست من المسعفين بل من الهواتف المرفوعة، ثم يصل الفيديو إلى مجموعات العائلة قبل أن يصل الخبر إلى أهله. «كده غلط» تسمّي السلوك باسمه، وتشرح لماذا يعطّل الإنقاذ وينزع الكرامة، وماذا يقول الدستور وقانون 175 لسنة 2018 وقانون الاتصالات وقانون الملكية الفكرية، ولماذا لا تنطبق المادة 309 مكرر على الطريق العام، وما الذي يفعله الإنسان الرشيد بدل رفع الكاميرا.

٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة